الرئيسية / مقالات / جنبلاط يكسر الحصار ويُفشل “انقلاب الجبل”… وباسيل يسعى إلى تكريس “معادلة حكم جديدة”

جنبلاط يكسر الحصار ويُفشل “انقلاب الجبل”… وباسيل يسعى إلى تكريس “معادلة حكم جديدة”


جنبلاط ونجله تيمور والوزير حماده في اجتماع المجلس المذهبي الدرزي (نبيل إسماعيل).

لا أحد يستطيع أن ينكر شراسة الحملة على وليد #جنبلاط، ولا أن يغير من وقائع الهجوم الذي انتقل إلى مرحلة جديدة، وهذه المرة في قلب الجبل. الأخطر أن ما حصل نهار الأحد كان يمثابة انقلاب على مصالحة الجبل وفق سياسي لبناني واكب كل حقبات الحرب وأخطرها في جبل لبنان، فعندما اشتعل أدخل البلد في منعطف جديد استغرق وقتاً كبيراً لردم ما خلفه الصراع الذي تحول طائفياً صافياً في هذه المناطق من لبنان أي قلبها. وفي الجبل في البيئة الدرزية أولاً ثم في البلد ككل.

أن يحصل في الغرب وفي قرى عاليه ما لم يكن متوقعاً، على وقع زيارة جبران #باسيل، فإنه دليل على أن هناك من كان يستهدف محاصرة جنبلاط وإضعافه، ومنعه من إعادة التقاط أنفاسه، خصوصاً وأن لا أحد يسعفه من حلفائه في معركته السياسية، ما اضطره إلى المواجهة وإعادة رسم الخطوط التي لا يمكن تجاوزها لموقعه الذي أرسى المصالحة في عام 2000، واستمر منفتحاً على كل التيارات، ورفض نبش الأحقاد وتصفية الحسابات والتحجيم، انطلاقاًمن قناعته بأن الجبل لا يمكن أن يكون قلب لبنان من دون المسيحيين.

ما كرّسه 30 حزيران، وإن كان أحدث ثغرة في التوازنات، إلا أنه فتح المواجهة على مصراعيها، ولن يكون بعد هذا التاريخ كما قبله، لا في العلاقة داخل طائفة الموحدين الدروز، ولا بين الحزب الاشتراكي والتيار الوطني الحر وحلفائه في الممانعة. وبعيداً من محاولة البعض وضع المواجهة الجنبلاطية في دائرة تعزيز مصالحها، فإن ما كان يعد للجبل وفق السياسي اللبناني هو أخطر بكثير من مجرد زيارة يقوم بها باسيل، إذ إن قراراً كان اتخذ بتصفية جنبلاط سياسياً، بدأ باللعب في الحساسية الدرزية، ثم تشتيت وضعه لبنانياً ومنعه من التأثير في بيئات أخرى. لذا يرى جنبلاط أن ما يعلنه ويقره هو للدفاع عن النفس، أولاً في بيئته التي تتعرض لهجوم، ثم في موقعه السياسي العام. وهو يدرك اليوم أنه في وضع حساس بعد الحصار الذي تعرض له، ومحاولة سحب قراره في الجبل من قوى أخرى.

واياً تكن النتائج التي ستنتهي اليها معركة الجبل، فإن أخطرها قد يكون إحالة الحادثة الى المجلس العدلين اي أن يتم وضع جنبلاط في قفص الاتهام. وهذا وفق السياسي يتوج الحملة التي بدأت قبل سنتين، حين تشكلت الحكومة واضطر وليد جنبلاط إلى التخلي عن اسم الوزير الدرزي الثالث، فانطلقت عملية محاصرته محلياً وإقليمياً، إلى حد شعر أنه وحده في مواجهة حملات الإطباق عليه. منذ ذلك الوقت كان الهدف محاصرته في الجبل وإضعافه، إذ أن اختيار وزير درزي محسوب على جهة سياسية ممانعة وزيراً لشؤون النازحينن وهو الوزير الطرف في إشكال قبرشمون والبساتين، كان هدفه إبلاغ جنبلاط أن الأمور لا تسير وفق مشيئته درزياً، ثم حصر موقعه لبنانياً في دائرة ضيقة، وتشتيت قوته وإذا أمكن إلغائه أيضاً.

