جنبلاط المحاصر من النظام السوري… يواجه وحيداً محاولات تصفيته سياسياً!

حين تشكلت الحكومة عرف وليد جنبلاط أن التسوية التي كان جزءاً منها وقضت بتخليه عن اسم الوزير الدرزي الثالث، أن قرار محاصرته قد اتخذ محلياً وإقليمياً، إلى حد شعر أنه وحيد في مواجهة حملات الإطباق عليه، وإحراجه حتى ممن كان يعتبرهم أقرب حلفائه. كان الهدف محاصرته في الجبل وإضعافه، وفق مصادر سياسية متابعة، إذ أن اختيار وزير درزي محسوب على جهة سياسية ممانعة وزيراً لشؤون النازحين، كان هدفه إبلاغ جنبلاط أن الأمور لا تسير وفق مشيئته درزياً، ثم حصر موقعه لبنانياً في دائرة ضيقة، وبالتالي منعه من أن يستند الى مناخ عام يحتضنه ويحميه لجبه محاولات تشتيت قوته وإلغائه أيضاً.

آخر الحملات، تلك التي أشار اليها جنبلاط في ما يتعلق بزيارة مشايخ الموحدين الدروز إلى سوريا، لا سيما في موضوع الشيخ نصر الدين الغريب، حيث دعاه إلى الحفاظ على مقامه وألا يقوم بأدوار ومهمات ليست له. وقد تعرض جنبلاط إلى هجمات من كل من وئام وهاب والنائب طلال أرسلان. علماً أن قراراً اتخذته دمشق يتدخل علناً بشؤون طائفة الموحدين الدروز في لبنان، ويقضي بعدم السماح لأي رجل دين درزي لبناني بدخول الأراضي السورية ما لم يحصل على بطاقة تعريف خاصة من الشيخ نصر الدين الغريب القريب من النائب طلال أرسلان. وقد فهم جنبلاط حجم تدخل النظام السوري وتأليبه الخلافات الدرزية – الدرزية في لبنان، فأطلق موقفه الذي تعرض لحملات اتهام وتخوين.

أن يعي جنبلاط أن قراراً اتخذ لمحاصرته وإضعافه، فهو مضطر إلى المواجهة وفق المصادر التي تؤكد أن أشكالاً من الضغوط سيتعرض لها في المرحلة المقبلة، لمنعه من إعادة التقاط أنفاسه، خصوصاً وأن لا أحد يسعفه من حلفائه في معركته السياسية، إذ أن رئيس الحكومة سعد الحريري منصرف الى حسابات موقعه وتياره وهو لم يعترض على تعيين درزي ثالث غير وسطي وزيراً، فيما القوات اللبنانية منصرفة الى ترتيب وضعها في الساحة المسيحية لتعويض ما خسرته في الملف الحكومي وأمام التيار الوطني الحر.

شعر جنبلاط أن البعض داخلياً يحاول إضعاف بيته وتفكيكه، ومنع النائب تيمور جنبلاط من بناء مرجعيته السياسية وموقعه بين الموحدين الدروز، وهو لم يستغرب مثلاً أن يزور صالح الغريب دمشق، ثم يعود إلى قصر بعبدا، ويلتقي رئيس الجمهورية ميشال عون، ما يعني أن مظلّة سياسية رسمية ورئاسية تتوفر لزيارته وتحرّكه. وهذه الزيارات، لا يراها جنبلاط الا لمفاقمة خطة حصاره سورياً ولبنانياً، إذ لا يمكن فهم الخطوة السورية الأخيرة حول المشايخ الدروز الا من ضمن خطة استهدافه، وإن كانت لها حساباتها في المسار السياسي العام.

