جيرجيان: لا حلّ لسوريا من دون انتقال سياسي

ما لم أنسه إطلاقا، يقول ادوار جيرجيان مدير معهد جيمس بايكر للسياسات العامة في جامعة رايس، والسفير الاميركي السابق لدى كل من سوريا واسرائيل والذي شغل منصب وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط، هو ما قاله لي صديقي غسان تويني أنه اذا كان بلد مثل لبنان لا يستطيع ان ينجح كمجتمع متعدد الطوائف في المنطقة، فإن أحدا آخر سواه لن ينجح. يحتفظ جيرجيان برؤية عن المنطقة اختمرت نتيجة خبرته الطويلة ومشاركته العملية في تطوراتها مدى أعوام طويلة. وقد شاركها مع مجموعة من الديبلوماسيين والسياسيين والاعلاميين في لقاء دعا اليه الوزير السابق ابرهيم نجار في مركز مؤسسة نجار في الاشرفية. يستشرف جيرجيان من موقعه المراقب والباحث راهنا، احتمال عدم نجاح ما يسمى “صفقة القرن” التي تعدها الادارة الاميركية ويتوقع كشفها في حزيران المقبل. “ينبغي اولا ان نطلع على مضمون الخطة التي لم تعلن بعد، ولكن ما لم تكن مبنية على المبادئ الاساسية المتصلة بالارض مقابل السلام فإنها لن تنجح”، يقول جيرجيان. في اعتقاده ان حق تقرير المصير بالنسبة الى الفلسطينيين لا يزال قوة سياسية دافعة. وما لم يتحقق ذلك، في رأيه، فإن الأرجحية هي لبقاء الستاتيكو الحالي الذي يعني ان تواصل اسرائيل ممارسة احتلالها بسهولة للاراضي الفلسطينية وبناء اقتصادها، في مقابل أن تعيش في فقاعة غير مستقرة أو ثابتة. فما يحصل على الحدود داخل الاراضي المحتلة مع “حماس” في غزة او على الحدود مع لبنان حيث الاحتمال الدائم للحرب بين اسرائيل و”حزب الله” مع إيران كقوة دافعة في الخلفية، لا يمكن تجاهله. ومع أن رأي جيرجيان أن لا اسرائيل ولا السيد حسن نصرالله يريان الحرب راهنا لحساباتهما الخاصة، فإنه يرى حين يكون هناك فراغ ولا تسوية سياسية يعمل عليها فإن امورا سيئة يمكن ان تحصل. ويرتاب في أن تنجح مقاربة الحل الاسرائيلي الفلسطيني من بوابة السلام الاقتصادي او الامني او من باب بعض التصحيحات الميدانية، معيدا الى الأذهان ظروف مؤتمر مدريد الذي كان إنجازا في ذاته، باعتباره جمع اسرائيل مع الدول العربية المجاورة والدول الخليجية الى طاولة واحدة من أجل مفاوضات مباشرة للمرة الاولى. وفيما يتحدث عن الديبلوماسية التي استهلكت ساعات طويلة للوصول الى هنا، بما في ذلك ما عرف بـ”ديبلوماسية المثانة” التي كان يلجأ اليها الرئيس السوري آنذاك، يروي جيرجيان المسار الذي اعتمد مع الرئيس حافظ الاسد الذي كان يشير الى اسرائيل على أنها الكيان الصهيوني، قبل أن كسر حاجز تسميتها والانتقال الى الاهتمام بالاحزاب في اسرائيل. ويعرب جيرجيان عن شكوكه في إمكان نجاح مفاوضات متعددة تطاول العلاقات الاقتصادية او الامنية، ما لم تحل المسألة السياسية المتمثلة في مفاوضات ثنائية تعالج الامور الاساسية كالقدس واللاجئين والمستوطنات، لأن الصراع سياسي في الاصل وليس اقتصاديا او سوى ذلك.

يعرب جيرجيان عن اعتقاده ان ما شهدته المنطقة من انتفاضات عام 2011 لم يكن مدبرا، بل كان عفويا، معبرا عن ضيق الناس بسياسات الدول والتحالف بين العسكر والنخب الحاكمة في ظل عدم وجود قيادة او أجندة سياسية. وان ما تشهده الجزائر والسودان راهنا هو بمثابة ما بدأ في 2011، وهذه الثورات ستتواصل كما سيكون هناك ثورات مضادة، والتحدي الحقيقي للبلدان العربية هو في معالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في داخلها. أما رد الولايات المتحدة على ما حصل، وهل كان متماسكا، فلا يعتقد جيرجيان ذلك، مستعيدا فكرة أن الولايات المتحدة الاميركية شهدت ديبلوماسية نموذجية بعد الحرب العالمية الثانية لا تكمن في إطفاء حرائق الازمة التي تنشأ فحسب، بل تتعدى ذلك الى إيجاد حلول لها وفق رؤى بعيدة المدى. وهذه الرؤية هي التي ادت الى اعادة استنهاض المانيا واليابان بعد الحرب كقوتين دافعتين اقتصاديتين. ويعرب جيرجيان عن مشاركته الرئيس الاميركي دونالد ترامب في مقاربة يتيمة تتصل بالابتعاد عن الانخراط في بناء الدول، بالاستناد الى الفشل في إمكان بناء ديموقراطية في العراق، وهو ما أدى الى نشوء تنظيم “الدولة الاسلامية”.

ويرى أن ما حصل في سوريا كان أسوأ ما كان يمكن توقعه، والحرب فيها تركت تداعياتها ليس على المنطقة بل على العالم كله. ولا يرى جيرجيان الذي عايش الواقع السوري عن كثب إمكان أن تنتهي الحرب من دون انتقال سياسي، باعتبار أن ما ارتكب لن يسمح بتوافق داخلي من دون عملية تفاوضية

لسياسة انتقالية، خصوصا في ظل أفرقاء مؤثرين كثر قد تكون ايران الاكثر تأثيرا بينهم، حتى من روسيا نفسها التي لم تعد الاتحاد السوفياتي ويعاني اقتصادها صعوبات جمة. وإيران تبسط نفوذها ليس وفق مسعى لكسب الاراضي او احتلالها، بل وفقا لنشر نفوذها كما يحصل في لبنان عبر “حزب الله”، مستخدمة الدين لتحقيق غاياتها السياسية وفق الحاجة.

لا يعتقد جيرجيان ان الحرب محتملة بين الولايات المتحدة وايران، على خلفية ازدياد العقوبات التي تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني. فإيران تلعب لعبة الوقت، وقد توظفه في المدة الفاصلة عن الانتخابات الرئاسية الاميركية لرصد إمكان عودة الرئيس ترامب ام لا، علما أن جيرجيان لا يخفي اعتقاده ان انتخابات اميركية تحصل اليوم يمكن أن تأتي بترامب مجددا الى الرئاسة الاميركية. وفيما يذكر جيرجيان انه درس اللغة العربية في بيروت وله أصدقاء كثر في لبنان، يرى ان مقاربة الادارة الحالية هي في إطار حض اللبنانيين على أخذ الامور بأنفسهم ومعالجة أمورهم تحت طائل ألا يساعدهم احد. فإما أن ينجحوا في اعادة ترسيخ النظام التعددي الطائفي والتشاركي وإما أن فاعلية النظام ستكون على المحك عندئذ.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*