الرئيسية / home slide / جمعاً يكون

جمعاً يكون

روت الكاتبة المصرية النبيلة فاطمة ناعوت ان المفكر الكبير محمود أمين العالم، تحدث إليها عن سنوات الاشغال الشاقة في السجن، فأخبرها ان سجانه كان يعلّمه في النهار كيف يعثر على النقاط الضعيفة في الصخور، لكي يبدأ منها عملية التفتيت. وفي المساء، كان هو ينادي على السجان، كي يعطيه دروساً في القراءة والكتابة. ومعاني الحرية.

لكل منا عمله في هذه الحياة، كان يقول الفيلسوف المصري الذهبي، الذي أدخله النظام العربي عالم الزنازين والظلم والظلام، إسوة بكبار المفكرين والسياسيين والمعارضين وذوي الاسماء المتألقة. لم يكن لدى صاحب السجن فكر يَهزم به معارضيه، فدفع بهم الى قبور الاحياء. وخرجوا أبطالاً باسمين. وظلوا جزءاً من تاريخ أوطانهم وثقافتنا.

هل يمكن محمود أمين العالم أن يتبع سلوك سجانه وجلاده؟ هل يمكنه ان يقبل صغارة الثأر؟ تنقل فاطمة ناعوت عن مذكرات نلسون مانديلا، ما يأتي: “بعدما اصبحتُ رئيساً خرجت مع بعض حراسي للتجول في المدينة. دخلنا أحد المطاعم فوقع بصري على شخص ينتظر طلبه. دعوته لمشاركتنا في الطعام إلى طاولتنا، واجلسته بجانبي. كان العرق يتصبب منه ويده ترتجف ولا تقوى على ايصال الطعام الى فمه. وبعدما انتهينا ومضى الرجل، قال لي مرافقي إن هذا الرجل يبدو عليه المرض. قلت له لا، إنما هو حارسي الشخصي في الانفرادي. وعندما كنت اطلب منه شربة ماء بعد التعذيب، كان يتبول عليّ. وربما كان الآن يرتعد خوفاً من ان أرد له صنيعه بتعذيبه. لكنه يجهل ان هذه ليست اخلاقي. عقلية الثأر لا تبني الدول. وحدها ثقافة التسامح تبني الأمم”.

بتلك الروح السامية، بنى مانديلا أصعب مصالحة في تاريخ البشرية. جعل من سيرة الرجل الأبيض وعنصريته عاراً لا يُمحى. الهزيمة التي لحقت بنتنياهو تبدو فيها صورة مانديلا وظله العملاق. من عار الضم الغليظ في بقايا فلسطين الى انتفاضات المدن الاميركية، يمتد ظل مانديلا على مدى القارات، كما امتد من قبل جرح الذي كانت كلماته الأخيرة على صليب: ابتاه، إغفر لهم…

دمرت الانظمة العربية شعوبها ووحدتها وأرضها في صغارة الثأر، والثأر المضاد. أخرجت على الأهالي الدبابات من الثكن. أعدت أسفه واتفه المحاكمات لكي تبرر أسفه وأظلم الاحكام. القذافي لم يطق المسافة الى ساحة الاعدام فعلق المشانق في حرم الجامعة، لكي يشاهد الطلاب جثث رفاقهم المتدلية.

أجيال وشعوب وبلدان ودول ذرَّت في العتمة والعدم. أمة في وجه أهلها وابنائها تعلق لهم المشانق وتوسع المقابر الجماعية، ثم تعتبر مقتل جورج فلويد في مينيابوليس انتصاراً لها ولإنسانيتها وعدالتها ومساواتها! أما نحن، فبلاد الرحمة والمساواة والترفق، كان نشيد البعث الجماهيري في العراق يردد: وطن تشيِّده الجماجم والدم / تتحطم الدنيا ولا يتحطم.

تعويضاً لمسيرات متلاحقة من الهزائم والفشل والعبث الدموي والضعف الاخلاقي، استند النظام العربي الى ركني الفاشية: القوة والقسوة. وفي اخفاقه الكبير أمام المعرفة والابتكار والاجتهاد، لجأ مثل جميع الجهلة الى المعلم الوحيد السهل التقليد: ماكيافيللي.

تأمل النماذج التي احتذاها النظام العربي، فيما كانت الدول النامية تقدم رجالاً أمثال نهرو، وشوإن لاي، وتيتو، ولي كوان يو، وشياو بنغ، ومانديلا. تخيل مدى الحكمة التي أدار بها شوإن لاي (على رغم ظل ماو) ونهرو مليارات البشر. ما هو السر؟ طبعاً قبل أي شيء، الحكمة. الثاني أن تحب بلدك أكثر من نفسك، وهذه مسألة صعبة. لقد أحب نهرو الهند أكثر مما أحب زوجة اللورد مونتباتن، نائب الملكة.

