الرئيسية / home slide / جيرار دو نرفال… خسارةُ الشرق الأكثر جمالاً

جيرار دو نرفال… خسارةُ الشرق الأكثر جمالاً

كتب
محمد الأسعد16 فبراير 2021

“شارع في القاهرة” (1950)، لـ أوغست فون سيغين+الخط

لا تشعر غالبية الغربيين الذين واجهوا الشرق أو تغلغلوا فيه، سواء كانوا كتّاباً أو فنّانّين أو سياسيّين أو عسكريّين أو مجرّد رحّالة، بأنّهم يخسرون شيئاً في هذه التجربة، بل يؤكّدون أنه ما سبق لهم أن “عرفوا” أو “تذكّروا” هذه المواجهة أو التغلغل. ذلك أن الشرق يظلّ، بالنسبة إليهم، “نصّاً” يحفظونه عن ظهر قلب، ويردّدونه في كل مناسبة.

ولكن، ثمّة بعضٌ نادر من هؤلاء يجد أنه “يخسر” في هذه المواجهة كلّما تغلغل أكثر؛ يخسر ما عرفَه وتذكَّره، أو ما تخيّله، بكلّ ما تعنيه كلمة التخيّل من معنى. من هؤلاء النادرين يحظى الكاتب الفرنسي جيرار دو نرفال (1808 – 1855) بمكانة متميّزة بين عددٍ من الكتّاب الذين شغلهم الشرق وترك طوابعَه على أعمالهم، مهما كان مِن أمر هذه الطوابع، سواء كانت إنشاءً ذاتيّاً أو تسجيلاً أميناً لصورة الشرق الذي واجهوه في القرن التاسع عشر.

منذ وقت قريب خرجت إلى الضوء طبعةٌ فرنسيّة جديدة من كتاب “رحلة إلى الشرق” الذي وضعه دو نرفال كمجموعة ملحوظات وخطاطات أوّليّة وقصصٍ وشؤون متعلّقة برحلاته. ومع أنّ هذا الكتاب مترجَمٌ إلى العربية وصدر في القاهرة قبل ما ينوف على عقدين، إلّا أنّه لم يحظَ بالاهتمام الكافي عندنا، شأنُه في ذلك شأنُ كتاباتِ آخرين من الأعلام الفرنسيين، مثل فلوبير وشاتوبريان وهوغو، اللهمّ إلّا إذا اعتبرنا عِنايةَ إدوارد سعيد بهؤلاء في كتابه “الاستشراق” اهتماماً عربياً.

عن دو نرفال، وعن رحلته الشرقية تحديداً، يشير إدوارد سعيد إلى الصحافي الذي زار بيروت خلال سنوات الحرب الأهلية في السبعينيات ولاحظ أنّها بدت له وكأنّها لا تنتمي إلى شرق شاتوبريان ودو نرفال. ويعلّق سعيد: “بالفعل، كان الصحافي محقّاً، فالشرق كان اختراعاً غربيّاً”.

أطلق دو نرفال على تجربته في مواجهة الشرق الحيّ اسم “الخسارة”

ويكرّر المؤرّخ المستعرب أندريه ميكيل، في مقدّمة الطبعة الفرنسية الصادرة حديثاً، الانطباع نفسه تقريباً، فيتساءل: “هل تكون مصر التي يتحدّث عنها دو نرفال مزيفة”؟ ويجيب بالقول: “كلا، إنها حقيقية، ولكن بالنسبة إلى دو نرفال”. ويبدو الأمر كما لو أنّ هناك اتّفاقاً عامّاً على أنّ الرحالة الغربي إلى الشرق لا يملك إلّا أن يخترع صورة الشرق، فلا يرى فيه إلّا ما يعرف ويتذكّر، لا ما يرى ويجرّب حقاً. ويعزّز هذه الصورة أنّ دو نرفال يقتبس من كتابات آخرين سبقوه إلى الشرق، ما يوحي بالأثر الحاسم الذي يتركه الكتّابُ الأفراد على الوعي الجمعي العام، وعلى النصوص التي تشكِّل بمجموعها خطاباً، مثل خطاب الاستشراق.

وتجيء غالبية استعارات دو نرفال من الإنكليزي إدوارد ويليام لاين (1801 – 1876)، صاحب كتاب “مسالك المصريّين المعاصرين وعاداتهم”. فهل كان دو نرفال في استعارته يستخدم سُلطةً مرجعيّة من نوعٍ ما؟ وهل خضع في تسجيل ملحوظاته لحدودٍ فرضها ما سُمّي بالاستشراق وضوابطه، في ما يجب قوله أو تجربته في الشرق؟ صحيحٌ أنّ دو نرفال استعدّ لرحلته بقراءاتٍ ضخمة في التراث اليوناني والروماني وفي ما كتبه الجامعيّون والأدباءُ المعاصرون له، إلّا أنّ هذا الجانب كان جزءاً من تجربة المعايشة اليومية التي مرَّ بها في القاهرة وبيروت في عامي 1842 و1843، وهما عامان فاصلان في مصير الشرق العربي آنذاك، إذ شهدا وصول الصراع بين القوى الغربية ومحمد علي في مصر إلى أعلى ذروة فيه.

