حراك الجزائر، المخاطر والرهانات

واسيني الأعرج
القدس العربي
20032019

تعيش الجزائر اليوم حلما لم تعرفه من قبل، لا تعادل فرحته إلا فرحة الاستقلال بالنسبة لجيلي على الأقل، لكنها لا يجب أن تنسى أنها تحت مجهر جهوي ودولي شديد الخطورة، مصالحه في استمرار النظام الريعي، وفي مواجهة نظام شرس، لا شيء يهمه في النهاية إلا مصالحه الخاصة التي يتشبث بها حتى الرمق الأخير، وفي جعبته كل أساليب الخداع وميراث الجريمة السياسية. لنا أن نتخيل فداحة خساراته إذا وصل الحراك إلى تحقيق أهدافه النبيلة؟ عندما تسأل الشباب في المظاهرات المليونية، هل سيستمر الحراك في سلميته على الرغم من الألعاب التي يمكن أن تخترقه من النظام أو من أتباعه أو من ذوي المصالح؟ يأتيك الجواب اليقيني: ستظل سلمية ولن نمنح النظام قشة النجاة، ولا حتى إمكانية إعلان حالة الطوارئ. وحتى عندما يُستحضر المثال السوري، يأتيك الجواب أيضا صارما ويقينيا، أن البنيات تختلف على مستوى التجربة النضالية والتكوينات المجتمعية الثقافية والدينية، وطبيعة الجيش الوطنية مهما اخترقتها المصالح المختلفة على مستوى القيادات العليا. لكل حراك خصوصيته.
الخطر الوحيد والكبير في الحراك الجزائري هو الطلاق النهائي بين القوتين الكبريين: الأمن السري والجيش في الجزائر ودخولهما في حرب سرية أو حتى معلنة، وقتها يصبح الخطر حقيقيا ليس على المجتمع المدني فقط، ولكن على البلاد كلها التي ستدخل في دوامة شديدة الخطورة، ما يفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الأجنبية، فتخرج إلى الواجهة كل المعضلات الثقافية، والإثنية والدينية والحداثية التي لم تحسم.
القوى الاستعمارية الحديثة وبعض الأنظمة الجهوية التي أصبحت اليد العربية المنفذة ميدانيا، لا تنتظر إلا هذا، من أجل توطين الحركات الإرهابية المشتتة بعد هزيمتها في مختلف بلدان الربيع العربي الدموي، والزج بالبلاد نحو ظلام دامس. هذه اللوحة يراها شباب الحراك اليوم ويعونها جيدا، فهم مصممون على الذهاب بعيدا، أبعد من العهدة الخامسة، باتجاه إزالة النظام الريعي نهائيا. وسنكون تبسيطيا إذا تخيلنا أن النظام سيختار الذهاب بقرار فردي أو جماعي. فهو مترابط عضويا ومصلحيا بالبلاد وخارجها، الأمر الذي يجعل المخاطر حقيقية، لهذا وجب التنبه لها.
هل من حل انتقالي سريع يفوت الفرصة على الذين يتربصون بالبلاد شرا؟ هل يفهم النظام، إذا بقي فيه شيء من الوطنية التي تغنى بها على مدار أكثر من ستين سنة، أنه آن الأوان أن يمهد لانتقال سلمي سريع للبلاد، بالتخفيف من عناء الشعب؟ خطابه اليوم حول الحكومة الجديدة والندوة الوطنية، والدستور الجديد يبدو متخلفا جدا عن مطالب الحراك. الحكومة القادمة ستكون لا حدث مهما كان شكلها وتركيبتها.

هل يفهم النظام، إذا بقي فيه شيء من الوطنية التي تغنى بها على مدار أكثر من ستين سنة، أنه آن الأوان أن يمهد لانتقال سلمي سريع للبلاد، بالتخفيف من عناء الشعب؟

الحل الوحيد المنتظر منه هو أن يمهد الطريق لتنقل سريع لن يكون فيه هو المسير للمرحلة الانتقالية، فالثقة فيه اندثرت نهائيا. الأمر أكبر من رئيس مريض أصبح رهينة في يد العصابة التي لن تتخلى عن مصالحها بسهولة. ستستثمر ما ابتدعته من خلافات وصراعات تعرف جيدا كيف تحركها، مادية وعرقية، ودينية، وحتى طائفية، الفوارق بين الشمال والجنوب، لتشق حراكا صلبا ومتماسكا؟ وأعتقد أنها بدأت في ذلك، ستلعب بالنار التي ستأكلها بلا رحمة هي أيضا. فأي دم يسيل في الحراك سيعمق الشقاق المجتمعي وقد يدفع بالبلاد إلى مهاو لا أحد يعرف لها اليوم بداية أو نهاية، لكن في الوقت نفسه سيحول سدنة النظام إلى مطلوبين في محكمة الأمن الدولية، أو إلى خدم صغار لنظام عالمي زاحف بدماره المخيف.
النظام، بحكم خبرته الميدانية، مدرك لذلك جيدا، لهذا تفادى استعمال جهازه الأمني القوي، وقد جرب اختباره من خلال الهجوم على متحف التراث القديم، لكنه لم يعط أي شيء، فقد استمات شباب الأمن أنفسهم في الدفاع عن المتحف بأيديهم وأجسادهم، دون إطلاق رصاصة واحدة، وتحملوا قسوة الهجوم والحجارة، ومنعوا مجموعات العصابة من حرق المتحف والزج بالحراك نحو العنف، وهذا يعني أن النظام أو على الأقل جزءا منه، مدرك لمخاطر إشعال الحراك. لهذا، بقدر اختصار المرحلة الانتقالية يكون النجاح حليف الحراك، فكل المشكلات التي يمكن أن تنشأ بعدها تحل ديمقراطيا.
لقد أثبت الحراك أنه قادر على التسيير الجيد والمحكم للمظاهرات، ولم يترك أي شيء للصدفة، وحقق الكثير من المكاسب، منها ما هو مرئي ومنها ما هو محصلة الحراك نفسه، سقوط الحكومة التي ليست إلا صورة لعقلية العصابة، قبول الرئيس بعدم الترشح لعهدة خامسة. لكن النظام مستمر في حيله لاكتساب الوقت، اختار لعبة التمديد التي لا تختلف عما اقترحه الرئيس (؟) في رسالته الأولى أن تُمنح له سنة واحدة في حالة فوزه، وها هو يحصل عليها بقرار لا دستوري. بقي على النظام أن يدخل في مفاوضات مباشرة مع الحراك إذ لا خيار ثالث بعد المليونيات الأربع التي ترتفع بشريا ومطلبيا في كل مرة أكثر. وعلى المعارضة، يعني الحراك وليس المعارضة الرسمية المشلولة التي لا تملك أية استراتيجية للخروج من الأزمة وكل رهانها هو السلطة والحكم، أن يبين عمن يحمل رايته ويدافع عن خياراته العظيمة والثقيلة مع اقتصاد في الآلام والحفاظ على الجزائر.

نجاح التجربة الجزائرية، سيمنح الحالة العربية اليائسة نفسا جديدا وقوة حقيقية للذهاب بعيدا في الإصلاحات والتطور واستعادة حق الشعوب لكرامتها المداسة.

المخاطر حقيقية، والقوى الاستعمارية الكبرى المرتبطة عضويا مع العصابة لن تسلم في مصالحها بسهولة إلا إذا وجدت أمامها قوى نضالية متماسكة لا تمنحها أية فرصة للتدخل.
نجاح التجربة الجزائرية، سيمنح الحالة العربية اليائسة نفسا جديدا وقوة حقيقية للذهاب بعيدا في الإصلاحات والتطور واستعادة حق الشعوب لكرامتها المداسة، والاقتناع بأن الأنظمة العربية الفاسدة والعميلة ليست قدرا على شعوبها، ويمكن هز عروشها بالحراك السلمي.
الشعب هو الطاقة الوحيدة التي لا يمكن قتلها وإبادتها. لن يغفر الاستعمار الجديد تحت لافتة النظام الدولي الجديد للجزائر ريادتها وفرادتها في حراكها الذي سيفتح أبواب الأمل على مصراعيه، لهذا وجب الحفاظ على مكسب الحراك بكل قوة. كان يمكن للجزائر أن تشكل قاعدة انطلاق عربية، وعالمثالثية حقيقية، لكن نظام الريع كان دائما يجرها إلى الوراء، إلى درجة تكونت إمبراطوريات مالية ضخمة لم يستفد منها الشعب الجزائري مطلقا، بل أفقرته إلى درجة أن القدر الوحيد المتبقي أمام الشباب هو المخدرات التي أصبحت سوقها رائجة تديرها العصابة (قصة الحاويات في وهران واكتشاف 701 كيلو من الهيروين) في كل الأماكن، حتى في المدارس، أو الانتحار في قوارب الموت. وتم إفراغ البلاد من كل طاقتها العلمية والثقافية والحيوية، بالقتل أو التهجير (العشرية السوداء). وشلت الحركة العمالية، وتخلت عن مطالبها بحجة أمن البلاد بعد أن تسلطت عليها قيادة متواطئة مع الفساد. وتمّ تفجير الأحزاب التقليدية الضامنة للتوازن كجبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية. كل هذا في ظل كذبة كبيرة: الرئيس بخير، تبناها المستعاشون في كل القطاعات الحيوية.
لهذا كله، فهذا الحراك العظيم حامل لآمال بلا حدود، ولكن أيضا للقنابل الموقوتة التي خلفها النظام والتي يجب تفكيكها بهدوء وتعقل في المرحلة الانتقالية. الرهان كبير ويستحق كل التضحيات. الانتهاء من زمرة جمهورية الموز، والدخول في خيارات الجمهورية الثانية، والحفاظ على جزائر موحدة بكل ألوانها، ليست أمورا بسيطة وهينة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*