الرئيسية / مقالات / جنازات الرؤساء المصريين الأربعة: قراءة بين السطور

جنازات الرؤساء المصريين الأربعة: قراءة بين السطور

 عبد الحميد صيام 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
13032020

في السنين الخمسين الماضية، انتقل إلى رحمة الله تعالى أربعة رؤساء مصريين في ظروف مختلفة، تعكس تغيرات جذرية في المجتمع والسياسة والتوجهات والعلاقات المصرية. والرؤساء الأربعة هم جمال عبد الناصر (1970) وأنور السادات (1981) ومحمد مرسي (2019) وأخيرا حسني مبارك (2020). وأود في هذا المقال أن أرصد الوضع السياسي العام، من خلال ظروف الوفاة، ومراسم الجنازة، ورمزية الحضور، ومشاركة الجمهور المصري والجيش والدولة، وردود الفعل على المستوى العربي والعالمي إن وجد، وما هي المؤشرات التي يمكن أن نستخلصها من الكيفية التي ووري فيها الرئيس الثرى.

جنازة جمال عبد الناصر (52 سنة) 1 أكتوبر 1970 إجهاد بعد مؤتمر القمة الطارئ

قطع ناصر إجازة النقاهة المرضية في مرسى مطروح، بعد يوم واحد عندما وصل إليه محمد حسنين هيكل ليخبره بتفاقم الاشتباكات بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية في الأردن. دعا فورا إلى قمة عربية طارئة في القاهرة (23 ـ 28 سبتمبر) وتوصل إلى اتفاق حول وقف الاشتباكات. ودّع أمير الكويت في المطار وعاد إلى البيت،ٍ وأصيب بحالة إجهاد شديدة. وحسب تقرير طبيبه الخاص الدكتور الصاوي حبيب، فقد أصيب جمال «بالصدمة القلبية، وهي أخطر مضاعفات انسداد الشريان التاجي وفارق الحياة» مساء 28 سبتمبر.
انتشر الخبر في طول الوطن العربي وعرضه. نزل كالصاعقة. تجمع ملايين المصريين في القاهرة. سارت وراءه مصر كلها تبكي «سيد الرجال» كما وصفه السادات في خبر الموت. أعلن الحداد عليه في كل الوطن العربي، إلا قليلا. أقيمت حلقات النعي في كل مدن وقرى فلسطين، وسارت جنازة رمزية في القدس قدرت بسبعين ألفا، عدا جنازات بيروت وطرابلس وسلاح المقاومة يودعه بزغاريد من الرصاص. بكاه المغنون والشعراء والفنانون. اعتزلت أم كلثوم في قبو بيتها مدة طويلة. ورثاه نزار قباني في قصيدته الشهيرة: «قتلناك يا آخر الأنبياء» ورثاه شاعر الأردن عبد المنعم الرفاعي «كلا فما صدق الناعي ولا الخبر» وبكاه مغني الثورة الجزائرية رابح درياسة «إبكوا يا عرب ونكسوا الرايات»، ورثاه شاعر العراق محمد مهدي الجواهري: «أكبرت يومك أن يكونَ رثاء الخالدون عهدتهم أحياء». ورثاه شاعر السودان محمد الفيتوري: «الآن تعود الخيل مطأطئة من رحلتها مغرورقة النظرات». ورثاه الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «لماذا تموت بعيدا عن الماء والنيل ملء يديك، لماذا تموت بعيدا عن البرق والبرق في شفتيك. نراك طويلا كسنبلة في الصعيد نراك جميلا كمصنع صهر الحديد وحرا كنافذة في قطار بعيد».