لكن الحملة على جنبلاط بهدف محاصرته، ستستمر وفق مصادر سياسية مقربة من الجنبلاطية، إذ أن النظام السوري وحلفاءه اللبنانيين في الممانعة لا يرون اليوم الا الجنبلاطية رأس حربة الاعتراض والمواجهة، وإن كان الحزب التقدمي الاشتراكي له حساباته في التحالفات الداخلية، إلا أن جنبلاط يشعر أنه متروك وحيداً في المواجهة الأصعب، بعد تنازلات الرئيس سعد الحريري. وبينما يتعرض جنبلاط الى مزيد من الحصار، إلا أن المصادر ترى أنها بدأت منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، بدءاً بتحريك القوى الدرزية المناهضة له، إلى الإجراءات التي اتخذها النظام السوري، لكن الأخطر هو تخلي الحلفاء عن جنبلاط وانصرافهم الى حسابات ومصالح أخرى، كأنهم يساهمون أيضاً في حصاره وإضعافه أمام القوى الأخرى.

وترى المصادر أن لا خيار أمام جنبلاط إلا المواجهة، مرة بالاندفاع والهجوم، وثانية بالتهدئة ولملمة الأمور والتسويات، وهو ما حصل مثلاً في حوادث الجاهلية، ثم في اللقاء بين وهاب وارسلان، حين علم جنبلاط أنه مستهدف في بيئته، ولم يستبعد مساهمة “حزب الله” ورعايته لهذا الاستهداف عبر خرق التمثيل الدرزي، وتطويقه بتجميع القوى المناهضة له، إلى جانب النظام السوري. وقد شعر جنبلاط أيضاً أن التحالف بين “المستقبل” والتيار الوطني الحر يحاصره على مسارات عدة، انتخابية وفي الصراع في الجبل وتوازناته. ولم يبق له الا تحالفه مع الرئيس نبيه بري، لكن هذا الأخير لا قدرة له على نجدته، بسبب موقعه في الثنائية الشيعية والضغوط التي يمارسها النظام السوري عليه.

لكن الأمور قد تكون أخطر من ذلك برأي سياسي متابع للجنبلاطية ومسارها، إذ إن قراراً اتخذ بتصفية جنبلاط سياسياً، بدأ باللعب في الحساسية الدرزية، ثم تشتيت وضعه لبنانياً ومنعه من التأثير في بيئات أخرى. لذا يرى جنبلاط أن ما يعلنه ويقره هو للدفاع عن النفس، أولاً في بيئته الدرزية التي تتعرض لهجوم، ثم في موقعه السياسي العام. علماً أنه يتنفس من رئة العام لرفع الحصار عن موقعه الدرزي، إنما هو اليوم في وضع حساس بعد الحصار الذي تعرض له، ومشاركته القرار في الجبل من قوى أخرى.

يعرف وليد جنبلاط أن ما يجري حالياً يقوم على قاعدة تأمين الغلبة وتكريس أرجحية فرقاء داخليين على فرقاء آخرين، وتكريس الهيمنة الأحادية في البلد. انما الأخطر يراه في حملة النظام السوري عليه وتعزيزها داخلياً، لذا لا خيار أمامه وفق المصادر إلا التموضع في البيت الدرزي وترتيب أوضاعه وحمايته من التفكك، وإذا أمكن لاحقاً الاستناد إلى عامل قوة جديد بالاصطفاف المبني على تحالفات مع قوى طائفية مختلفة. وهي ترى أن وليد جنبلاط يستطيع أن يصعّد ويحدد سقف المواجهة، وهو ما لا يستطيعه غيره. لكنه مضطر لأن يقاتل على كل الجبهات، ويعود في الوقت نفسه إلى أصول موقعه. هو الذي يغضب خصومه وبعض مناصريه والبعض في طائفة الموحدين الدروز أيضاً. أما المعركة المقبلة، فيريد وليد جنبلاط أن يخرج بها الجبل إلى الفضاء السياسي اللبناني العام مجدداً، وإن كانت أسباب اضطرارية لها علاقة بظروف سياسية معقدة ودقيقة وحملات خطيرة دفعته اليوم الى التقوقع ضمن طائفته.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*