الرئيسية / home slide / جوزفين بيكر: بطلةٌ من الحرب العالمية الثانية

جوزفين بيكر: بطلةٌ من الحرب العالمية الثانية

ترجمة: حيّان الغربيّ
القدس العربي
21112022

خلال شهر يوليو/تموز المنصرم، صدر في الولايات المتحدة عن دار بابليك أفيرز كتاب «لهيب المقاومة: الحكاية غير المروية عن حرب جوزفين بيكر السرية» لمؤلّفه داميان لويس تحت العنوان «العميلة جوزفين.. حسناء أمريكية، بطلةٌ فرنسية، جاسوسةٌ بريطانية» في 496 صفحةً.
هرّبت جوزفين الوثائق السرية في ملابسها الداخلية وسمحت للمقاومة الفرنسية باستعمال منزلها. وهكذا، شكّلت «تهديداً ثلاثياً» وفقاً للمصطلحات المعاصرة، فقد قدّمت أداءً تمثيلياً وراقصاً وغنائياً في ناديها الليلي «شيز جوزفين» في باريس وفي عدد من الأفلام على حدٍّ سواء. وعقب هروبها من سياسات الفصل العنصري في الولايات المتحدة، حظيت بالشهرة في القارة العجوز خلال الفترة الفاصلة ما بين الحربين العالميتين، واعتمدت فرنسا وطناً اختيارياً لها. وبينما مارست الرقص بأزياءٍ مثيرةٍ، ألهمت سكّان العاصمة الفرنسية للاستمتاع بأوقاتهم، إذ وصفتها الروائية الفرنسية سيدوني غابرييل كوليت «بالفهد الأجمل على الإطلاق» كما نعتها إرنست همنغواي بـ»المرأة الأعلى إحساساً التي لم، ولن، يشهد التاريخ لها مثيلاً». لعله حريٌّ بنا أن نعتبرها تهديداً رباعياً، إذ إنها أثبتت موهبتها في التجسس أيضاً خلال الحرب العالمية الثانية، فقد ساعدت الحلفاء كعميلةٍ لدى الاستخبارات العسكرية الفرنسية، من خلال تهريب الوثائق السرية عبر خطوط العدو، وغالباً ما علّقت تلك الوثائق بالدبابيس على ملابسها الداخلية.
وبخلاف العميل التقليدي الذي يجدر به أن يمارس مهامه بعيداً عن الأنظار، استغلت جوزفين شهرتها على هذا الصعيد، فقد صرّحت بجسارةٍ: «من ذا يجرؤ على تفتيش جسد جوزفين بيكر؟».
أضحت إسهاماتها في الجهود الحربية معلومةً على نطاقٍ واسع اليوم، فقد ورد ذكرها في العديد من السير الذاتية والمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية. نالت جوزفين وسام جوقة الشرف الفرنسي وتم نقل رفاتها إلى مقبرة العظماء «بانثيون» في باريس. لكن في عام 2020، أفرجت الحكومة الفرنسية عن ملفات إضافية في ما يخص أنشطتها الاستخباراتية، وقد استند المؤرخ واسع الشعبية داميان لويس، إليها في كتابه الجديد «لهيب المقاومة» الصادر في الولايات المتحدة تحت العنوان: «العميلة جوزفين» الذي يقدّم فيه سرداً ممتعاً، ومبهراً أحياناً، لحكاية بطلةٍ من الحرب العالمية الثانية.
تضمنت أولى مهام بيكر مساعدة الحكومتين البريطانية والفرنسية على استنباط نوايا الحكومتين الإيطالية واليابانية قبيل انضمامهما إلى دول المحور. وقد استطاعت، بسحرها وبهائها، أن تكسب ثقة ملحقٍ في السفارة الإيطالية بسهولةٍ تامة وتدفعه إلى الحديث عن خطط موسوليني للتحالف مع ألمانيا. وفي وقت لاحقٍ، استغلّت صداقتها مع زوجة السفير الياباني في فرنسا لتجمع بعض المعلومات حول نوايا تلك الدولة. وقد ذُكر كلا هذين العملين في وسامٍ حربي تم منحه لاحقاً لجوزفين. بيد أن أبرز عملياتها كانت نقلها لوثائق استخباراتية لا تقدر بثمن من باريس إلى لشبونة، بما في ذلك صور للمعدات العسكرية الألمانية، وقوائم بأسماء عملاء الاستخبارات العسكرية الألمانية «ابفير- ABWEHR» فضلاً عن معلوماتٍ حول القواعد الجوية للقوات الجوية الألمانية «لوفتفافه – LUFTWAFFE» والخطط الألمانية لاحتلال جبل طارق. وقد اصطحبت معها مديرها، وعشيقها جاك ابتي، بصفته مديراً لرحلتها. ويروي لويس حكاية هذه الرحلة في القطار وعلى متن الطائرة وعبورهما للحدود مفعمين بالحماس والثقة. وعند كانفرانك، على الحدود الفرنسية الإسبانية، تمكنت جوزفين من خداع وكلاء المحطة، بل ودوّختهم بتفتيش حقائب احتوت على وثائق محجوبة بالحبر السريّ. علاوةً على ذلك، وفّرت بيكر الدعم للحلفاء بطرقٍ أخرى أيضاً، فقد تحوّل قصرها في دوردوني إلى مقر غير رسمي للمقاومة إبان الاحتلال الألماني لفرنسا. وحين مرضت بالتهاب الصفاق في وقتٍ لاحقٍ خلال الحرب، سمحت باستخدام جناحها في المستشفى كموقعٍ لتبادل الرسائل السرية. وبعد تماثلها للشفاء، عادت إلى خشبة المسرح لتقدم عروضها لقوات الحلفاء في شتى أنحاء شمال افريقيا وللسجناء في معسكر الاعتقال بوخنفالد بُعَيْدَ تحريره، وغالباً ما اشترطت عدم فصل الجمهور على أساس العرق. وفي جميع محطاتها، كانت أغنيتها الأثيرة «أعيش حبين- J›ai Deux Amours» حاضرةً، وقد عنت بذلك حبها لكل من أمريكا وباريس.
أسند لويس قصته إلى أبحاثٍ وئيدةٍ قام بها على مدار عشر سنوات، وهو يسردها بوتيرةٍ سريعةٍ على غرار أفلام الجاسوسية. ولعلّنا نورد هذا على محمل التقريظ والنقد في آنٍ واحد، ففصول الكتاب تنتهي على نحوٍ يحبس الأنفاس، ومن ثم ينبثق طائر الفينيق من تحت الرماد، بينما الصياغة المزخرفة تتدفّق بغزارة (إذ ينبغي أن تكون جوزفين بأمان كي تنسج حبكتها الحيوية لتمنع الموت من بلوغ مبتغاه). لكن شخصيةً جسورةً لم تنل حقها من التقدير، كجوزفين بيكر، في غنىً عن كل هذه البهرجة، إذ إن مجرّد ذكر اسمها كفيلٌ بإذهال الجميع.