الرئيسية / home slide / جورج داود قرم الذي عاش في جلباب أبيه

جورج داود قرم الذي عاش في جلباب أبيه

محمود الزيباوي|الثلاثاء16/06/2020
Almodon.com

عارية

يوم الخميس الماضي، افتتح متحف سرسق في بيروت معرض “الباستيل أو بريق الحياة: أعمال مختارة لجورج داود قرم”. يضم هذا المعرض سلسلة من اللوحات المرسومة بألوان الباستيل إضافة لبعض الرسوم التخطيطية، وتشكل هذه المجموعة المختارة جزءاً من مجموعة ابن الفنان التي أودِعت في هذا المتحف منذ عامين.

يحمل جورج داود قرم، اسم والده داود، الذي يُعرف كواحد من مؤسسي الفن التشكيلي في المشرق العربي. اكتشف لبنان هذا الفن في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وكان رواده داود قرم، حبيب سرور، وخليل صليبي. قبل هذه الأسماء، شهد هذا البلد تجارب مشتتة لم تختمر مع عدد من الرسامين الذين لا نعرف عنهم إلا القليل، مثل نجيب يوسف شكلي، نجيب فياض، ابرهيم سربيه، الأخ نعمة الله المعادي والضابط علي جمال البيروتي. لكن مسيرة الرسم لم تبدأ فعلياً إلا مع داود قرم، وذلك تحت عنوانين أساسيين: الحج إلى الغرب ومعاهده، والبحث عن تسجيل الملامح الوطنية في التاريخ الفني، بوجوهه الدينية والجغرافية والتاريخية. 
سافر داود قرم إلى إيطاليا العام 1865 وعاد منها مفتوناً بكلاسيكية عصر النهضة، وصوّر في لبنان العديد من الأعمال التي تختزل عناوينها مواضيعها وجماليتها في آن واحد. سار حبيب سرور على هذا الدرب، فمضى إلى روما، ثم انتقل إلى مصر، وعاد ليستقر في لبنان حيث راح يعلّم فن الرسم في “المدرسة السلطانية العثمانية” وفي محترفه الخاص. وصوّر حبيب سرور “القديس مارون” و”الأميرة العربية” و”البطريرك الحويك” إلى جانب الوجوه العديدة لوجهاء الزمن العثماني الأخير، وحظي بنجاح كبير. إلى جانب قرم وسرور، يبرز خليل صليبي، وهو في صوغ لوحاته لا يختلف عنهما إلا في رفضه الموضوعات الدينية وفي تبنّيه الصارخ لموضوع العريّ.

في محترف حبيب سرور، خطا مصطفى فروخ وعمر الأنسي خطواتهما الأولى في عالم الرسم، بينما تتلمذ قيصر الجميل على يد خليل صليبي. من محترف سرور، انتقل فروخ إلى روما، وبعدها إلى باريس ونيويورك. وتوجه الأنسي والجميل إلى باريس حيث تابعا دراسة الفن خلال ثلاث سنوات. عاد هؤلاء الفنانون إلى لبنان بعدما أكملوا دراستهم في الغرب، وبدأوا بعرض أعمالهم في مناسبات شتى. رصدت جريدة “المعرض” النشاط التشكيلي الناشئ في لبنان، وعرّفت بأعمال ذلك الجيل من الفنانين بحماسة بالغة، كما عمدت إلى تزيين مقالاتها بصور من توقيع فروخ والأنسي والجميل، إلى جانب أعمال قرم وسرور وصليبي.

ينتمي جورج داود قرم إلى هذا الجيل، وتشهد أعماله المختلفة لاتباعه أسلوب والده. وُلد العام 1896 في بيروت، وسافر في 1919 لدراسة الرسم في باريس حيث التحق بالمعهد الوطني للفنون الجميلة في باريس، وعاد إلى مسقط رأسه في 1921، في زمن ولادة لبنان الكبير، وعُيّن عضواً في عدد من اللجان الفنية التنفيذية، وساهم في تأسيس المتحف الوطني وفي إنشاء المعهد الوطني للموسيقى. انتقل إلى مصر في 1930، واستقرّ في الإسكندرية حيث اقترن بابنة سمسار القطن الثري في بورصة الإسكندرية، يوسف بخيت، ودخل هناك ميدان الأعمال، غير انه لم ينقطع عن مزاولة الرسم. أقام معارض عديدة في الإسكندرية، وشارك في إنشاء رابطة للفنانين حملت اسم “المشعل”، ثم انتقل إلى القاهرة في 1948، وتفرّغ للفن بشكل كامل، وتابع مسيرته في العاصمة المصرية حتى 1956 حيث عاد إلى لبنان وواصل نشاطه الفني هناك حتى وافته في نهاية 1971 في بيروت.

