الرئيسية / أبحاث / «جماعة الأنصار»… الفكرة العربية في مصر: من النشأة إلى الهجرة

«جماعة الأنصار»… الفكرة العربية في مصر: من النشأة إلى الهجرة

 ثائر دوري
القدس العربي
23102020

على عكس ما هو شائع ومتداول من ارتباط الفكرة العربية في مصر بثورة يوليو/تموز1952 ومن ثم بجمال عبد الناصر، نقول إن الفكرة العربية هناك أقدم بكثير، ومرّت بمواقف ومحطات متعددة، تشكل الناصرية مرحلة متميزة فيها، لكنها لم تكن الوحيدة، ولا الأولى، وفي ما يلي سنحاول التعريف بإحدى محطات العروبة وهي «جماعة الأنصار» شبه المجهولة الآن.

تاريخ مجهول

تشكل «جماعة الأنصار» و»مجلة الأنصار» التي أصدروها محطة من المحطات الفكرية المهمة في تاريخ الفكرة العربية في مصر والمشرق العربي، لكنها مجهولة بشكل شبه تام من قبل الباحثين والقراء، على حد سواء. ويغيب ذكرها سوى بعض الفقرات المتناثرة عند من كانوا منضمين لها، في كتب المذكرات التي كتبوها، سواء في سوريا أو العراق، وبشكل خاص في البحرين، فيما كتب عن سيرة عميد شعراء البحرين الراحل إبراهيم العريض، أو في مذكرات الكاتب تقي محمد البحارنة. كما تطرق لها بعض الكتاب اليمانيين في مذكراتهم.
بلغ من انتشار مشروع الأنصار في العالم العربي حداً يمكننا معه القول، إن كل مثقف كان في سن اليفاعة أو الشباب في أربعينيات القرن العشرين قد انتمى إلى هذا المشروع، أو تأثر، أو على الأقل سمع به. ولعل ذكر أسماء من وزن شوكت الشطي أستاذ كلية الطب، ووالد وزير الصحة السوري السابق إياد الشطي. وكل من فهد الريماوي والمؤرخ السوري ذوقان قرقوط، والشخصية السورية الشهيرة والإشكالية في ما بعد، سعيد العرفي. ولعل ما ذكرنا كاف للدلالة على حجم انتشار وتأثير هذا المشروع في تكوين وعي النخبة العربية المشرقية في أربعينيات القرن العشرين. أما لم اندثر سريعاً فهذا أمر بحاجة لبحث طويل.

النشأة

في ظرف بالغ الاضطراب، حيث كان العالم يعيش الأجواء السابقة للحرب العالمية الثانية، ظهرت في القاهرة عام 1941 م مجلة اسمها «الأنصار» ناطقة باسم جماعة تسمى باسمها «الأنصار». خير تعريف للمجلة ما كتبه المحرك الأساسي لهذه الجماعة، والمحرر الأساسي للمجلة. كتب في العدد الأخير منها مقالاً بعنوان «هذه المجلة المهاجرة في عربيتها وإسلامها» بتوقيع حسام. في هذا المقال يشرح الكاتب كل شيء عن الجماعة والمجلة بدءاً من نشأتها عام 1359هـ (1940- 1941)، وحتى آخر أعدادها بتوقفها الطوعي للانتقال من «مرحلة التبليغ إلى مرحلة الهجرة».
يتحدث حسام الذي هو (أحمد صبري شويمان) عن تجربته الشخصية في الحياة قبل الوصول إلى الأنصار، «لم تكن تجربتي لأحوال هذه البلاد، التي هي عنوان غيرها من أمثالها، قليلة في ذلك العهد، فقد اختبرت بنفسي من قبل خدعة التعليم الجامعي، فنبذته من أول لقائي به، ثم دفعتني ظروف غير مقصودة إلى أن ألج باب «السلطة الرابعة» التي هي الصحافة، منبر «الرأي العام»، فكشفت وراء ستارها الخارجي عن ألوان من الأحابيل والمناورات والأكاذيب، هي واحدة من أسباب هذا الشقاء الحاضر والمدخر لهذا الرأي العام الوهمي، الذي أحاطوه بصور براقة، وعبارات تمثيلية!

