الرئيسية / home slide / جورج مسوح… لو كان بيننا، لكتب مقالةً عن العراق

جورج مسوح… لو كان بيننا، لكتب مقالةً عن العراق

أسعد قطّان|الأحد07/03/2021
Almodon.com

الاب جورج مسوحقبل ثلاث من السنين، في مثل هذه الأيّام المثقلة بالربيع من شهر آذار، ارتحل من وسطنا الأب جورج مسّوح، كاهن كنيسة الروم الأرثوذكس في عاليه. اقتلع أوتاد خيمته من الأرض، كوّم الخيمة فوق كتفيه المحنيّتين بسرطان الدم، ومضى بخطوات متثاقلة. كانت الخيمة تشبه كنائس الأعراب الذين كانوا يسجدون للمسيح في خيم تتنقّل بين مطاوي الصحراء كما يروي لنا الرواة الأقدمون. وكان الأب جورج فخوراً بانتسابه إلى هذه الثقافة، ثقافة الأعراب ولغتهم الملهمة. وكثيراً ما كان يردّد أنّ المسيحيّة بَنَت لها بيتاً في هذه اللغة قبل أن تترسّب فيها الآيات الملهمات، آيات سورة التكوير وسورة الرحمن وسورة مريم، التي حوّلت الكلمات إلى أمكنة يستوطن فيها النور.

كثيراً ما كانت قهوتنا الصباحيّة في مكتبه البلمنديّ بين العامين 2002 و2004 تكتظّ بهذا الهمّ، همّ التلاقي الثقافيّ والأخلاقيّ واللاهوتيّ بين المسيحيّة والإسلام. وكان الأب جورج يذكّرنا بأهمّيّة الموضوعيّة العلميّة التي لا تساوم على الاختلافات في العقيدة بين الديانتين. ولكنّه كان يدرك أيضاً أنّ احترام الموضوعيّة لا يحول دون التلاقي الوجدانيّ، وأنّ العلم لا يسيء إلى هذا التلاقي، بل هو قادر على ترسيخه وتعميقه لأنّ العلماء الحقيقيّين غالباً ما يكونون أكثر الناس تواضعاً.

لو كان الأب جورج ما زال ناصباً خيمته بيننا اليوم، لكتب مقالةً عن البابا فرنسيس، وعن العراق الذي يزوره فرنسيس. بعد انتخاب هذا الرجل أسقفاً على رومية، راح بطاركة الأرثوذكس ينظرون إليه وسيماء الغيرة تلوح على وجوههم، لا لأنّه رأس أكبر كنائس المسيح وأعظمها انتشاراً في الأرض، بل لأنّه جعل من قضيّة الفقراء مشروع المشاريع في كنيسته. فغادر إلى غير رجعة «قصره» الأسقفيّ الطاعن في التاريخ، ورفض أن تقلّه سيّارة مصمّمة خصّيصاً له. وما كاد يستقرّ في المدينة القديمة التي لم يزدها قدمها إلاّ جمالاً، حتّى أطلق أوسع عمليّة إصلاحيّة في أكبر «مؤسّسة» على وجه الأرض. ولكنّه قام بهذا لا بسلطة الحبر الرومانيّ الذي أناط به المجمع الفاتيكانيّ الأوّل ولايةً على كنائس العالم قاطبةً، بل بفضل ورشة حواريّة تبدأ على مستوى القاعدة وتطال كلّ زاوية من زوايا الكنيسة الكاثوليكيّة. بعضهم يأخذ على هذه الكنيسة أنّ وجهها الآخر هو دولة الفاتيكان، ويعيب عليها اختلاط مفهوم الكنيسة بمفهوم الدولة. ولكنّ أصحاب هذا الرأي ينسون، أو يتناسون، أنّ كنيسة الغرب الكاثوليكيّة اجتازت مطهر العلمنة الأوروبيّة الذي جرّدها من معظم امتيازاتها العالميّة وخاضت مخاضاُ لاهوتيّاً شرساً قبل اعترافها الصريح في المجمع الفاتيكانيّ الثاني بمنظومة حقوق الإنسان. إنّها، إذاً، كنيسة لا تتراجع أمام التحوّلات المجتمعيّة الكبرى، بل تستخلص منها العبر. وهي لئن كانت اليوم تتماهى بمعنىُ ما مع دولة الفاتيكان، أي الدولة الأصغر في العالم، إلاّ أنّ هذه البنية الدولتيّة تزوّدها بحرّيّة قلّ نظيرها حيال قوى السياسة، ما يعزّز قدرتها على أن ترفع الصوت وتجاهر بما تحسبه حقّاً  في القضايا الإنسانيّة الكبرى.

فرنسيس هذا الذي تعلّم محبّة الفقراء على يدي معلّمه الناصريّ النجّار يزور العراق، هذا الحيّز الجغرافيّ الذي احتضن عاصمة الدولة العبّاسيّة بكلّ ما تمثّله من شغف بالعلم، واحتضن من قبلها إحدى أعرق المسيحيّات في العالم، ومن قبلهما معاً أقدم حضارة في تاريخ البشريّة. يذهب فرنسيس إلى هناك حاملاً رئته الواحدة التي ما زال يعيش بها وضعف قدميه وبسمته البيضاء التي تشبه أثوابه الكهنوتيّة في بياضها. هناك، في العراق المشظّى المشرذم المشلّع بالعنف، يتحوّل خطاب أسقف روما المؤمن بحوار الأديان والثقافات إلى عبارات وحركات يفهمها الناس. يدخل في النجف الأشرف بيت الإمام علي السيستانيّ المتواضع مثل مغارة بيت لحم. يجالس أئمّة الشيعة العظماء في المعرفة والعظماء في الخُلُق يستمدّونه من سيرة الإمام عليّ المغبوطة. يتكلّم مع هؤلاء القوم الودعاء عن السلام والتراحم والمحبّة والإخاء في بلد أنهكته الحروب، وبعثرته مراهقات الساسة الذين يحكمون هذا العالم. يعرف فرنسيس أنّه لن يغيّر العالم بزيارته. ويعرف أنّ أمام شعب العراق درباً طويلاً يقطعه قبل أن يستعيد رخاءه وازدهاره، درباً طويلاً دونه العنف والتطرّف وطبائع الاستبداد، ودونه السلاح ومصالح الدول العظمى، وتلك الأقلّ عظمةً، من حسابات النفط والملح إلى الطاغوت الذي يلبس لبوس الإيديولوجيا الدينيّة. ولكنّ العمارات العظيمة تحتاج إلى من يضع مداميكها، والتحوّلات الكبرى تحتاج إلى أحلام كبرى.

لو كان الأب جورج بيننا اليوم، لعلّه كان سيكتب كلمات أخرى عن العراق وعن فرنسيس الذي يزور العراق، كلمات أقلّ جفافاً من كلماتي وأكثر منها رقّةً وحرارة. فهو كان يجاذب اللغة فتطيعه، ويستحضر الكلمات فتتقافز فرحاً على صفحاته. عزائي أنّه ينظر إلينا في هذه اللحظة بالذات من حضن إبرهيم، أبي المؤمنين، الذي ارتحل من أور الكلدانيّين التي في العراق، كما تقول التوراة، طلباً لوجه الله الواحد الأوحد. من هذا الحضن المبارك يطلّ علينا جورج مسّوح اليوم بهيبة الكاهن العالم الذي لم يساوم يوماً على حقيقة ولا على محبّة ولا على روح مواطنة. يطلّ علينا بحنان ويبتسم…