هذه القامات الباسقة يقتضي لها مؤرخون عمالقة مثل أندريه مالرو، القادم من روح الغرب منبهراً باعماق الشرق. وعندما تتأمل نهرو في مرآة مالرو، تدرك لماذ يمر التاريخ بالملايين ولا يكتبه سوى الصفوة. لقد توسلت أغريبينا، ابنها نيرون، إلّا يقتلها. عندما نقول كتابة التاريخ، نعني الجانب المتجلي فيه. الجوانب الأخرى هي نقيضه. هي روما تحترق ونيرون يعزف، ويأمر بقتل امه، ويأمر معلمه، سنكا، بالانتحار. لكن بعدما أصبح أحد كبار مفكري الانسانية.

لا أذكر أين قرأتها: عندما يكون هناك مستنقع، الطريقة الوحيدة لتنظيفه هي شق قناة فيه تطرد منه الأسن والعطن. وإلّا ازدادت الجروح ابتلاء. الماكيافيلية ليست حلاً. إنها استبدال المشكلة بالمعضلة. تخلصك الاخلاقية الماكيافيلية من خصمك لكنها لا تستأصل سبب الخصومات. وتزيد ضعفك لأن قوتها سريعة الزوال. مثل الحماقة.

تودي بك الماكيافيلية من كذبة الى اخرى. ومن ورطة الى ورطة. ومن فشل الى فشل. وتصل بك في النهاية الى الجدار والانهيار. لم تبك منال عبد الصمد وحدها مشهد بيروت الحزينة المتسولة. ذكرتنا هذه النقية المكلفة رش العطر على وباء العجز والسقوط بامرىء القيس يوم قال في حزن. بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه. ماذا تفعل هذه الصدّيقة في كرنفال الخرافات وحكايات الاطفال؟

يرفض الجبار حسان دياب الاستقالة فوق هذا الركام باعتبارها جبناً. يفضل عليها شجاعة سلعاتا والصمود في وجه مؤامرة كونية كانت في الماضي تستهدف التيار فصارت تستهدف حكومته. الكون برمّته يحاصر حكومة الانقاذ. انتظرنا في هذه الأزمة الحالكة أن يشكل حسان دياب حكومة انتشال فيها جان عبيد، وزياد بارود، ووليد جنبلاط، وشامل روكز، وملحم خلف، وشربل نحاس، وعلي حسن خليل، وليلى الصلح، ورشيد درباس، وسامي الجميل، وريا الحسن، التي بكت هي ايضاً كوزيرة للداخلية، يوم قست الشركة على الثوار. لكنه فضل حكومة كشافة ومخيم صيفي. وزراء لا يعرف أكثرهم أين يقع الحكم، وماذا تفعل الحكومة – إذا عملت.

لا يزيل جمال منال عبد الصمد بقعة واحدة من بقع الموت والمرض التي اصبحت تملأ وجه لبنان. ولا شيء يعيد اليه نضارته التي جففها الكذب والنهب والاحتيال والتواطؤ المزمن. يقال إن لبنان محاصر بقرار دولي سياسي. ربما. لكن ماذا اولاً عما تركه الاخطبوط الداخلي في احشائه؟ ماذا عن دولة تترك أهلها من دون كهرباء وماء ونظافة صحية؟ ماذا عن دولة تدير ظهرها عندما يقال لها أن السرطان يضرب ستة افراد من عائلة واحدة في حوض الليطاني؟ جاءنا الدكتور دياب وهو يحدث يوماً بعد يوم عن أسوأ مرحلة في تاريخ البلاد. كيف عرفت؟ يا دكتور هذه ليست مهمتك. هذه مهنة النعاة. الوطن في حاجة الى حياة. وإلى شيء من الحياء.

كل مواضيع الإنشاء لا تخبز رغيفاً واحداً. وشعبك منذ سفربرلك، لا يعثر على رغيف. خطابك الأول للناس حمل الف سين وسوف. وخطابك الثاني حمل 97 بهدلة لنظرية النسبية وفكرة الانتاج. وجروح الازمة أعمق في الجامعة الأميركية التي جئت منها. أعمق أزمة في قرن ونصف قرن. “الجامعةالوطنية” في عاليه أغلقت أبوابها بعد 120 عاماً من مارون عبود. لكي تدرك اين كنا، راجع الاوراق التي تركها الأب يواكيم مبارك للجامعة اليسوعية: في حجم وأهمية مكتبة وطنية. “المقاصد” تغلق أبوابها. والليسيه، حيث عمل تقي الدين الصلح استاذاً، مهدد. والبلد غارق في ما سماه كاتبنا الكبير جهاد الزين، “المادوفية”. نسبة الى النصّاب الأميركي الشهير برني مادوف، الذي أتقن سرقة الناس اتقاناً تاماً. ثم وقع. سوف يصل مافيو لبنان الى ذلك مهما طال الوقت. لن يكونوا اأكثر مهارة منه. وفي أي حال، أهلاً بالاسطول التركي العائد. والسيدة فاطمة غول. والبطل ارطاغول. أو شيء من هذا القبيل.