في ظرف بالغ الاضطراب، حيث كان العالم يعيش الأجواء السابقة للحرب العالمية الثانية، ظهرت في القاهرة عام 1941 م مجلة اسمها «الأنصار» ناطقة باسم جماعة تسمى باسمها «الأنصار».

ثم يتحدث عن كيفية نشوء الأنصار «بحثت حولي وكان العمل الصحافي قد ألقى في طريقي كثيراً من رجال اللغة والأدب والفن والإصلاح والصحافة، الضاربين في السوق على غير هدى، ينتظرون الفرصة التي تزيدهم علواً في الأرض، أو»المصادفة» التي تجعلهم «أبطالاً» في غمضة عين! فاخترت من بين هؤلاء من توسمت فيهم سمة الخير، بعد أن عزّ الخير نفسه! وكانوا أربعة هم، حسن عبد المقصود المحرر في جريدة «الأهرام»، ومحمد محيي الدين أستاذ العمارة في المعهد العالي للفنون، ومحمد أبوبكر إبراهيم مفتش اللغة العربية في وزارة المعارف، وشاعر ظهر في ذلك الحين بقصائد ومحاضرات أذاعها في العرب والأدب العربي. وقد عرضت على هؤلاء مشروع هيئة ثقافية إسلامية، أساس عملها تقريب الثقافة الإسلامية الحقيقية لأذهان المثقفين، وتوحيد صورها ومظاهرها عندهم، ومكافحة الشك الذي أخذ من كل جانب يغزوهم، حيث كانت مصر في ذلك الوقت قلقة، تتقاذفها الفكرة الفرعونية، والفكرة المتوسطية ورياح التغريب تهب عليها من كل حدب وصوب.

الأفكار والهيكل التنظيمي

يتحدث الكاتب عن نظام هذه الهيئة، فيشير إلى إلغاء نظام الرئاسة، وأن لا يزيد عدد أفراد هذه الهيئة في أي وقت من الأوقات عن خمس وعشرين، وأن لا تقبل المشهورين من الأدباء والكتاب الذين تحددت ميولهم فلا يمكنهم العدول عنها. ثم صدرت مجلة «رسائل الأنصار» عن هذه الهيئة، وحرصت على أن تكون المجلة بعيدة عن الهيئة التي توسعت إلى أحد عشر عضواً، بانضمام أحمد فكري الحاصل على دكتوراه الدولة في تاريخ الفنون من باريس، وحامد عبد القادر أستاذ علم النفس واللغات السامية في دار العلوم.
ثم يتحدث عن الخلافات الداخلية بين أعضاء هذه الهيئة، الذي انفجر بعد نشر مقال يهاجم طه حسين تحت عنوان «في مجاهل وزارة المعارف». وتبعه مقال قناع الفرعونية، الذي يعتبره الكاتب أساسياً في الخلاف الذي نشأ في الهيئة. «وبدأ الانقسام يشتد على الفرعونية وبلغ غايته عندما رفضت قبول عضوية خمسة من المؤهلات من أشهر جامعات أوروبا، وكان أحدهم يشغل منصباً تفويضياً في الخارج، لأنهم لم يسلموا برأي الأنصار في الفرعونية». حيث أن الجماعة شنت هجوما عنيفاً على الفرعونية، واعتبرتها فكرا معادياً للعروبة والإسلام. ويفصّل الكاتب في الخطوات التي اتخذها لحماية مشروع الأنصار «ولما كان من الضروري للأنصار من حماية في المرحلة الموقوتة، إلى أن تستطيع اتمام منهجها، وإيقاظ دعاتها، ثم الخروج بدعوتها فقد أحطتها بمشروع (أسرة الأنصار) وهم حلقات متقاربة تتحلق حولها كدوائر الماء حول النبع، تقوم كل حلقة منها بمعونة هذه المجلة حسب طاقتها وأول سياج هو (القراء المؤيدون) ثم (القراء المشتركون) ثم (أصدقاؤنا الشخصيون) ثم (أبناء القبائل العربية في مصر) ثم الأنصار الحقيقيون. وقد أقامت الأنصار ثلاث حفلات تعارفية في ثلاث سنوات شهدها كثير من أصدقائنا الشخصيين هؤلاء، وهم صفوة من الرجال المعروفين في المجتمع بالأمانة والجهود الثقافية.