الأمة العربية تدفع ثمن تراجع مصر، حروبا وهدرا للثروات وتقزيما لدورها وتطاولا على سيادتها وتراجعا لقضية العرب المركزية

ورثاه الشاعر الإماراتي حمد بن خليفة: «لو كان يقبل عن جمالٍ فديةً لفدته أنفسُ يعربٍ والأدمع». ورثاه شعراء مصر صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الأبنودي، وعبد المعطي حجازي وأحمد فؤاد نجم. قدر عدد حضور الجنازة من خمسة إلى سبعة ملايين وقيل عشرة، لكن اتفق المؤرخون على أنها أكبر جنازة عرفها التاريخ المعاصر. الدولة التي كانت تعيش في ظله أعدت له الجنازة التي تليق به. شارك في الجنازة زعماء عالميون منهم رئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دلماس، ورئيس وزراء الاتحاد السوفييتي، أليكسي كوسيغن، وجميع ملوك وروساء الدول العربية إلا الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز. جريدة «الأخبار» عنونت المانشيت: «العالم يبكي». أما «الأهرام» فكتبت: «الدنيا كلها في ذهول من الفاجعة».

جنازة أنور السادات (63 عاما) 10 أكتوبر 1981 اغتيال

في صباح السادس من أكتوبر 1981 جلس السادات في منصة الاستعراض، يحيط به الضباط والوزراء والضيوف، للاحتفال بالذكرى الثامنة لحرب أكتوبر المجيدة. قفزت مجموعة عساكر من المتطرفين الإسلاميين بقيادة خالد إسلامبولي واقتربوا من المنصة وأفرغوا رصاصاتهم فيه. صرخ أحدهم في الضابط حسني مبارك الذي كان يجلس بجانبه، إبعد أنا عايز… ده». حاول طاقم من الأطباء إسعافه غير أنه فارق الحياة وقتل معه سبعة حضور. كانت مصر تخضع لأحكام عرفية بعد مظاهرات 1977، التي سماها السادات «انتفاضة الحرامية» بينما سماها المصريون «ثورة العيش». زادت النقمة عليه بعد زيارته للقدس المحتلة، وحديثه في الكنيست الإسرائيلي يوم 22 نوفمبر 1977 وتفاقمت الأمور بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، التي ساومت على سيادة مصر. ومع المقاطعة العربية وتدهور الأوضاع الاقتصادية، انتشرت الاحتجاجات. يوم 3 سبتمبر 1981 أفاقت مصر على حملة اعتقالات واسعة لعدد تجاوز 1500 من المصريين، كان من بينهم عدد من رموز الصحافة وأساتذة الجامعات ورؤساء الأحزاب ورجال الدين والقيادات النسائية والوزراء السابقين بمن فيهم محمد حسنين هيكل. كتب يومها رجاء النقاش مقالا عنوانه «مصر كلها في السجن».
في ظل ظروف أمنية مشددة وإغلاق جميع الشوارع صلي على جثمان السادات في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، ثم نقل بطائرة هليكوبتر نحو ساحة نادي السكة الحديد بمدينة نصر، ومن هناك تحرك موكب الجثمان بالسيارات وسط قوات أمنية قبل أن يصل إلى منطقة تشييع الجنازة ليُنقل وسط أجواء قاتمة على عربة مدفع. يتقدم المعزين الرئيس المُرشح حسني مبارك، بجانبه، نجل الرئيس الراحل جمال وزوجته جيهان وكبار رجال الدولة ورؤساء الدول والوفود، من بينهم رؤساء أمريكا السابقون، جيمي كارتر، وجيرالد فورد، وريتشارد نيكسون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، والملك حسين والرئيس الصومالي سياد بري. أما الشعب المصري فلم يكن له دخل في الجنازة.

