اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / جمهوريّة بيافرا اللبنانيَّة

جمهوريّة بيافرا اللبنانيَّة

17-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

روني ألفا

تعبيرية.

اللبناني ليس بخير. يكفي أن تخرج إلى الشارع وتحدّق بهذا المخلوق الإستثنائي. عَينان جاحِظَتان في الفراغ الكَوني. ما أحدثه السياسيون في صحّتِه النفسيَّة يصحّ لتطوير نظريات علم نفس باثولوجيَّة جديدة. نمتلك نحن اللبنانيين حاسَّة سَمَع سليمَة لكننا فقدَنا مهارة الإنصات. في أيّ جملة مفيدة أو غير مفيدة نبادر بتبادلها مع الآخَر نسمع الكلمة الأولى حصرًا. أعصابُنا لم تعد تتسِّع لِسماع نهاية الجملة. فيما أنتَ تتكلّم مع غيرِك يتكلَّم هو مع نفسِه بانهِماك. يجيبُ نفسَه التي تكلِّمُهُ من الداخل. أنتَ كآخَر وغيريَّة لَم تعد موجودًا في قاموسِه تمامًا كما لم تعد لا أنت ولا هو موجودَين في الوطن.

نفسيّات مدمَّرَة لا يمكن أن تَبني حوارًا أو تبادلًا لأطراف حديث. وحدها حبوب الأعصاب باتت الممر الإلزامي للحفاظ على حدّ أدنى من الأُنس والأنسَنَة في الإنسان اللبناني.

نمتلك نحن اللبنانيين حاسَّة شَمّ متطوّرَة. مِن شَمَّ الأطعِمَة إلى اشتِمامِ الأحداث. ما لَم يقضِ عليه كورونا في هذه الحاسَّة قضَت عليه القِلَّة. نأكل ما يتيسَّر مِن غذاء متوفِّر. نتوهَّمُ الزّكام لنأكل الموجود جودُنا المتوفّر. مناخيرُنا باتَت معبرًا للتنفّس ليسَ إلا. فقدَت مناخيرُنا الألياف الداخليَّة متعَة تنشّق العطور الفرنسيَّة مِن كثرَة تعوّدِها على عطور مزابل برج حمّود والكوستا برافا وروائح تخثّر النفايات فيها. مِن كثرَة القَرَف تعوَّدنا التنفّس مِن أفواهِنا. كلّ مناخيرنا تتصرّف وكأن فيها لحميَّة تعيق التمتّع بطعم الحياة.

حَبانا الله بحاسَّة لمسٍ راقية كنّا نغذّيها ونغنّجُ ملمسَها بالمراهِم المرطِّبَة. صارت أسعار المراهِم أغلى من أيادينا. نتصفّح بَشرَتِنا بشيئٍ من الدهشة بين فينةِ انفجار وفَينة انفراج. تضاعفت خشونَتُها على وقعِ فركِ الأصابِع. أصابِعُنا صارت بليغَة في التعبير عن البؤس. نفركُها بحثًا عن حلّ. نجسُّ ما استقرَّ في جيوبِنا ونتلمّسُ استقرار انعدام أحوالِنا. كورونا حرمَتنا من مدّ الأيدي للمصافحَة. بتنا نربتُ على صدورِنا لإلقاء التحيَّة. مسيحيين ومسلمين، كلُّنا صرنا كربلائيين. لا ملاذ آمِنًا لأيدينا إلا الصّدور. أيادي الفلاحين والصيادين والحِرَفِ الصّغيرَة باتت هي أيضًا مشقّقَة بأثلامٍ عميقة. مشقّة تحصيل الرّغيف شقّقتها حتّى القَيح. الأيادي السّعيدة في لبنان أيدي نساء السياسيين. ما زالت تزورهنّ خبيرات تقليم الأظافِر وطلائِها في البيوت الوثيرة.

حدّثوا بِلا حَرَج عن حاسَّة نَظَرِنا وهي سِراجُ الجسد. أشار لَنا السيّد المسيح أن تكونَ عيونُنا بسيطة لِتكونَ أجسادُنا نيِّرَة. العيون البسيطة قال ابن الله هي نور الأجساد. عيونُنا بَلقاء تجحظُ بالدولار والقلَّة علّمتنا النّقار. مشاهِدُنا باتت محصورة على بوستات الفايسبوك وتعليقات الأَتفَه فينا وفي تخيُّل الزمان الغابِر. ” العَمى وْلُو ” و “تْفو” صارت عبارَاتُنا الأكثَر تداولًا في حقلِ التذمّر المعجَمي.

عياداتُ الطبّ النفسي تعجُّ بِنا. تليها مباشَرَةً عيادات منصَّة صَيرَفَة. تتكرَّر صباحاتُنا بالتبوُّل والإستحمام. محفّزان وحيدان للنهوض من نومِنا المتقطِّع. نعيشُ مطهَرَنا على الأرض ويُحكَى أننا صاعدون إلى السّماء بثيابِنا. نهتمُّ بهندامِنا تحضُّرًا للمُثولِ أمامَ وجه ربِّنا لنلاقيه بكامل أناقَتِنا. في هذه الأثناء يخرقُ رتابَةَ أيامِنا خبر انعقاد مجلس الوزراء وبداية موفَّقَة لتوزيع بطاقات الإعاشَة. غدًا ربّما توزّعُ علينا طوّافات الأمم المتَّحدة كراتين أرزّ وسكّر. سنحلّي بها جوعَنا. جمهوريَّة بيافرا تنمو فيها حواسُنا وتنتفِخ بها بطونُنا بالأرزّ المسلوق. وحدها الحاسّة السادسة تنمو فينا باضطراد. حاسَّة استشراف مأساتِنا المتناسِلَة ونسلِ زعمائِنا الذين يتناوبون على فعلِ الفحشاء فينا. نستأنسُ باغتصابِنا اليومي ونقدّم آيات الشكر والعرفان لمغتَصبينا ناذِرين العفَّةَ والفقر والطّاعة.