وجد جنبلاط وفق السياسي اللبناني نفسه محاصراً. جزء من المعركة معه أيضاً إضعافه في الحكومة وفي الإطار العام، ثم خرق منزله وبيئته. هو تعرض لمقاطعة وهجمات من #حزب_الله في ملفات عدة، إلى حد استشعر أن الطوق بدأ يضيق حوله وأن قرار الإنقضاض عليه اتخذ لإنهاء دوره أو تأثيره السياسي، فجاءت زيارة باسيل إلى الجبل في لحظة مفصلية انطلقت من مناخ التطويق، وهي مختلفة عن قداس دير القمر في أذار الماضي، لا بل أنها محاولة إلغاء وجود وكسر، لذا لجأ مناصرو جنبلاط إلى قطع الطرق رفضاً للتحدي والاستفزاز، وأدى الامر الى الحادثة المشؤومة فاشتعلت على الجبهة الدرزية من طرف حلفاء الممانعة، فيما كادت الامور أن تفلت طائفياً لو استمرت الزيارة ومعها خطاب باسيل الذي بدأ من الكحالة وكأنه ينعي المصالحة وينبش حوادث الجبل بطريقة استفزت حتى أطرافاً مسيحية أخرى.

الاتهامات التي وجهت الى جنبلاط من دارة خلدة، وموقف “حزب الله” ثم استمرار باسيل في خطابه وكأن شيئا لم يكن، يدل على أن الحملة مستمرة ولن تكون هذه الجولة الأخيرة في المواجهة وفق السياسي الذي يرى أن الامور قد تذهب الى مزيد من الاصطفافات ما لم يتقدم العهد في شكل رئيسي بمبادرة تخرجه كطرف الى جانب تياره السياسي والطائفي وإعادة ضبط التوازنات التي كرّسها اتفاق الطائف في البلد.

ويتوقف السياسي أمام طريقة تعامل باسيل، ليس مع جنبلاط فحسب، بل أيضاً مع الحكومة وكل القوى الأخرى، بمن فيهم ركن التسوية الآخر أي الرئيس سعد الحريري. بعث جبران باسيل برسائل أنه مقرر في الحكومة ايضاً ويستطيع تعطيلها عندما لم يتأمن النصاب، تماماً كما فعل عند مناقشة بنود موازنة 2019. ويظهر باسيل وكأنه يخل بالتوازنات مع كل القوى التي أرست التسوية، ويريد من الجميع موقفاً حاسماً إلى جانبه في وجه جنبلاط الذي دعا إلى التهدئة والالتزام بالقانون مشترطاً إحالة كل الحوادث على المجلس العدلي خصوصاً جريمة الشويفات. ويرى المصدر أن ما حصل قد يجعل من قوى تصطف الى جانب جنبلاط على الأقل داخلياً وفي مقدمتها الرئيس نبيه بري غير الموافق على طريقة ادارة التسوية في البلد.

الحملة على جنبلاط قد تاخذ أبعاداً أخرى، بإشغاله في الفترة المقبلة في الساحة الدرزية واستمرار محاصرته، ووفق السياسي لا يرى حلفاء الممانعة الا الجنبلاطية رأس حربة الاعتراض على محاولات الإمساك بالقرار في البلد والإخلال بالتوازنات، ولان جنبلاط شعر أنه وحيد، قرر المواجهة، ضد تكريس أرجحية فرقاء داخليين على فرقاء آخرين، وتكريس الهيمنة الأحادية في البلد، لحماية منزله من التفكك أولاً، وإذا أمكن لاحقاً الاستناد إلى عامل قوة جديد بالاصطفاف المبني على تحالفات مختلفة. هو مضطر لأن يقاتل على كل الجبهات، لكن الجبل بالنسبة إليه خط أحمر…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد