الرئيسية / home slide / حدث في بعبدا… ميخائيل نعيمة وجبران يتفحّصان الوجوه

حدث في بعبدا… ميخائيل نعيمة وجبران يتفحّصان الوجوه

19-04-2021 | 10:36 المصدر: “النهار”

جبران من اليمين وميخائيل نعيمة.

إبراهيم شلبي (طبيب وروائي مصري)
دعا الرئيس اللبناني إلى عقد هذا الاجتماع الموسّع بعد يومين من الانفجار المفجع الذي دمّر نصف بيروت. ضمّ الاجتماع الذي لم يتخلّف أحد عن حضوره، كبار الساسة وزعماء الأحزاب والطوائف والمذاهب الدينيّة والقادة العسكريّين وبعض الزعماء والرؤساء السابقين. كان الكره الواضح أو النفاق الصريح وتصفية الحسابات والتهديدات العلنيّة والمستترة تسمّم الجو في قاعة الاجتماعات الفسيحة. وقف #ميخائيل نعيمة و#جبران خليل جبران خلف المنصّة الرئيسيّة يتفحّصان وجوه الجالسين أمامهما. لم يكونا مرئيَّين أو مسموعين للحضور. بدا الاشمئزاز على وجه ميخائيل، وقال: “ما أكثر الناس وما أندر الإنسان”! ردّ عليه جبران بلهجة آسفة: “يتكلّمون كالبحر بينما حياتهم شبيهة بالمستنقعات، ويرفعون رؤوسهم فوق قمم الجبال بينما نفوسهم هاجعة في ظلمة الكهوف”. 

الكاتب.  تابعا مناقشة حادة بين بعض الحضور… هزّ ميخائيل رأسه وقال: “ما أسرع الناس في خلق أسباب الشقاق، وما أبطأهم في خلق أسباب الوفاق. متى يُدركون أنّ الحقّ ينفر من كل خصام، وأنّهم ما اختصموا يومًا من الأيام إلا على باطل؟ “ضحك جبران وقال له : “متى؟ّ! لقد سألت أسلافهم منذ أكثر من تسعين عامًا: ماذا عسى أن يبقى من لبنانكم وأبناء لبنانكم بعد مئة عام؟ أخبِروني ماذا تتركون للغد سوى الادّعاء والتلفيق والبلادة؟ هل تحسبون أنّ الزمن يحفظ في ذاكرته مظاهر الخداع والمداهنة والتدليس؟”أوشك بعض الحضور على الاشتباك بالأيدي، فقال جبران لميخائيل: “أعتقد أنه قد آن الأوان لكي نُظهر لهم أنفسنا.” أومأ ميخائيل بالإيجاب، فارتعشت أضواء القاعة وانطفأت لثوان ثم أضيئت. ارتفعت صيحات الدهشة لرؤية الأديبين الكبيرين في وقفتهما خلف المنصّة. قال ميخائيل نعيمة: “نعم، لمن لاحظ الشبه بيننا وبين صور رأيتموها في كتاب أو مجلة. نعم، نحن من تظنون، جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة. ولقد أتينا اليوم لنحضر هذا الاجتماع الهام معكم، رغم علمنا بأنّ لكل كلمة أذن… وأن آذانكم ليست لكلماتنا”. 

ميخائيل نعيمة. صدّق جبران على كلامه بصوت غاضب قائلًا: “نعم، فليس بينكم من يمثّل العزم في صخور جبل لبنان أو النبل في ارتفاعه. ليس بينكم من يتجرّأ أن يقول: إذا ما متّ تركت وطني أفضل قليلا ممّا وجدته عندما ولدت. ليس بينكم من يتجرّأ أن يقول: لقد كانت حياتي قطرة من الدم في عروق لبنان، أو دمعة بين أجفانه، أو ابتسامة على ثغره. حقًّا… ما أكبركم في عيون أنفسكم… وما أصغركم في عينيّ”. ساد الصمت ولم يتجرّأ أحد أن يردّ بكلمة. قال ميخائيل: “أضعتم شهورًا تتحاورون وتتآمرون للتخلص من رئيس الوزراء؛ وشهورًا أخرى تتجادلون في اختيار خليفة له… ودفع الشعب اللبناني الثمن. ولم تفكّروا في الوقت نفسه أن تتخلّصوا ممّا يستبد بكم من عادات سيّئة وتقاليد سوداء. ها أنتم مجتمعون اليوم في أعقاب كارثة عظيمة… هل تتوقّعون أنّه يمكنكم التعامل معها قبل أن تُرسوا أسسًا للتعامل بعضكم مع بعض؟ السلام لا يولد في مثل هذه المؤتمرات… بل يجب قبل ذلك أن يولد في قلوب الناس وأفكارهم”. وتوجّه ميخائيل بحديثه إلى الركن الذي جلس فيه أقطاب الطوائف المسيحيّة والإسلامية… قائلًا: “أمّا أنتم يا من سبقت أسماؤكم ألقاب النيافة والقداسة والفضيلة… لا يريد الله منكم بخورًا تحرقوه أمامه، بل يريدكم أن تحرقوا غضبكم وكبرياءكم وقساوة قلوبكم. ويلٌ لمن كثرت صناديقه ومفاتيحه… وما أكثر صناديقكم ومفاتيحكم، رغم علمكم بأنَّ المحبة وحدها هي المفتاح”. 