وجوه

مثل العديد من الفنانين المعاصرين له، التزم جورج داود قرم بالنهج الأكاديمي الكلاسيكي، ورفض الاتجاهات الحديثة التي برزت في بيروت عند عودته، وسادت بشكل كامل في الستينات. بحسب شهادة الفنان صليبا الدويهي، أثارت جريدة “لوريان” الناطقة بالفرنسية النقاشات حول الاتجاهات الفنيّة الحديثة في منتصف القرن الماضي، وكان أبرز المدافعين عن هذه الاتجاهات الفنان الفرنسي جورج سير والكاتبين جورج شحادة وصلاح ستيتيّة، وحين أقام معرضا لأعماله التي طغا عليها يومها الأسلوب التقليدي، دفعه جورج شحادة إلى الاطلاع على جماليّة الفنون الجميلة حين كتب على دفتر الزيارات الخاصة بمعرضه: “لقد تعدّانا العالم كثيراً ونحن لم نزل نكتفي بسرد الحكايات والتفاصيل”. سافر الدويهي إلى أميركا بعد فترة وجيزة، وعرض أعماله في متحف فيلادلفيا، وصُدم حين كتب أحد النقاد عنه يومها: “إن فن الدويهي ينتمي الى فن أواخر القرن التاسع عشر”.

عاش جورج داود قرم في جلباب أبيه الذي اشتهر باللوحات الشخصية الكلاسيكية التي رسمها لوجهاء من اللبنانيين والمصريين، وانتمى إلى فن القرن التاسع عشر حتى وفاته، كما تشهد أعماله بشكل جليّ. وقد صبّ جام غضبه على الاتجاهات الحديثة كلها، دون أي تمييز بينها، ونشر في 1967 بياناً حول “الفن والحضارة في الزمن المعاصر” اتهم فيه “الماركسية الستالينية” و”المركنتيلية الأميركية” باطلاق الصرعات الفنية المتتالية والترويج لها في حملات تسويقية. وقد ردّ الناقد نزيه خاطر على هذا البيان وانتقده بلطف في مقالة قصيرة نُشرت في ملحق النهار في منتصف شهر نيسان/ابريل من العام نفسه.

استهلّ الناقد التشكيلي مقالته بالتعريف بالفنان، وقال: “جورج داود قرم رسام تقليدي رصين، منضبط، ذكي، يحب الأزهار والطبيعة والوجوه الجميلة والله خالق السماوات والأرض والإنسان والمدنيات المتمدنة. يعرفه قدماء الثقافة في هذا البلد لنشاطاته المتعددة ولنتاجه الفني المنتشر في البيوتات اللبنانية والمصرية القديمة. يرسم كثيراً، وتستوقفه خاصة، الوجوه البشرية المعبرة. وهو يكتب أحياناً بالكلمة، وقد نشر كراساً من ثماني عشرة صفحة من الحجم الوسط يحاول فيه تحديد مفهومه الشخصي لفن ومدنية هذا العصر. وفي الكراس أيضاً أربعون صفحة مزينة برسوم ومنحوتات مختارة لكبار فناني العالم، قدماء ومعاصرين”.

اختزل نزيه خاطر “فكرة الكتاب”، وهي: “الفن في خطر. البرابرة على الأبواب. البرابرة يهاجمون معاقل المدنية. البرابرة ينتصرون. والبرابرة هم بيكاسو، دو بوفيه، برانكوزي، ميرو، موندراين، بكابيا، ماكس ارنست، هارتنغ، جياكومتي، وغيرهم. ويمتاز الكراس بسرعة فكر صاحبه، أو بعدم توقفه طويلا عند مظاهر المدنية الحديثة. فهو يحاكم السريالية، سرياليته طبعا، بستة أسطر. والفن التجريدي بستة عشر سطرا، لا أكثر. هكذا، بسرعة، بعصبية، متهماً هذه المدارس الفنية بالتآمر على الإنسان، ظاهرا، بتقبيح مظهره، وجوهرا، بحذفه معنويا من انتاجها. قيمة الكتاب، أنه يطلعنا على طريقة في التفكير تميّز بها قسم كبير من مثقفي لبنان. لبنان الأمس، ففي عمله هذا اخلاص لجيله، لنفسه، لثقافته، لفنه. ونحن نحب أن نرى فيه نوعا من الدفاع عن أسلوب في الرسم يتعاطاه، أكثر من تهجّم يمتاز بالسرعة على معطيات فن اليوم”.

ختم نزيه خاطر هذا التعليق بالإشادة بالدور الذي لعبه جورج قرم في النصف الأول من القرن العشرين، وقال: “ويبقى جورج قرم، الرسام الذي نحترم. ومن الضروري أن نذكر بالدور الذي لعبه مع كبار جيله أمثال قيصر الجميل ومصطفى فروخ وصليبا الدويهي وعمر الأنسي ورشيد وهبي في تحريك الشعور الفني عندنا. لهذا وحده، يستحقون شكر لبنان”.

بعد مرور أكثر من نصف قرن، يمكن القول ان هذا التعليق يختزل مسيرة الفنان ومكانته في الساحة التشكيلية اللبنانية. فهو في الخلاصة “رسام تقليدي رصين”، “يرسم كثيرا، وتستوقفه خاصة، الوجوه البشرية المعبرة”، والوجوه التي تحضر اليوم في متحف سرسق حتى السابع من شباط/فبراير 2021 هي بعض من هذه الوجوه التي دأب الرسام على تصويرها خلال مسيرته الفنية الطويلة.