جنازة محمد مرسي (68 عاما) 18 يونيو 2019 إهمال طبي

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك يوم 11 فبراير، تسلم المسؤولية المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي. أجريت الانتخابات الرئاسية عام 2012. تنافس عدد من المرشحين. في النهاية تنافس أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك ومحمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة (جماعة الإخوان المسلمين). فاز مرسي بأغلبية بسيطة لا تتجاوز 51%. في الذكرى السنوية لحكمه خرجت مظاهرات عارمة ضده وأطاح به الجيش في انقلاب عسكري دموي يوم 3 يوليو 2013 ووضع في السجن. وجهت له عدة تهم: قصر الاتحادية وحكم فيها بالسجن 20 عاما، والتخابر مع حماس وحكم فيها بالمؤبد، وإهانة القضاء وحكم فيها 3 أعوام، واقتحام السجون وحكم فيها بالإعدام. أودع في سجن انفرادي، وكان يشكو من سوء المعاملة والإهمال الطبي. تم تشكيل لجنة طبية شرعية فأكدت أن لديه: ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع السكر، التهابا مزمنا بالأعصاب، ورما بالأوعية المبطنة للمخ. وعلى الرغم من سوء حالته الصحية فقد أمضى الغالبية العظمى من وقت احتجازه بالحبس الانفرادي، في ظروف فاقمت من تدهور حالته الصحية، وحرم من الرعاية الطبية الضرورية، ما كان سببا في وفاته في النهاية داخل معهد أمناء الشرطة في طرة أثناء محاكمته.
رفضت السلطات طلب أسرة مرسي بدفنه في مقابر العائلة في محافظة الشرقية، وتم دفنه في مقابر الوفاء والأمل في مدينة نصر في القاهرة. أرغمت عائلة مرسي على دفنه بشكل يكاد يكون سريا، وحرمت من إقامة جنازة له أو تلقي العزاء فيه بحجة الدواعي الأمنية.

جنازة حسني مبارك (92 عاما) 26 فبراير 2020 شيخوخة

أطاحت الثورة المصرية بالرئيس حسني مبارك يوم 11 فبراير 2011 وأودع السجن يوم 11 إبريل. وجهت النيابة العامة لمبارك اتهامات رسمية في أربع قضايا هي: قضية قتل المتظاهرين في 2011، واستغلال النفوذ، والتربح من صفقة تصدير الغاز لإسرائيل، والكسب غير المشروع، وقضية القصور الرئاسية، صدر فيها حكم نهائي 3 سنوات. في 2 يونيو 2012 حكم عليه بالسجن المؤبد هو وحبيب العادلي في موضوع قتل المتظاهرين. طعن في الحكم بعد الانقلاب وصدر يوم 29 نوفمبر 2014 حكم بالبراءة. ثم وافق النائب العام على الإفراج عن الرئيس مبارك، بعد ما يقرب من 6 سنوات من محاكمته ليعود إلى منزله في مصر الجديدة، الذي بقي فيه حتى وافته المنية. كان مبارك محتجزا في مستشفى طبي جاهز، وكان مسموحا لأسرته وأصدقائه بزيارته. وقد توفي في غرفة العناية المركزية في مستشفى الجلاء العسكري.
بعد البيان العادي جدا عن وفاته تغير الموقف، بعد الهاتف الذي وصل للسيسي من دولة خليجية تصر على إقامة جنازة عسكرية لمبارك يحضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه على رأس مسؤولي الدولة. وهكذا كان. تم إعلان الحداد لمدة 3 أيام في البلاد، وأقيمت له جنازة عسكرية حضرها كبار رجال الدولة، وسمح لأسرة مبارك بدفنه في مقابر الأسرة في مصر الجديدة. تلقت عائلته العزاء الرسمي من جهات عدة كما أتيحت الفرصة لعامة الناس لتقديم العزاء. أرسلت برقيات عزاء من الملك سلمان وأمير الكويت والرئيس الفلسطيني محمود عباس والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط.
كم تغيرت مصر في الخمسين سنة الماضية. المصيبة أن الأمة العربية كلها تدفع ثمن تراجع مصر حروبا وهدرا للثروات وتدخلا في شؤونها وتقزيما لدورها وتطاولا على سيادتها وتغولا لأعدائها وتراجعا لقضية العرب المركزية.
* محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

اضف رد