الرئيسية / مقالات / جنبلاط: “لن يجوع درزي في لبنان طالما المختارة موجودة”

جنبلاط: “لن يجوع درزي في لبنان طالما المختارة موجودة”

خالد البوّاب – الأربعاء 25 آذار 2020
https://www.asasmedia.com/news/385814

عند انفجار ثورة 17 تشرين، وما رافقها من أزمة مالية رُبطت بتهريب زعماء لبنانيين أموالهم إلى الخارج، تحدّثت أخبار متواترة على مواقع التواصل الاجتماعي عن تحويل وليد جنبلاط مبالغ مالية ضخمة من حساباته في لبنان إلى حساباته في سويسرا.

بقي الخبر في خانة الشائعة بينما شرع جنبلاط في رفع دعاوى قضائية ليحاسب المشهّرين به. القصة ليست هنا. إنّما في عبارة أخرى سرّبت عن جنبلاط متوجّهاً إلى نجله تيمور، بالقول: “لا يمكن تحويل الأموال إلى الخارج، هذه كلها ملك للدروز، ممنوع أن يجوع درزي في لبنان طالما المختارة موجودة، وهذا هو دورها التاريخي”.

تُحاكي هذه الجملة سوسيولوجياً وسيكولوجياً الزعامة الجنبلاطية. الزعامة التي تختار الجمع ما بين الإقطاعية والاشتراكية، كما كان كمال جنبلاط يعمل على الجمع ما بين المثالية والواقعية.

منذ الأزمة السياسية والاقتصادية التي عصفت بلبنان، اختار وليد جنبلاط الابتعاد عن السياسة نسبياً وهو أعلنها جهاراً ذات يوم بأنّه لا يريد المشاركة في أيّ حكومة، ويفضّل الذهاب إلى المعارضة والاهتمام بشؤون الحزب والجبل. كانت تلك فرصة لإجراء مراجعة سياسية شاملة وخدماتية فيما يتعلّق بالبيئة الحاضنة، التي تفلّتت منها مجموعات شبابية متعدّدة وانخرطت في الثورة. كان الرجل يعرف دقّة المرحلة وخطورتها، وحماسة الشباب للولوج في عمل سياسي جديد.

يتسم طبع وليد جنبلاط بالتشاؤم، حتّى في حالات الاستقرار غالباً ما يخشى الرجل من المياه الراكدة. تفرض عليه زعامته الاحتساب لأسوأ الاحتمالات، لذلك يكون متشائماً ويتخذ إجراءاته التي تمليها هذه النظرة التشاؤمية، كي لا يكون هناك أيّ ثغرة عندما تلفح رياح المشاكل. وكلّ ما يأتي تحت سقف توقّعاته التشاؤمية، يكون جيداً بالنسبة إليه لأنّه يكون قد احتسب للأسوأ. هذه الحساسية المفرطة هي التي دفعته إلى العبور أكثر من مرّة إلى برّ الأمان. وباكراً بدأ التحضير لأزمة معيشية طويلة. فقد سعى إلى تحويل الجبل والحزب إلى خلية نحل تعمل في توفير المساعدات للناس، ووصل إلى تشكيل لجان تبحث في كيفية تسديد إيجارات المنازل عن غير القادرين على توفير بدل سكنهم.

ما كادت الأزمة الاقتصادية والمالية تقلّب صفحاتها المستمرة، حتّى اجتاح وباء كورونا لبنان. كان استشعار جنبلاط مبكراً عند وصول أوّل حالة إلى لبنان، إذ دعا إلى إعلان النفير العام والبدء بالإجراءات الجدّية. لم يستمع إليه أحد. تحوّل الزعيم إلى مسؤول لجنة بيئية وصحية. كثّف من قراءته حول الوباء، انتشاره وسرعة عدواه، وكيفية الوقاية منه. عمل على تعقيم الشوارع المحيطة بمنزله، وزّع أدوات التعقيم على السجون وبعض المراكز الأمنية، وشرعت أجهزة حزبه باتخاذ الإجراءات اللازمة في القرى. ما قبل الأزمات، يظّن المرء أنّ وليد جنبلاط واهن وخائف، بفعل تشاؤمه. ما بعد الدخول في الأزمة، يتحوّل الرجل سريعاً إلى فاتح. يمتطي صهوة جواده وينغمس في ما وجب فعله.

هنا فقط يتحوّل إلى مبعث للأمل. يسقط التشاؤم، ويرفع راية البقاء والوجود، فتتحوّل السلبية إلى إيجابية، وينقلب التشاؤم تفاؤلاً، يعبّر عنه برفع قبضة يده حازماً أصابعه مُرجفاً كتفه، ويقول إنّها معركة البقاء. البقاء بالنسبة إليه يرتبط ببقاء لبنان كما هو بتركيبته القائمة على توازنات، لا يمكن اختراقها ولا المساس بها. عدا عن ذلك يسقط هذا النموذج، والذي لا بدّ في عزّ الأزمات أن يقوم على التكافل الاجتماعي. عند هذه النقطة، يترك واقعيته السياسية، والانقسام السياسي، ليعود إلى طوباوية تعلّمها من كمال جنبلاط، يختصرها بعبارة “العودة إلى الأرض”. وحدها تكفل مواجهة المجاعة، ومواجهة غضب الطبيعة. هنا يتحوّل من زعيم سياسي واقعي، فريد بتحرّره الفكري، إلى “جويد” تتمازج في شخصه وطروحاته سمات الترابط بين العقل والروح، فتكون دافعاً للحفاظ على الوجود، ومبعثاً على أمل البقاء.  

