حرب أهلية في شارع بيروتي

لوحة لمنصور الهبر

الطريق ضيّق في الأساس. وفي الأساس، الزحمة خانقة. والسير متباطئ. الرصيف من الجانبين، تتعمشق عليه السيارات، إما لعدم وجود مرائب للتوقف، وإما في الغالب الأعمّ بسبب عدم احترام الحيّز الذي ينبغي أن يكون للمشاة حصراً.

حاول أحد السائقين تخفيف سرعته، المتباطئة أصلاً، بحثاً عن موقف أمام الصيدلية. غايتُهُ أن يشتري دواء، وليس ثمة مكانٌ متوافرٌ للتوقف.

كان ذلك كافياً لإثارة اقتتال. أو حرب. أو عراك. أو زعيق. أو نباح. أو تشابك بالأيدي. وبالألسن.

لا فرق.

لم يكن بين الفعل، فعل التباطؤ بقصد التوقف وبين ردّ الفعل، أكثر من خمس ثوانٍ. صدِّقوني، لا أكثر. أنا متأكدٌ من ذلك.

الناس متوترون أصلاً وفصلاً. لا يحتاج الواحد منهم لسبب، كي يخرج عن طوره.

يكفي عند إشارة كهربائية، أن ينتقل الضوء من الأحمر إلى الأخضر، حتى – في اللحظة ذاتها – تقوم قيامة الأبواق وأشكال الزعيق القليلة التهذيب. بل الخالية منه. بل المثيرة للقلق والخوف والهلع.

كان ثمة هناك طريقان متصالبان. السير متوقفٌ في الوراء. السير متوقفٌ في الطريق الآخر. كلّ تخفيفٍ للسرعة من شأنه أن يضاعف التوتّر. ويصعّد الموقف.

يريد الرجل، صاحب السيارة الرباعية الدفع، أن يشتري دواء. لكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك في المكان.

كان عليه في الواقع أن يركن سيارته في مكان آخر. أو أن يبحث عن صيدلية أخرى. كما كان في إمكان الآخرين – على سبيل الافتراض ليس إلاّ – أو على سبيل كلنا بالهوا سوا وما حدا أحسن من حدا – أن يبلعوا ألسنتهم وأبواق سياراتهم. لكن لا جدوى.

علا الصراخ بسرعة جنونية.

فتوقفتُ عن السير مذهولاً. توقّف معي كوبر. للفرجة.

كان لا بدّ لنا من أن نتوقف. فقد كنا في طريقنا مشياً إلى مقرّ العمل.

– ولو يا عمّ! شو مفكّر إنّك عم تعمل؟! معقول توقِّف السير؟! لازم تعلّمنا احترام القانون بدل ما تفتح طريق ع حسابك. كيف إلك عين؟!

– بدّي اشتري دوا لإبني.

– – مش شايف إنّو مستحيل توقِّف؟ أو مفتكر إنّو الطريق ملكك أو لبيت بيّك.

– ليش تكبير الحكي. احترم حالك. ما بدّها ها القدّ. دقيقة واحدة…

– روح تعلّم التهذيب بالأوّل. أحسن لك. احترم شيبتك.

– يا عيب الشوم عليك وع يلّلي علّموك التهذيب. إنت بلا أهل.

– سعرك رصاصة يا شايب. رصاصة واحدة. اعرف مع مين عم تحكي يا ختيار الز…

كادت الواقعة تقع.

كان ينبغي رؤية الناس الذين تدافعوا من هنا وهناك للفرجة، أو لإصلاح الأمر، أو للتأجيج.

أصحاب المحال خرجوا من محالهم. الزبائن أيضاً. عابرو السبيل تجمّدوا في أمكنتهم. الأبواق أدلت بدلائها وشاركت في الحملة غير اللطيفة. رتل السيارات الطويل ضاعف التوتير، والرتل الآخر على الطريق المتصالب، جعل الأمر يبدو كأنه مواجهة بين متراسين.

كان كوبر الوحيد الذي يتفرّج ويضحك علينا.

أكملتُ سيري صحبة كوبر في اتجاه الجريدة، وأنا مصابٌ بما يشبه الهلع. لقد خفتُ، والله والله، وارتعتُ. شيءٌ، والله، كان يشبه الحرب. بداية كلّ حرب!

كان ينقص شيءٌ من التحزّب السياسي والطائفي بين المتزاعقين، كي يفلت الملقّ. ويبدأ القتال الفعلي.

لكن، أين العجب؟! فنحن في حربٍ أهليةٍ مضمرة. بل في حربٍ علنية.

الله يستر!

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*