الرئيسية / home slide / حبسة كلامية

حبسة كلامية

بروس ويليس

 بروين حبيب
القدس العربي
25072022

خبر اعتزال بروس ويليس العمل السينمائي لم يكن شبيها بأخبار اعتزال كنّا عشناها في سنوات مضت، مثل اعتزال بعض نجوم ونجمات الفن العربي في عز تألقهم بسبب فتاوى تحرّم الفن، حين رافقت ذلك الاعتزال موجة من التحجب، وإطلاق اللحى، والهروب بعيدا عن عالم الفن «الموبوء».
ويليس صاحب الابتسامة السّاحرة، وأدوار الأكشن المثيرة، ينهي مرض نادر مسيرته الفنية، ويجعله كائنا غريبا على نفسه، وعلى من يعرفه، هذا المرض يسمى الحبسة الكلامية، وهي الترجمة العربية الأقرب لمرض «أفازيا» الذي يشرحه سواثي كيران مدير «مختبر أفازيا» في جامعة بوسطن، في برنامج تلفزيوني شيق، إنّه مرض يعيق التواصل مع المصابين به، بعد أن يفقدوا القدرة على التحدُّث وفهم الكلام، وحتى القدرة على القراءة والكتابة. «ويتّخذ هذا المرض أشكالا مختلفة إذ يعاني البعض من صعوبة في فهم اللغة، نتيجة لتلف الفص الصدغي، الذي يتحكم في طريقة معالجة الصوت واللغة في الدماغ، فيما يجد البعض الآخر صعوبة في التحدُّث فقط، وهذا بسبب تلف الفص الجبهي» وبطلنا ويليس مصاب في المنطقتين معا وهذا محزن جدا.
قبل ويليس أصيب نجوم بالحبسة الكلامية، مثل شارون ستون، التي رمتها المؤسسة السينمائية في عمر الثالثة والأربعين بعد مصابها، وتخلّت عنها تماما. ومثل النجمة الشابة البريطانية إيميليا كلارك بطلة المسلسل الشهير «Games of Thrones» التي أصيبت بنزيفين دماغيين في 2011، و2013، والتي فقدت جزءا من دماغها كما تقول، لكن من حسن حظها أنها تعافت ولو بشكل غير كامل، وانخرطت في جمعيات خيرية لمساعدة من يتعرضون لسكتات دماغية، ويحاولون التغلّب على إعاقاتهم الجديدة.
لكن ما معنى أن يتوقف الإنسان عن الكلام، وفهم اللغة كمادة منطوقة أو مكتوبة؟
بعيدا عن التفسير الطبي للمرض، والتفسيرات الأخرى المتعلّقة بالصوم عن الكلام بسبب معتقد ديني، يحدث أن نصاب بهذه الحبسة أمام أشخاص نتعامل معهم يوميا، نصاب فجأة بحضورهم بحبسة كلامية، لا نجد ما نقول، وأحيانا لا نفهم ما يقولون. حدث أن أصبنا بها أيضا مع أساتذة في كل الأطوار، بعض هؤلاء الأساتذة تسببوا في إعاقة دائمة لتلاميذ أصبحوا يتأتؤون، وكأن للأمر أبعادا نفسية أيضا.
في مهنتي يحدث أن أصطدم بضيف يصيبني بهذا النوع من «الحبسة» أو يصاب بها، رغم التحضيرات المسبقة لحلقتنا، فأطرح السؤال بعدة صيغ عدة مرّات، عسى أن أحصل على جواب يجعل الحوار ينطلق.. حتى إني صنفت عددا من الكتّاب والشعراء والفنانين كضيوف غير صالحين للبرامج التلفزيونية، ولا أدري إن كان للكاميرا تأثير سلبي فيهم، أو أن «كيميائينا» لا تجانس فيهما. كما يحدث للطالب الذي يفقد ملفّات ذاكرته أمام سؤال الامتحان، فيرى البياض فقط أمامه رغم تحضيراته، تأتي هذه «الحبسة» الغريبة التي ربما هي نوع من الأفازيا، وربما لا… لكنني عن خبرة أعرف معنى أن يصاب الكاتب مثلا بتلك الحبسة الكتابية، أو ما يسمى بـ»متلازمة الصفحة البيضاء» التي قد تمتد بين أيام وأسابيع إلى أشهر وسنوات.
فيليب روث صدم جمهوره حين أعلن توقفه عن الكتابة، كونه لم يعد قادرا على إضافة أي جديد لما كتبه سابقا. قال إنّه مكتفٍ. وهذا الإعلان كان بمثابة إعلان الكاتب عن موته، فالكاتب حي ما دام يكتب، ومتى ما توقف عن الكتابة فهذا يعني أنه رمى سلاحه، وما عاد قادرا على مواصلة حربه ضد الظلم والعنف وقذارات العالم. مارغريت دوراس التي ظلّت تكتب حتى انطفأت قالت «ما يميز الكاتب هو القول، وهو أن يجد دائما ما يكتبه». حين يعلن الكاتب موته بطريقة روث فقد يكون ربما ناقما، كما قال كثيرون حينها، حتى إن أحدهم كشف بعض رسائله وهوسه بالجوائز، وبترشيح اسمه وكتبه في كل ما يمكن ترشيحه، وهذا ربما موضوع آخر، متعلّق أكثر بشخصية أدباء معينين بحيث لا يكتفون بنصوصهم كوسيلة تعرّف بهم، بل يستعملون علاقاتهم للتسويق لأنفسهم كما لو أنهم منتجو بضائع.
رامبو أيضا توقف عن كتابة الشعر، لكنّه لم يتوقف عن الكتابة، كان ثمة دوما ما يستحق الكتابة لديه. سيلفيا بلاث أيضا، كانت ترعبها الصفحة البيضاء، وقد ذكرت ذلك في مذكراتها، مشبهة بداية روايتها بالميدوسا المرعبة، بشعرها المكوّن من الأفاعي. وتصف عطبها ذاك بأنها ترى الصور، والخيالات التي تلهمها، لكنها لا تعرف أن تبدأ. عانت بلاث من التّهميش المتعمّد من أغلب المحيطين بها، وما نالته من شهرة واسعة جاء بعد موتها الصادم منتحرة، وكان ذلك أقصى ما فكّرت فيه بعد أن أطلقت النيران على كائناتها الشعرية الرّقيقة.

