جورج نصر، المخرج الذي هاجر من هوليوود إلى لبنان

مات #جورج_نصر.

رحل السينمائي الرائد الذي “وضع السينما اللبنانية على الخريطة العالمية”. عبارة كانت تُلفَظ تكراراً كلما ورد اسمه على لسان.

اجتاز نصر برزانته وأناقته وقلّة كلامه المعهودة وعينيه الدامعتين نحو سبعة عقود من واقع السينما في لبنان. منذ أكثر من أربعين عاماً، لم يقدّم أي جديد؛ اكتفى بالتدريس والانوجاد في بعض المناسبات السينمائية. عاكسته ظروف الابداع والتمويل والبلاد بشكل عام.

عاش اثنين وتسعين عاماً بحلوها ومرّها. عندما أعيد عرض فيلمه الأسطوري “إلى أين؟” في مهرجان كانّ 2017، أي بعد 60 عاماً على عرضه الأول فيه، قال تييري فريمو (مدير كانّ) انه من السينمائيين القلائل الذين رافقوا فيلمهم إلى المهرجان، فالعديد منهم توفوا ولم يعودوا من عالمنا هذا.

“هجرة” معكوسة: هوليوود – لبنان

ابن طرابلس هذا، درس في “الفرير”. كان من يفترض ان يلتحق ببزنس العائلة كما فعل أشقّاؤه، إلا انه انحرف عن المسار الأسري المحتوم، مأخوذاً بحبّه الباكر للسينما. في العام 1948، توجّه إلى الولايات المتحدة ودرس الإخراج في جامعة “يو سي ال آي” المرموقة، ثم تدرّب في هوليوود.

كان ينوي دراسة الهندسة المعمارية، لكن المصادفة اضطلعت بدورها. يروي انه كان يسكن في غرفة صغيرة عند سيدة عجوز. وفي يوم من الأيام كانت تعرّفه إلى لوس أنجليس، فتوقفت في محطة لتتزود بالوقود. هناك رأت شاباً يُدعى جيم كان يسكن لديها. سألها ماذا يفعل، فأجابه بأنه يدرس السينما. فصاح نصر: “ما هي السينما؟”. بالنسبة إليه، كانت السينما نعمة إلهية. لم يعرف ان في إمكان أيّ كان أن يدرسها، فسأله عن مكان دراسته فأجابه: “في جامعة “يو سي ال آي”في قسم خاص”. في اليوم التالي تسجّل فيها. يُقال انه كان يشاهد ثمانية أفلام اسبوعياً في تلك الفترة.

بعد سبع سنوات في أميركا، عاد إلى حضن الوطن. حلم واحد ووحيد كان يدغدغه: تأسيس سينما لبنانية. عندما انطلق في مغامرة “إلى أين؟” في منتصف الخمسينيات، كانت البنى التحتية معدومة. والاحترافية غائبة تماماً. لا يوجد لا ممثّلون ولا تقنيون يجيدون العمل في السينما. فاستعان بحدّاد لصنع سكّة وضع عليها الكاميرا، كذلك بنجّار لصنع عربة آلة التصوير المتنقّلة والألواح العاكسة للإضاءة.

في حين هوليوود كانت وجهة كثر من السينمائيين، فإن نصر تعلّم فيها ثم عاد إلى الوطن، حيث أنجز ثلاثة أفلام. يُمكن القول إنه لم يوفَّق كلياً في تجربته القصيرة جداً (1957 – 1975) قياساً إلى عمره المديد، فبقي إلى الأبد صاحب “إلى أين؟”. وكأن العنوان – السؤال كان لعنة، لازمه إلى حدّ انه لم يعرف إلى أين يذهب بعد فيلمه الأول!

أول فيلم لبناني في كانّ

عُرض “إلى أين؟” في كانّ (1957)، وكانت قناة السويس قد أُمِّمَت للتوّ، الأمر الذي اضطلع بدور سلبي في “انطلاقة” نصر الدولية، بحسب ما يروي: “عانى الكثيرون من عبد الناصر وظنّوا أنّني من أقربائه. لقد تعرضتُ للقدح والذمّ من بعض الجرائد. فـ”فرانس سوار” تعرّضت لي شخصياً، أما “لو فيغارو” فلقّبت الفيلم بـ”محاولة شعرية لبنانية”. وبعدما شاركتُ في مهرجانات عدّة، اكتشفتُ أنّه لا يمكن تقديم فيلم من دون تحضيرات مسبقة أو علاقات عامة، ومن دون آلية عمل. لقد كنّا سذَّجاً، مبهورين بفكرة وصولنا إلى كانّ…”.