جبران خليل جبران. عقّب جبران مواصلًا توجيه الحديث إليهم: “طيلة حياتي كنت دائمًا أزدري من يتّخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين، وأكره الذين يتّخذون الإنجيل وسيلة للتحكّم برقاب المسيحيّين. لقد أرسيتم قواعد تنصّ على أنّ الاعتقاد شيء والعمل به شيء آخر، فحوّلتم لبنان إلى رَجُل مسنّ قابض على لحيته… قاطب ما بين عينيه ولا يفكّر إلّا بذاته. حوّلتموه إلى مربّعات شطرنج بين رئيس دين ورئيس حزب…”. وخفض جبران رأسه ووقف صامتًا للحظات وكأنّه يقف حدادًا على ما مات من قيم، ثم رفع رأسه وقال: “يا أصحاب النيافة والقداسة والفضيلة، من يهوَ النور فالنور يهواه… ولكنّكم – بعكس ما تدّعون – عاشقون للظلام”. بدا الغضب على وجه ميخائيل وهو يستمع إليه، وقال: “أتعلم يا جبران؟… أنا موقن بأَنّ المسيح لو عاد اليوم إلى الأَرض لَلَقِيَ على يد بعض رجال الدين المسيحيّين والمسلمين ويد السلطة الحاكمة أَبشع ممّا لقيه على يد أَحبار اليهوديّة ورجال السلطة الرومانيّة.” ردّ جبران: “هذه هي الحقيقة للأسف الشديد”. وظلّ مَن في القاعة صامتين وكأنّ على رؤوسهم الطير. وارتفع صوت جبران ليهزّ القاعة: “لبنان، هل للراسيات كأرزه تاج ينضّرها مدى الآباد؟ يا ليت ذاك الأرز كان شعارنا بثباته وتواشج فروعه”. ونظر إلى الحضور وقال وهو يشدّد على كل كلمة من كلماته: “لكم لبنانكم ولي لبناني… لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني وجماله… لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام والأماني… لبنانكم الذي حوّلتموه إلى عقدة سياسيّة تحاول حلّها الأيام، ومشكلة دوليّة تتقاذفها الليالي؛ لبنانكم كذب يحتجب وراء نقاب من الذكاء المستعار، ورياء يختبئ في رداء من التقليد والتصنع.؛ لبنانكم الذي جعلتموه سفينة تصارع الأمواج وهي بدون دفّة ولا شراع، ربّانها التردّد وميناؤها كهف تسكنه الغيلان. لكم لبنانكم فاقنعوا به، ولي لبناني… وأنا لا أقنع بغير المجرّد المطلق. لكم لبنانكم وأبناء لبنانكم… ولي لبناني وأبناء لبناني. أبناء لبناني ليسوا منكم وليسوا ملكًا لكم… لن تقدروا على أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم… فلهم أفكار خاصّة بهم… ونفوسهم لن تقطن في مساكنكم… فهي تقطن في مسكن الغد الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم. عبثًا تحاولون أن تجعلوهم مثلكم، لأنّ الحياة لا ترجع إلى الوراء… ولا تلذّ لها الإقامة في منزل الأمس. اقتنعوا بأبناء لبنانكم إن أحببتم الاقتناع بالفقاقيع الفارغة… أمّا أنا فمقتنع بأبناء لبناني… وفي اقتناعي عذوبة وسكينة وطمأنينة. ولمعت عينا جبران بوميض الغضب، وقال: أقول لكم والحق شاهد عليّ، إن نصبة الزيتون التي يغرسها القروي في سفح لبنان لأبقى من جميع أعمالكم ومآتيكم… والمحراث الخشبي الذي تجرّه الثيران في منعطفات لبنان لأشرف وأنبل من كل أمانيكم ومطامعكم. أقول لكم وضمير الوجود مصغٍ إليّ… إنّ أغنية جامعة البقول بين هضبات لبنان لأطول وأعمر من كل ما يقوله أوجه وأضخم ثرثار بينكم. أقول لكم إنّكم لستم على شيء. ولو كنتم تعلمون أنكم لستم على شيء لتحوّل اشمئزازي منكم إلى نوع من العطف والحنان. ولكنّكم لا تعلمون. ونظر جبران إلى ميخائيل نعيمة… فهز رأسه مؤيّدًا. عندها مد جبران ذراعيه وفرد أصابعه، فخرج منها فيض من الصواعق أصاب جميع من في القاعة، فأحرق ألسنتهم! وقف ميخائيل نعيمة يحدّق في وجوههم التي بدا على ملامحها الرعب، ونظر أمامه وكأنّه يخاطب جمهورًا غير مرئي، قال: الذين ما سمعوا وما فقهوا اليوم سيسمعون ــ لا شك ــ في الغد ويفقهون. فما أجملك… وما أعدلك… وما أكملك يا الله! وضع عبد السلام الكاميرا جانبًا وصفّق بحماسة. عبد السلام مصوّر صحافي محترف، كان من ضمن الذين استشهدوا في الانفجار الذي أودى بحياة رفيق الحريري عام 2005. وكان جبران وميخائيل قد اصطحباه معهما ليقوم بتصوير وبث هذا الاجتماع. سأله جبران: “هل صوّرت كل شيء؟” أجاب عبد السلام: “نعم… بما فيه الحوار الذي دار بينكما قبل أن تُظهرا أنفسكما.” تساءل ميخائيل: “وهل نشرت ما صوّرت؟” ردّ: “نعم، فقد قمت بمشاركة ما صورت مع جميع شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع وكالات الأنباء”. قال جبران: “إذًا هيا بنا لنعود من حيث أتينا… ولنترك لبنان في رعاية الله… أمانة في عنق شباب الوطن”. رد عبد السلام متحمّسًا: “سيبدأ الشباب بداية جديدة نظيفة”. ودمعت عيناه وهو يقول: “يا الله… شو بحبك يا لبنان”.