هل يمكن لأي إنسان أن يتعوّد على «تكميم فمه» ويتأقلم مع الصمت؟ يُطرح السؤال كما لو أنّه يخرق قواعد الطبيعة، فالإنسان كائن ناطق، وسعادته تكون عظيمة بتعلّمه أسماء الأشياء ونطقها.

يأتي الموت بأشكال مختلفة، ومنه «موت بلاث» الذي لا يشبه «موت روث» أبدا، فالشعور بانتهاء التدفّق الذاتي للكلمات من الدّاخل (حالة روث) لا يشبه أبدا إيقاف هدير الكلمات الصاخب المتدفق من رأس بلاث، مصطدما بجدار عال من اللامبالاة. ربما استولى الموت باكرا على صوتها، وأجبرها على الصّمت، في خمسينيات القرن الماضي، كانت النّساء الأوروبيات قد خرجن من حرب عالمية مدمرة، فتحت بابا كبيرا لأسئلة متعلّقة بالهوية الأنثوية، فمثلا لماذا تجنّد المرأة في الحروب للعناية بالرجال، وإرغامها على الاستمرار في الإنجاب، والاهتمام بالأطفال، دون أن يكون لها رأي في كل ذلك؟ لماذا ينقسم الفضاء المعيش إلى قسمين أحدهما طليق يتحرّك فيه الرجال بحرية، والآخر ضيّق ومحدود ومليء بالمسؤوليات والواجبات غير المنتجة للنساء؟ لماذا يُقذف بالنّساء في المتاهة نفسها، مع أنهن غير متشابهات؟ بلاث نفسها نموذج للمرأة التي لم تخلق للزواج والاهتمام بالعائلة، لقد ولدت لتكون شاعرة، والدليل أنها تحوّلت إلى «أيقونة للشعر الأمريكي» بالقليل الذي كتبته.
هل يمكن لأي إنسان أن يتعوّد على «تكميم فمه» ويتأقلم مع الصمت؟ يُطرح السؤال كما لو أنّه يخرق قواعد الطبيعة، فالإنسان كائن ناطق، وسعادته تكون عظيمة بتعلّمه أسماء الأشياء ونطقها. حتى إن الكبار يحتفون بأبنائهم حين ينطقون بأول كلمة ويتذكّرونها كما لو أنها حدث تاريخي لهم. لكن ماذا لو أن الكلام المنطوق أصبح مفرغا من معناه؟ ماذا لو تمَّ تأويله؟ ماذا لو خرج من أفواهنا بلا صوت، مثل تلك الكوابيس التي نصرخ فيها مستنجدين بأحدهم فإذا بها مجرّد عدم؟
بلاث مثل فيرجينيا وولف، التي أعلنت أن العيش من أجل العيش لا معنى له، الحياة لها قيمة حين ترتبط بالكلمات، والقصص التي تسكن الذاكرة، تقول وولف: «من السّهل جدا اجترار حياتي مثل بقرة/…/ لكني أريد أن أعيش حياة إلى الأبد، حياة لا يصنعها إلاّ الأدب». اختيار الكاتب لموته مرتبط مباشرة بسيل الكلمات الذي يسكنه ويعيش تدفقه المستمر من داخله، فإن توقف السيل لسبب ما مات الكاتب، حتى إن ظلّت الحياة تدب في جسده، فهو دون ذخيرته اللغوية يستحيل أن يواصل الحياة.
محنة بروس ويليس إذن ليست محنة نجم سينمائي لا تهمنا كمثقفين، إنّها محنة كل مبدع حين يفقد القدرة على التعبير، والقدرة على التلقّي، ومحنة هذا العالم الذي نعيش فيه، والذي كلما قربت الفنون أجزاءه المنشطرة، دخل المصابون بحبسات كلامية متنوعة في شجارات ومعارك في ما بينهم فيدمرون ما يملكون وما لا يملكون.
أمّا الغرابة فهي أننا في زمن هذا الكم الهائل من مواقع التواصل الاجتماعي، والترجمات الفورية، وسرعة التواصل بسرعة البرق، يجلس المرء أمام شاشته الصغيرة الذكية لساعات طويلة صامتا، يختزل لغته مع أصدقائه بأحرف وأرقام، يكبس على وجوه صغيرة تعبّر عن ابتسامته دون أن يبتسم، وعن ضحكته دون أن يضحك، وعن دموعه دون أن تنزل دمعة واحدة من عينيه!
في بيت يقطنه عشرة أفراد بعشر هواتف صامتة كل يخوض حروبه، أو يمارس حياته في صمت، نرى العالم المصغّر لمستقبل قريب، عالم كله مصاب بحبسة كلامية، قد تكون أخطر من الحبسة المرضية التي يمكن علاجها بجراحة أو عقاقير أو علاج فيزيائي!

شاعرة وإعلامية من البحرين