بعض أصحاب الصالات في بيروت رفضوا عرض الفيلم، وبعضهم الآخر طلب أجراً أسبوعياً ضخماً. وافق اثنان منهم بغية دعم السينما اللبنانية. وقالا لنصر إنّ هناك ثلاثة أسابيع أو خمسة شاغرة في إمكانهما عرض الفيلم خلالها، ولكن في اليوم التالي تراجعا عن قولهما. بعد أسبوعين، وعندما كان نصر متّجهاً في الباخرة إلى فرنسا في رحلة سياحية، شاهد أحد أصحاب الصالات اللبنانية على متنها، كان ينزل في الدرجة الأولى. في بادئ الأمر، تظاهر بأنّه لا يعرفه. وبعد ثلاثة أيام، أمضيا سهرة معاً، وكشف أنّه تعرض لضغوط منعته من عرض الفيلم. في النهاية، عُرض “إلى أين؟” في “دار الأوبرا”، وكان الجمهور اعتاد مشاهدة الأفلام العربية فيها. لذا شعر بشيء من الغرابة. وعلى رغم ذلك، استمر الفيلم أسبوعين على الشاشات. ويقول نصر إنّ الصالات الاخرى عرضت الأفلام الأميركية والأوروبية لمنافسته، لمنع نشوء سينما لبنانية، وهو بنفسه دفع ثمن ذلك.

“إلى أين؟” حكاية ميلودرامية من حكايات الهجرة اللبنانية إلى الخارج التي لا تنتهي، بل تتجدد مع كلّ مرحلة جديدة. انه فيلم عن تكرار الهجرة وكيف ان الأولاد يرثون فكرة الرحيل والاغتراب من آبائهم. الاغتراب ذاك، نصر يدينه بشدّة، فهو من صنف السينمائيين المسيحيين في الخمسينات الذين دافعوا عن فكرة لبنان انطلاقاً من نيّات قومية ووطنية، بخلاف السينمائيين المسلمين الذين كانوا يعتبرونه جزءاً من وطن عربي. لذلك، يحمل الفيلم “هوية” لبنانية خالصة كانت غائبة في أفلام مجايليه.

نهاية “مأسوية”

بعد “إلى أين؟”، قرر نصر ان يتوجّه إلى جمهوره بفيلم ناطق بالفرنسية، “الغريب الصغير” (1962 – عُرض بدوره في كانّ). لم يشقّ طريقه إلى الصالات اللبنانية للأسباب نفسها التي منعت وصول فيلمه السابق، مع اضافة “حجة” جديدة هذه المرة، وهي انه ناطق باللغة الفرنسية. من ثم أخرج نصر أفلاماً وثائقية، وبعد مرور أحد عشر عاماً، اقترحت نقابة الممثّلين السوريين عليه أفلمة سيناريو كتبه صديق لنصر أصرّ ان ينجزه. فكان “المطلوب رجل واحد” (1975). أراد نصر ان يثبت للمنتجين من خلاله انه في امكانه تحقيق فيلم فنّي ذي رسالة وله طموحات تجارية في الوقت نفسه. أنهى تحقيق الفيلم في شباط 1975، وفي نيسان من العام نفسه اندلعت الحرب الأهلية التي جرفت كلّ أحلامه. خلافاً لغيره، لم يستطع استثمار مأساتها سينمائياً لقول حكاية اخرى عن وطنه. فلبنانه هو مات مع الحرب. مع ذلك، لم يتركه يوماً وأخرج أكثر من مئتي إعلان وكان يسافر مرتين أو ثلاثاً في السنة.

لم يهاجر بحثاً عن ملاذ. ظل يدرّس السينما في الأكاديمية اللبنانية للفنون (جامعة “ألبا”)، متماهياً مع المدرسة الأميركية في الإخراج، وتكفّل بتأهيل أجيال عدة من السينمائيين. اعتاش من القليل الذي جناه. كلّ أربعاء كان يلتقي أصدقاءه في مقهى “نغرسكو” في طرابلس. طلابه يستذكرونه بالخير، بالرغم من حدّيته وتقليديته ومواقفه السياسية المحافظة. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*