أبحاث وغايات المجلة

يفصّل الكاتب في المنهج الذي وضعه لمجلته قبل إصدارها، فقد قرر أن تبدأ المجلة بالترتيب التالي «الفرعونية في السنة الأولى»، «القصة في السنة الثانية»، «التصوف في السنة الثالثة»، «حقائق التوحيد عند العرب في السنة الرابعة». على أن تكون هذه الموضوعات مستمرة منذ بدايتها حتى تتلاقى كلها في (ضوء التوحيد) عند حقيقة واحدة ختامية هي «الهجرة». وعند هذه الحقيقة تبدأ الدعوة الصحيحة للأنصار. ويتابع المؤلف حكاية دعوته فيشير إلى أنه كاتب لأغلب مقالات هذه المجلة. وفي السنة الثانية بدأ يظهر الأنصار الحقيقيون أولهم فهد الريماوي «هو من خير عرب فلسطين»، ثم تكاثر الأنصار.
في نهاية السنة الرابعة يقرر صاحب الدعوة الهجرة إلى بادية سيناء، لذلك يوقف مجلته «وكذلك فإن هذه المجلة العربية الإسلامية لا تملك هي الأخرى إلا الهجرة معنا، لتتحقق لها صفة عربيتها وإسلامها، فلو عادت مجلة بهذا الاسم إلى الظهور بعد ذلك، فإنها تكون غريبة عنا، ولا صلة لنا بها، ولا يمكن أن تنادي بمثل دعوتنا، فإن دعوتنا هذه لنا، وللصادقين من بني أخلاقنا». فالهجرة إلى الصحراء ضرورية لأنهم اعتبروا العروبة الحقة هي عروبة الصحراء، قبل أن يتلوث العرب والإسلام بما دخله من فكر أعجمي. ويمكن فهم هذه النظرة في ظروف أربعينيات القرن الماضي. فكلما زاد تلوث مياه النهر، برزت أكثر فأكثر فكرة العودة إلى المصدر الأساسي إلى النبع.

ما بعد الهجرة

توقفت المجلة بعد إصدار العدد الثالث عشر بعد هجرة الأنصار إلى سيناء. وعانيت صعوبات بالغة في تتبع بقية القصة، إذ أن هناك ظلاما دامسا حول الأمر. حتى وجدت على موقع أدباء الشام مقالاً كتبه الكاتب عبد الله طنطاوي يروي قصة لقائه الوحيدة مع الكاتب «حسام» أحمد صبري شويمان، فنعرف أنه غيّر اسمه إلى «أحمد موسى سالم»، وكان هذا اللقاء في منتصف السبعينيات من القرن العشرين. يقول «بعد لحظات دخل الأستاذ أحمد، وهو شيخ في الستينيات من عمره، مربوع القامة، حنطي اللون، ممتلئ الجسم، يرتدي (الصاية) والصاية ثوب عربي مفتوح من أمام، يحوطه بحزام، وعلى رأسه منديل أبيض، وعقال مقصَّب.. رحَّب بنا».
تحدث في ذلك اللقاء ــ حسب الطنطاوي ــ عن اجتماعه في دمشق بكل من ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار في الأربعينيات من القرن الماضي لتوحيد جهود نشر فكر العروبة، إلا أن ذلك لم يسفر عن اتفاق.

٭ كاتب سوري