ولا شكّ أنّ جزءاً كبيراً من أساليب وتقانة بناء التصورات عن الشرق عند دو نرفال كان يستند إلى قراءاته وثقافته، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ شرقه مجرد خيال أو ابتكار خيالي، فهو جاء إلى مصر بالفعل في تلك السنوات، وعاش في أحد أحيائها، ولمَسَ عن قرب طبيعة النظم الاجتماعية السائدة آنذاك، بل وخاض مغامراتٍ طريفةً، مثل ملاحقته لامرأة محجّبة تَبيَّن له فيما بعد أنّها من حريم جنديّ فرنسي سابق من بقايا جيش نابليون استقرّ في مصر وأسلم. ورحل إلى الإسكندرية ومنها إلى بيروت، حيث نزل ضيفاً على أحد شيوخ الموارنة، وهناك شهد “المعارك” الطائفية بين الموارنة والدروز، بل وشارك في بعضها، معتقداً أنّه يخوض معارك تاريخية عظيمة، فإذا به يخوض معارك مضحكة تنتهي باقتلاع الأشجار وإحراق القرى الخالية!الصورة

وفي مُلحَق رحلته، يضع دو نرفال روايتين شيّقتين، إحداهما عن صعود وموت الحاكم بأمر الله الفاطمي، وظهور مذهبه بتأثير تعاطيه للحشيش، وهي رواية ينسبها إلى شيخ درزي وجده سجيناً في بيروت. أما الرواية الأخرى، فتتناول بناء ما يُسمّى معبد سليمان ومقتل المهندس الذي أقامه في ظروف غامضة، وهذه رواية شعبيّة يزعم أنه سمعها من قَصّاص في إحدى حارات إسطنبول. نصّ الرحلة هذا، والذي تَشكَّل مِن أصداء قراءاته في الآداب الكلاسيكية والمعاصرة، وفي ضوء معايشته للشرقيين ومُدُنهم وطرقاتهم وأساليب حياتهم، وإصغائه لأصوات لغاتهم، تؤدّي فيه القدرة الأدبية الخلاقة دوراً، وكذلك المعايشة والنظر. وهذه لا تخضع لمعيار ثابت محدّد، بل لمستوى صاحب الرحلة، وأداته العقلية التي تفرِّدُه عن غيره، سواء كان شرقيّاً أم غربيّاً.

ولعلّ المعيار الوحيد الذي يمكن أن يُستخدم هنا للقياس، هو معيار النزاهة في النظر والحكم والاستنتاج، أي قدرة الرحّالة على الخلاص من الأحكام والآراء المسبقة التي مصدرها كتاباتُ آخرين أو أبحاث عِلم من العلوم الاجتماعية، سواء كان علم إناسة أم علم أعراق الشعوب أم غيره. وقد أطلق دو نرفال على ما حصل له في مواجهة الشرق الحيّ اسم “الخسارة”، ويعني بهذا أنّه خسر في مواجهة الشرق الحقيقيّ الذي دخل فيه، مملكةً بعد مملكة وإقليماً بعد إقليم، ما كان بالنسبة له الكونَ الأكثر جمالاً. وهكذا، لم تعد أحلامه بشرقٍ خياليّ صنعته أقلامُ الآخرين وأهواؤُهم القائمة على قراءة الأدب القديم والتخيّل والأساطير التوراتية، ملاذاً يصلح للسكَن. وكان أسَفُه أبلغَ في ما يتعلّق بمصر، التي اضطرّ أن يختار بينها وبين خياله.

اضطر الشاعر الفرنسي إلى الاختيار بين مصر وبين مخياله حولها

لم يكن دو نرفال في رحلته، إذاً ـ بوصفه فناناً قبل كل شيء ـ قادراً على التخلّي عمّا هو حيّ ومتحرّك في سبيل ما هو ثابتٌ وخالد من تصورات، كما كان الأمرُ مع فلوبير (1821 – 1880) الذي سجّل تجاربه في مصر في كتابٍ له، ولاحقاً مع المعماري لو كوربوزييه (1887 – 1965). بل نجده يتحرّك على صعيدين: مستوى الماضي المتخيَّل (حكاية الحاكم الفاطمي وحكاية إدونيرام مهندس المعبد)، ومستوى الحاضر الراهن (أحياء القاهرة وحريمها وسجون بيروت التركية والنزاعات الطائفية المبكّرة)، وهو ما يوازي، في جانب آخر، تحرُكَّه بين “ما يعرف ويُتَذَكَّر” و”ما يُشاهَد ويُجَرَّب”.

ولا نستطيع أن نوافق على أنّ “الشرق”، بهذه الصفة، كان لدى فنّانٍ مثل دو نرفال مجرَّد “اختراع غربي”، أو هو “حقيقة خاصة به”. فمهما كان من أمر الشرق كواقع، ومهما كان من أمره كخيال (وهو في كلا الحالين صورة من صنع الإنسان)، يظلّ ثمّة شرقٌ يَتَباين تأويلُه أو تفسيره. هنالك شخصيّةٌ ما، ملامحُ ما، إلّا أنها ليست من ذلك النوع المطلق والثابت المكرور، بل هي من ذلك النوع الحيّ والمتحرّك الذي يحدث مع كلّ وعي إنساني جديد.

بهذا المعنى نستطيع أن نتفهّم الزوايا والظلال ومناطق الضوء في لوحة يرسمها فنان مثل دو نرفال، واختلافها عن لوحة يرسمها فنّانٌ آخر، وليكن من الفنانين المحلّيّين. ليس سببُ الاختلاف نابعاً من أنّ الأوّل أكثر صدقاً أو العكس، بل من أنّ أحدهما أكثر وعياً وقدرة على الرؤية، بسبب موقفه المتخارج عن الوضعية التي ينظر إليها. وبسبب امتلاكه لأدواتٍ ومناهج نظَرٍ أكثرَ حساسيّةً.