الرئيسية / مقالات / حان وقت إقفالها

حان وقت إقفالها


سمير عطاالله
28 شباط 2018 | 00:05
النهار

شعوري حيال هذه المنظمة المسماة “الأمم المتحدة” هو شعور جميع الناس حول العالم: كمن يسلم أمره الى زهرة اقحوان ليطرح عليها أهم الأسئلة: تحبني، لا تحبني! وفي النهاية لا تفعل الأقحوانة اكثر مما تستطيع ان تفعله: تترك المسألة لأصحاب العلاقة.

تسنى لي أن اعرف الأمم المتحدة عن قرب من خلال الدورات السنوية التي حضرتها كصحافي. بدأت هذه المعرفة في عرض درامي عالمي مثير، خلال حرب 1973، إذ سرعان ما انتقلت من الجبهة الى المبنى الأزرق. وفيما كان وزير خارجية مصر محمد حسن الزيات (صهر طه حسين) يخطب، غلبه التأثر فبكى، فما كان من أنور السادات إلّا أن عزله وهو بعد في نيويورك، وعاد الى بلاده مجرداً من حقيبة الخارجية، مكتفياً بحقيبة السفر.

مضيت في تغطية دورة الجمعية العمومية، وفي الكتابة عن فشل المنظمة في تحقيق أي شيء. لكن مهرجان الحاضرين كان ممتعاً في أي حال، على رغم اقتناع الجميع بأنه سوف ينتهي مع انتهاء الدورة، وتمطر في نيويورك، وتعود الوفود الى ديارها ومعها خيباتها ونياتها الحسنة والصور التذكارية.

كان ثمة خلل واضح وفاضح في نشوء الأمم المتحدة وهيكلها. فقد ظلت تلك الأمم تتجاهل ان مقعد الصين تحتله تايوان بعشرين مليون نسمة بدل الصين الشعبية ومليارها. وكان الصراع الدولي الحاد هو سمة المنظمة، وليس السلام الذي أقيمت من أجله. الولايات المتحدة تطغى على هيكلية المؤسسة، والاتحاد السوفياتي يكافح من أجل المزيد من النفوذ الداخلي، والدول النامية شهر عسل وانتهى وذاب في اسماء كثيرة مثل عدم الانحياز والحياد الايجابي والكتلة الافريقية الآسيوية وباقي الاسماء الحالمة.

حماية الجامعة وتحصينها…
يقول السفير رياض طبارة (1) إن الأمم المتحدة كانت هيئة اعتبارية لائقة مع داغ هامرشولد. وقد حافظ على ذلك المستوى خَلَفه البورمي يو ثانت. لكنها بدأت بفقدان الهيبة الدولية مع مجيء النمسوي كورت فالدهايم، وبدأت زعامتها الفكرية، أوالمعنوية، بالتراجع.

من كان يريد الأمم المتحدة؟ الحقيقة، لم يردها إلآ البائسون والضعفاء والفاضلون الذين رأوا فيها، على الأقل، منبراً للإنسانيات في عالم متوحش يزدهر بالحروب والموت. أما الولايات المتحدة، فقد بدأت تتململ من وجودها، عندما رأت رجالاً أمثال فيدل كاسترو أو ياسر عرفات يعتلون هذا المنبر الشديد الاضاءة. ولذا، لم تعد واشنطن ترسل من المندوبين إلا من كان حاداً. حتى بيل كلنتون، المثقف والنخبوي والطامح الى اكليل ازرق من الزيتون، ارسل شخصية مثل مادلين اولبرايت. ولم يزد عليها في غلاة اليمين إلا جون بولتون.

ولم يكن موقف السوفيات، أو الدول الكبرى الاخرى الاعضاء في مجلس الأمن، اكثر اهتماماً بدور المنظمة. فالمندوبون غالباً بيروقراطيون محترفون، وليسوا ذوي سِيَر متألقة في عالم الثقافة والأدب. كما ارسل جون كينيدي جوزف كينيث غالبريث إلى الهند، أو كما ارسلت المكسيك أوكتافيو باث الى دلهي، أو كما أوفدت تشيلي بابلو نيرودا الى باريس: هاكم ضوءاً جديداً في المدينة.

في المفهوم، أو الإطار الذي تحدث عنه الدكتور رياض طبارة، كان بطرس بطرس غالي الحضور الاستثنائي الثقافي بين فالدهايم وغوتيريس. لكن مادلين أولبرايت نفرت منه منذ اللحظة الأولى: أول فرانكوفوني يأخذ هذا المنصب من الانغلوفونية المقدسة، وأول مرشح لفرنسا. واول عربي. وفوق ذلك، يجرؤ (في مجزرة قانا) على اتخاذ موقف مندّد باسرائيل.