جزء من معركته في الحفاظ على الدروز بدورهم وموقعهم، يرتبط بهموم الحفاظ على التركيبة اللبنانية. الإرث الجنبلاطي بالنسبة إليه ليس ثروة أو مكانة، إنما مسؤولية جماعة تعرّضت لمخاطر كبيرة، وهي مهدّدة بالانقراض دوماً. النظرة المأخوذة عن الدروز أنّهم يقيمون في محميّة، تحفظ وجودهم في ظلّ معارك وحروب الديمغرافيا وكي لا يتحوّلوا إلى جماعات متبعثرة، وسط محاولات كثيرة لاختراقهم وإضعافهم، وشرذمتهم للسيطرة عليهم. 

تغيّر مفهوم الزعامة عما كانه قبل 200 سنة، يعرف جنبلاط هذه المتغيّرات، التي يجيد التكيّف معها والعبور إلى مناطق الأمان دوماً، حرصاً على الجماعة نفسها من الانحلال. هذا العبور الآمن يحافظ على الزعامة وشرعيتها، المستمدّة من المسؤولية الملقاة على عاتقها، منذ ورث المختارة التي يجب أن تبقى “المختارة”. لا تتحوّل إلى قصر تاريخي أرستقراطي. فهو لا يمكنه أن يكون على ترف الجنبلاطيين الآخرين في البرامية مثلاً، موصداً أبواب قصره على ثروته وحياته الخاصة.

في هذه الشدائد يشتدّ عود جنبلاط، لا يعود فقط زعيماً للدروز، يتجاوز طائفته التي يحميها ويرتكز عليها، ويخرج إلى لبنانيته الوطنية، بالحرص على الجميع

لا يتحمّل الدروز أيّ وفاة في وباء كورونا، كان يقرأها باكراً، ويشرع إلى اتخاذ الإجراءات وتحويل الأموال والطاقات كلّها إلى جهاز صحي على ما يبدو أنّه فعّال حتّى الآن. وشرع في تنفيذ حملة تعقيم مبكرة جداً، لا تقتصر على الدروز إنما تشمل كل الجبل، بمسيحييه ودروزه ومسلميه، بكنائسه ومساجده، وأوعز إلى فريق عمله بوجوب عدم حجب المساعدات عن أيّ جهة محتاجة في الجبل، المسيحيين قبل الدروز، ليقدم على خطوة التبرع العلني لمستشفى الحريري والصليب الأحمر، بعد خطوات سرية في الشوف والجبل.

في هذه الشدائد يشتدّ عود جنبلاط، لا يعود فقط زعيماً للدروز، يتجاوز طائفته التي يحميها ويرتكز عليها، ويخرج إلى لبنانيته الوطنية، بالحرص على الجميع، فلا تكون زعامته أسيرة ما بين باتر وكفرحيم. يحتاج إلى ما هو أوسع من ذلك، والآخرون يحتاجونه أيضاً. كحال علاقته مع السنّة، المستهدفين دولياً وأممياً في إطار حروب النفط وصراعات الأقليات. هنا يختار موقفه سريعاً إلى جانبهم وكما يقول: “الموقف للتاريخ”.

يبرز وليد جنبلاط بزعامته المتخطّية للقوقعة الدرزية، عند الأزمات الكبرى. في التحالف مع الفلسطينيين والقوى الوطنية لإخراج الدروز إلى رحاب المشروع العربي الكبير. في التحالف مع المسيحيين والسنّة والمستقلين بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فيتحوّل إلى زعيم انتفاضة عابرة للطوائف. في مثل هذه الحالات، يعرف وليد جنبلاط كيف يكبّر حجم الطائفة الدرزية، يوسّع دائرة تأثيرها، ويتجاوز عقبتها العددية. عند هذه الحالات، يسجّل موقفه للتاريخ وإن كان على خسارة بالمعنى السياسي، كرفضه الانخراط في حلف الأقليات، والإصرار على أنّ المدى الرحب للدروز يرتبط بالعرب وبالسنة، وهو الذي افتتح مسجداً قبل سنوات في المختارة باسم الأمير شكيب أرسلان، يؤمّه إمام مصري عيّنه الأزهر. كانت تلك أبلغ رسائله على التمسك بالبعد العربي للدروز وبإسلامهم الأوسع من خانة يُراد لها أن تحصرهم في عداد الأقليات، والأهم كان في توقيت افتتاح هذا المسجد بالتزامن مع افتتاحه كنيسة في المختارة، عند مفصل مهمّ من تاريخ البشرية في ظلّ توسّع التوحّش الذي نشره تنظيم داعش لوسم الإسلام بالإرهاب.

اضف رد