حدائق الجنّة في شومون سور لوار الفرنسية

عين الداخل حيث تستريح أنفس العادلين والملائكة

تحتضن مدينة شومون سور لوار التي تقع في منطقة وادي نهر اللوار التاريخية دورة جديدة من مهرجانها السنوي والعالمي المخصص للحدائق، الذي ينظَّم منذ العام 1992 ويلاقي نجاحا كبيرا إذ يؤمه سنوياً أكثر من أربعمئة ألف زائر من فرنسيين وأجانب.

كل سنة تختار إدارة المهرجان موضوعا أساسيا تتمحور حوله نشاطاته وموضوع هذا العام هو “حدائق الجنة”. نسأل مديرة المهرجان السيدة شانتال كولو دومون عن معنى حدائق الجنة التي يتمحور حولها المهرجان فتجيبنا من خلال تساؤل: “أليس الفردوس هو، بالنسبة الى المؤمنين المكان الذي تستريح فيه أنفس العادلين والملائكة؟ مكان البراءة والنعم التي تصبو إليها البشرية بأكملها”. وتضيف: “الحديقة كانت دائما في جميع الحضارات صورة للجنة بأشجارها وينابيعها وازهارها”.

كالعادة يركز المهرجان على التنوع والإبداع ويشارك فيه مصممو حدائق من مختلف الجنسيات، فيتنافسون في ابتكار حدائق وبساتين تكشف عن مواهبهم ورؤيتهم للطبيعة، كما تعكس علاقتهم بالفنون الأخرى ومنها الموسيقى والهندسة المعمارية والأدب والشعر.

من الحدائق المشاركة، واحدة أنجزها فريق من بلجيكا، “حديقة العزلات”، وهو مكان تسوده الخضرة ومؤات للتأمل والراحة. من الحدائق التي أبدعها مصممون فرنسيون، “عدن”، التي تحيلنا على الفردوس الأرضي الذي ورد في سفر التكوين وفيه شجرتان أساسيتان: شجرة معرفة الخير والشر وشجرة الحياة. هذه الحديقة مصوغة بطريقة تقود الى عين الحياة أو كما يسمّيها جلال الدين الرومي “عين الداخل” التي تسمح باللقاء الحقيقي مع الذات.

من جهة أخرى هناك الحديقة اليابانية وتعكس علاقة بين الأرض والغيوم وتستكشف ما يربط بين ما هو حي وفطري وما تصنعه يد الانسان، وكذلك بين الطبيعة والتقنيات الحديثة. أما المشاركة البريطانية فتتمثل في “الحديقة التي تغني”، حديقة السلام والانسجام التي تدعونا الى الاصغاء الى زقزقة العصافير في ظل الأشجار.

أخيرا تتجسد المشاركة الأميركية من خلال حديقة عنوانها “أن تسكن الجدار” وتظهر الحديقة هنا بصفتها رمزا للجمال والكمال معتبرة إياها انعكاسا للطبيعة نفسها.

في موازاة الحدائق الممتدة على مساحات شاسعة تحضر في هذا المهرجان العالمي أيضا الفنون التشكيلية والبصرية المعاصرة مع مبدعين متنوعي الأساليب قادمين من دول مختلفة. وتعرض أعمال هؤلاء في قصر تاريخي محاذ للحدائق ويشكل امتدادا لها. مفاجأة هذا العام تتمثل في التجهيز الذي أنجزته السينمائية البلجيكية-الفرنسية الراحلة أنييس فاردا، وهذه آخر مشاركة لها قبل وفاتها نهاية شهر آذار الماضي. عنوان التجهيز الذي أعدّته خصيصا لمهرجان شومون، “ثلاث غرف مطلة على باحة صغيرة”، حيث يطالعنا بناء مؤلف من أشرطة سينمائية، في داخله مجموعة من أزهار دوار الشمس وهو يسترجع أجواء أحد أفلامها، “السعادة” وكانت قد أنجزته في العام 1964.

مفاجأة أخرى في دورة هذا العام حضور الأديب الصيني غاو شينغجيان الحائز جائزة نوبل للآداب 2000 من خلال معرض كبير لنتاجه الفني بعنوان “دعوة من أجل نهضة جديدة”، يحتوي على مجموعة أعمال تستوحي الطبيعة منفّذة بالحبر الصيني وتستلهم موروث النتاج الفني لبلاده مع انفتاح واضح على الحداثة العالمية. وهو في أسلوبه يشق طريقا ثالثاً بين التصويرية والتجريدية ويسعى الى إدخال عنصري المكان والزمان في اللوحة. الى جانب لوحاته عُرضت في واجهة خاصة مؤلفاته الأدبية ومنها المترجمة الى لغات عدة بيها اللغة العربية، وكانت حاضرة بين الكتب روايته “جبل الروح” التي نقلها الى العربية كل من بسام حجار وماري طوق وصدرت عن “دار الآداب” في بيروت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*