اشهرت “الفيتو” في وجهه ووجوه 14 دولة تؤيده، وهو اسوأ هرطقة في تكوين المنظمة، مثله مثل إعطاء مقعد الصين لتايوان، أو مثل حجب عقوبة مجلس الأمن عن الهند، وابقاء جميع العالم الثالث خارجاً في غطرسة بلا حدود.

هل الأمم المتحدة ضرورية؟

عدنا الى سهول الاقحوان التي نثرت في الهواء من دون إجابة. الآن وبعد كل هذه السنوات، نقول لماذا يدفع العالم ثمن استمرارية شاهد الزور هذا؟ كنا نقول في الماضي، إن الفشل السياسي لا يهم ما دامت المنظمة اطاراً للعمل الإنساني. أي عمل إنساني؟ إذا كانت تكتفي بالتقاط الصور في مآسي مثل الغوطة، فلا حاجة إليها.

اعتزل الاخضر الابراهيمي مبكراً الوساطة في سوريا، مدركاً أن المأساة كبيرة والأمم المتحدة بلا قوة وبلا كرامة، وأنها باقية مسرحاً دموياً يتبادل فيه الروس والاميركيون نصال “الفيتو” وسماجة النقاش. ألم يقل مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة الاسبوع الماضي (2) “سمعنا أخباراً تقول”. يا رجل، انت سفير دولة ارسلت الى الفضاء قبل أيام جرماً يحمل 12 قمراً صناعياً. يا رجل، انت سفير راعي المؤتمرات في سوتشي وقازاخستان وجنيف وفيينا، ثم تقول “سمعنا أخباراً”؟.. وانت يا مبعوث الأمم سنيور دو ميستورا، ألم يتعب حنكك ويمل الكلام الفارغ فوق تراب السوريين؟

من الممكن أن يحدث كل ذلك دونما حاجة الى الأمم المتحدة. ودونما حاجة الى مبارزات مجلس الأمن حيث تغطي كل دولة انحيازها وتعرقل جميع مساعي السلام ومحاولات انقاذ البشر. من يعرف حقاً اعداد الضحايا التي سقطت في سوريا والعراق وليبيا خلال العقد الماضي؟ وما هو الدور الذي يمكن ان يسجّل “لذلك الشيء الذي يسمّى الأمم المتحدة” كما وصفه عراف الأمم شارل ديغول العام 1960؟.

بدل ان توحد نفسها في سبيل سلام عالمي، أو اقليمي، أو محلي، زادت صراعات مجلس الأمن ضراوة جميع الحروب. وما دام نظام المؤسسة لا يتغير، فإن شيئاً لن يتغير أيضاً. إذ يبدو ان ساعي البريد لم يبلغها بعد أن تركيبة الكون قد تغيرت، ونظام القطبين قد انتهى. مضى سحر الكبار. وفي الساحة السورية وحدها تجد روسيا وأميركا عدداً من الشركاء والاعداء. والوضع الإنساني هو آخر ما يهم “الأسرة الدولية” إلا من بيان من هنا وناطق يتمخمض بالدماء من هناك.

الأمم المتحدة بنظامها الحالي، انتهت. لا تساوي كلفتها ولا تبرر ما يُصرف عليها من مال وجهد. فشلت كقوة سياسية، وفشلت كقوة عسكرية، حيث ضرب جنودها الرقم القياسي في عمليات الاغتصاب، ناهيك بالفضائح، وأشهرها “النفط من أجل الغذاء” برعاية السيد كوفي أنان، أحد الذين أهدروا إرث هامرشولد، الرجل الذي عين “لكي يكون مستر لا شيء” فأصبح الرجل الذي لا خلف له. كان اكبر من الدول الكبرى بحيث تآمرت لقتله.

الامين العام في المنظمة الجديدة يجب ان يكون – مثل هامرشولد – زعيماً عليها وشريكاً لزعماء العالم، وليس بطانية يغطون بها مسلسل الارتكابات الذي تحول الى حرب عالمية ثالثة موصوفة غير مسماة.

ما هو البديل؟ لا حاجة الى بديل. بل ربما أدى غيابها الى البحث عن بديل حقيقي غير هذا التخدير الكاذب الذي لا مهمة له سوى حضور الجنازات الجماعية في ارجاء الأرض.

(1) مقال في “الدايلي ستار”، 15 آب 2015

(2) “النهار” 22 شباط 2017

اضف رد