“جنوبيات” نزار ضاهر معرضاً لدى “لا ميا كازا” تجول الأبخرة في الوديان حيث السماء تغرق والنهار يتلاشى

يذهب الفنان نزار ضاهر جنوباً، كما تدلّ على ذلك التسمية، في معرضه “جنوبيات”، لدى “لا ميا كازا”. وهو يذهب إلى مقصده الجديد بالأدوات ذاتها التي كنا رأيناها في معارضه السابقة، كي يعالج مشهداً طبيعياً يختلف، إلى حد ما، عن المنظر الطبيعي البقاعي، الذي كان شغل حيزاً مركزيا في أعماله السابقة، ولا شك لدينا في أنه سيعود إليه، حين تقتضي الحاجة الذهنية والمزاج المناسب.

معظم الأعمال التي يضمّها المعرض لا يمكن من خلالها الإستدلال إلى أمكنة في عينها. لذا، يكتفي الفنان بإطلاق التسمية نفسها، أي “جنوبيات” على الأعمال كافة، مع ترقيمها بحسب تسلسل عددي لا أكثر. هذا، وفي ما يختص بالأمكنة، قد يمكن إستثناء لوحات ذات أحجام غير مألوفة (20×100 سنتم)، هي أقرب إلى مشاهد بانوراميّة لهضاب ممتدّة أفقياً، تزيّن بعض سفوحها أشجار. أعمال قد نجد فيها ما يذكّر بمنمنمات من نوع خاص، علماً أنها ليست في حاجة إلى التمحيص عن قرب، كما هي الحال بالنسبة إلى الرسوم الصغيرة الحجم. ولكن، حتى هذه الأعمال، لا تطمح للإشارة إلى واقع موضوعي، بقدر ما تهدف إلى نقل مزايا جوّ عام وجفرافيا معيّنة.

أما بالنسبة إلى الأعمال الكبيرة والمتوسطة الحجم، فإن الأمر يختلف عما سبق ذكره. فالمواقع التي تحتويها اللوحة تبدو كأنها لا تلتصق بمكان معين. مع العلم أنها أخذت من تلك المواقع بعض صفاتها العامة، كي يعيد نزار ضاهر تشكيلها بحسب رؤية ذاتية، لا تخلو من المد المزاجي، لا بل هي تعتمده أساساً في خلق تلك الأجواء التي تعبق بمنطلقات شاعرية، لكونها تأخذ من الخيال ما لا يتوافق دائماً مع سرديات الطبيعة الواقعة أمام أعيننا. وإذا كنا ذكرنا الشعر هنا، فلا بد من الإشارة أيضا إلى أن المناخ، في بعض تلك الأعمال، رومنطيقي بامتياز، ويعيدنا إلى ذاك الضرب من الرومنطيقية، البعيد من الهدوء والسكينة. يتولّد لدينا شعور كأن شيئاً ما يحدث في الأفق، هو مزيج وتفاعل بين غيوم وعواصف وغروب، وتتشارك معه الأرض في احتفائها بحركة العناصر وهيجانها. ثمة شيء، هنا، من رومنطيقية شاتوبريان، عاشق الطبيعة في حالاتها القصوى، القائل: “تجول الأبخرة في الوديان، النهار يتلاشى، وكانت السماء إلى الغرب تغرق”.

يتعامل الفنان مع اللون من دون تقتير، وبأسلوب بعيد كل البعد عن النمط المونوكرومي، بل يمكن القول إنه يضيف إلى الطبيعة الجنوبية أبعاداً لونية خاصة، إضافة الى الأبعاد المكانية، المتعلّقة بخصوصية الرؤية وزاوية النظر. البعد الأول حاضر في الأعمال، وهو الذي تنفتح عبره الرؤية المذكورة، وهو يتعمّد تكريس هذا البعد من خلال تقميش اللوحة وخلق نتوءات من شأنها أن تعكس تمثيلاً رمزياً لجفرافيا المكان. هكذا، ينفتح المشهد، بعد تخطّي مقدمته، نحو سهل أو هضبة أو مجموعة أشجار، وحتى قرية لا نرى تفاصيل بيوتها، لكننا نميّز حضورها، علماً أنها تغيب في ضبابية البعد الأخير من اللوحة.

يبقى أن نشير إلى أن بعض الأعمال، وبالرغم من بعض عناصر التمثيل، أو إشارات تمت بصلة إليه، ليست بعيدة عن الفن اللاشكلي، وبذلك يجمع نزار ضاهر بين نقيضين، مولياً، في الوقت نفسه، أهمية خاصة للناحية البصرية، كما هي الحال لديه على الدوام، كي يترك ذهن المتلّقي موزّعاً ما بين الواقع والخيال.

يتولّد لدينا شعور كأن شيئاً ما يحدث في الأفق، هو تفاعلٌ بين غيوم وعواصف وغروب، تتشارك معه الأرض في احتفائها بحركة العناصر وهيجانها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*