جيل النفايات


قرأت على صفحة الدكتورة بريجيت كالان على الفايسبوك أن مجموعة من خمسة طلاب في الهندسة المعمارية في معرض تسميتهم مشروعا هندسيا لنمط جديد من استخدام واستثمار نهر بيروت استحدثوا التعبير الذي يمكن أن يصبح مع بعض التداخل في معنى كلمة
المزدوج كالتالي:
Generation

جيل النفايات. وكما قدموه بلغتين:
“Generation Poubelle” و”Garbage Generation”.

التسمية تتخطى من وجهة نظري مجرد اسم مشروعٍ بيئي فنيٍّ اجتماعي استثماري. إنها تسمية ثقافية سياسية لبنانية لامعة:

فأزمة النفايات التي باتت في السنوات الثلاث المنصرمة وتستمر المعْلمَ الأبرز والأكثر فضائحية الأول الشامل على فشل الدولة اللبنانية وانحطاط الطبقة السياسية أصبحت الآن عنوانا لحياة ومعاناة جيل شاب ليس أدق وأبلغ من تسميته: جيل النفايات. جيل هو بالضبط ضحية انحطاط الطبقة السياسية بكل تلاوينها الأساسية. الانحطاط السياسي الذي يحمل معه انحطاط المجتمع. فالنفايات المنزلية والصناعية وهي تتكدس على الطرقات تعيد معها “تنظيم” ليس فقط علاقة المجتمع بالدولة بل علاقة المجتمع بنفسه الذي يدخل نفاياتيّاً، رغم الضوابط، في صراع يومي بين كل قرية وقرية وحي وحي في أي مدينة وأحيانا بين كل بيت وبيت وعائلة وعائلة. النفايات هنا باتت الإعلان الفاضح لا عن عجز الدولة فحسب بل أيضا عن تحول كل طائفة الجغرافي من كيان واحد شبه مستقل ولو غير معلن إلى مكبات متصارعة، إلى جغرافيا تحددها النفايات المتصادمة لا الشعارات. فالنظام الطائفي لن يسمح بضياع معالم الكانتونات التي استقر عليها بل ينقل، ولو دون إعلان، حدودها الأمنية إلى حدود نفاياتية وتوافقاتها إلى توافقات نفاياتية هنا وهناك وهنالك.

هكذا انتقلنا من “جيل الحرب” -جيلنا- إلى “جيل النفايات” – جيل أبنائنا. لكن المفارقة الجوهرية هنا أن الميليشيات التي خاضت الحرب هي نفسها، رموزا وتنظيماتٍ ولاحقا شركات، التي تدير لبنان في الجيلين، جيل الحرب وجيل النفايات.

في الولايات المتحدة سمٌي الجيل الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية “بايبي بومرز” كان له مواصفات الرخاء والاستهلاك، في فرنسا جيل “السواسانت ويتارد” كان جيل ما بعد “الأب” شارل ديغول والتحديث. لكل من الجيلين الأميركي والفرنسي مواصفات، في لبنان كيلا الجيلين، الحرب والنفايات تجمعهما خاصية واحدة هي أنهما جيل هجرة وخصوصا الشباب في الثاني.

عربيا كان جيلنا الذي سيصبح جيل الحرب في لبنان قد حمل تسمية أشمل هي جيل 1967، جيل الهزيمة والانهيار الذي بدا شاملا. ولم يتوقف حتى اليوم.

جاء المضمون السياسي والقِيَمي الجوهري للحكم الذي أصدرته في 28-2-2019 القاضي فاطمة الجوني في قضية ملكية قناة تلفزيون إل بي سي حكما جيليّاً إذا صح التعبير. فهو ينقض، ولو أنه تناول إحدى الميليشيات بحكم اختصاص الدعوى، كل الميليشيات اللبنانية.

ماذا يقول هذا الحكم الجيلي؟

في الصفحة 105:

إن ما تقدّم يعني أنه في حال قضي بالإدانة (إدانة بيار الضاهر وشركاه) فإن ذلك لن يستتبع إعادة أسهم ” إل بي سي” إلى المدعية أو الحكم لصالحها بأية تعويضات عن هذه المعدات لانتفاء حقها بها، بل إن المحكمة ستنتهي إما إلى مصادرتها لصالح الدولة تفعيلا لأحكام المادة 14 من قانون الجمعيات، وذلك في حال إمكان تعيينها، وإما إلى إلزام المحكوم عليهم بتأدية قيمتها إلى الدولة إذا ما تعذّر تعيينها تبعا لتداخلها مع المعدات التي اشترتها الشركة من مالها، وهذه المصادرة تجد سندها أيضا في نص المادة 69 من قانون العقوبات، ولا تشترط وجود الدولة كمدعية في القضية، فموجب الرد هو نتيجة حتمية لجرم إساءة الأمانة، ولكن طبعاً للمالك الشرعي،والمالك هنا هو الدولة، ولا يمكن الرد لغيرها لتعلق الأمر بنصوص آمرة”.

وفي الصفحة 111 وبخط أسود تحت السطور التالية يقول:

“… علما بأن المحكمة ترى أنه إذا كان ثمة أحد يحق له مشاركة الضاهر في أسهمه فهو فقط الدولة التي يعود لها المال الذي تأسست به شركة إل بي سي آي …”

كل هذا الحكم يقوم على فكرة الجباية غير المشروعة التي كانت تمارسها الميليشيا خلال الحرب، كل ميليشيا، وهو بذلك ينسف الأساس القانوني الذي تقوم عليه صروح وقصور ومؤسسات نشأت خلال الحرب. ويصبح موضوع القناة التلفزيونية موضوع النزاع المباشر موضوعا ثانويا بل هامشيا.

ودعوني أكن صريحاً هنا:

لا أعرف السيدة القاضي ولا أعرف هل دُعِمت، من جهة سياسية للدخول إلى معهد القضاء في بداية انتسابها لسلك القضاء حسب ما يحصل عادة مع المرشحين لوظائف الدولة من كل الطوائف في نظامنا الطائفي مع كل تعيين أو معظم التعيينات، أم لم تُدعم، بمعزل عن كفاءتها الكبيرة التي ظهرت الآن واضحة (كما كفاءات كثيرة لم تظهر). ولكن بعد هذا الحكم الذي يصلح لبناء موقف اجتهادي قضائي شامل ضد الميليشيات، وبالتالي الطبقة السياسية الحاكمة، أستطيع أن أقول أن لها أجراً، إذا استخدمنا اللغة الدينية المسلمة، لو لم يكن تعيينها مدعوما، ولكنْ لها أجران لو كان مدعوما لأنها أدانت بالنتيجة جميع الميليشيات التي لا زالت تحكمنا وتدير تفليسة البلد وفساده وتساهم في شل دور القضاء في مكافحة الفساد.

وإذا كانت هناك جهات ميليشياوية وسياسية سعيدة كيدياً بصدور الحكم ضد ميليشيا محددة، فعليها أن تكتم سعادتها لأن الحكم الصادر هو إعلان جديد عميق بأن كل سلوكيات الحرب الجبائية هي وضع اليد على أموال الدولة (ناهيك عن العديد من المواطنين). يعني الملكية العامة (والخاصة). الدولة بمعنى القانون حتى لو عادت ميليشيات أمنية ومدنية قبل ربع قرن وسطت على أموال الدولة بواسطة القانون.

Jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*