الرئيسية / أضواء على / جلسة لا تُنسى بين رئيس الجمهورية والمعّاز تحت السنديانة

جلسة لا تُنسى بين رئيس الجمهورية والمعّاز تحت السنديانة

وديع عون
أرشيف النهار
14112018

الرئيس كميل شمعون.

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه وديع عون في “النهار” بتاريخ 18 تشرين الأول 1996، حمل عنوان “جلسة لا تُنسى بين رئيس الجمهورية والمعّاز تحت السنديانة”.

ليس لي ان اسأل “من اين لك هذا؟”، فربما كان لهم هذا من الجد والجهد والعلم والخبرة، ولكن اسأل من اين اتى هذا الخوف بين حكامنا؟ لماذا هذه الطوابير من الحراس والجند والمصفحات والسيارات والضجيج وشهر السلاح كلما تحرك حاكم من بيته الى مقر عمله، او قصد ان ينتقل من مدينة الى اخرى؟ لماذا هذه العظمة المخيفة، وهذه الغطرسة الفارغة، هل هو الخوف من عدو متربص؟ هل هو الخوف من اعمال شائنة؟ هل هو الخوف من ضمير غير طاهر، ام الخوف من اعمال كاذبة ووعود جانبية؟ لماذا هذه التمثيليات كل يوم في شوارعنا وطرقاتنا وبيوتنا؟ كان لنا حكام مثلوا ادوارهم ومضوا. يحضرني منهم من كان يأتي السرايا ماشيا يجتاز الشوارع ويطلع عن كثب على شؤون الناس، ومنهم من عاش فقيرا كبيرا امام الله وامام الانسان والضمير، غنيا باعماله النزيهة المشرفة. ولي الفخر ان اعيد ذكراهم لمناسبة السؤال المطروح من زمن “من اين لك هذا؟”. الرئيس شارل دباس، حبيب باشا السعد، اميل اده، بترو طراد، الفرد نقاش وكان يأتي السرايا ماشيا، الامير خالد شهاب كان من بيته في محلة الناصرة يأتي سرايا الحكم راكبا في التراموي…وايضا ايوب تابت يأبى الركوب في سيارة الدولة بل يركب في سيارته الخاصة التي كان يقودها سائقه راجي… ولما تسلم سامي الصلح رئاسة الوزارة كان كثيرا ما يُشاهد راكبا حمارة!… وهنا تحضرني قصة طريفة تحكى الان اول مرة عن الرئيس كميل شمعون، وقد اطلعت عليها شخصيا. في اول عهده في الرئاسة، احب شمعون ان يمارس هواية الصيد في منطقة جزين، في احراج خراج البلدة، وكان ظهيرة احد الايام ان اطل من تلة على احد رعيان الماعز، فناداه قائلا: “يا عم، يا عم…” فاجابه الراعي ابو ناصيف “هوّد هوّد”… فوافاه شمعون، فسأله المعاز: “هل انت جوعان يا خواجا؟” وكان ابو ناصيف قد عرف ان رئيس الجمهورية اصبح كميل شمعون، ولكنه لم يطلع على صورته في الجرائد كونه كان امياً كما انه لم يحظ بصورته من على شاشة التلفزيون، سأله المعاز: “اتريد ان احلب لك طاسة حليب؟ فحلب له اثنتين من ثدي الماعز فاستطابها شمعون وسأله: ماذا تحمل في هذا الجراب؟ فاجابه: خبز مرقوق صنع الصاج من جبنة ولبنة. فطلب منه شمعون ان يطعمه عروس لبنة، فلبى المعاز برضى، وجلسا معا على صخرة تحت شجرة سنديان، وراح شمعون يوجه الاسئلة، ومن بينها: كيف يا عم ترى الحال؟ تأفف المعاز ورد قائلا: الحال زفت يا سيد، بشارة الخوري ضب وراح، واليوم جاءنا شمعون ابن الدير واخرتو ابن الا…. وبدو يضب، ونحن كنا عَ زمان بشارة ندفع ضريبة عن راس الماعز 30 قرشا ويحرس ربك شمعون ابن الدير. وشتم رفع الضريبة الى 65 قرشا. وكيف منا نعيش، وطلب الراعي ان يتوسط الخواجة الصياد من الرئيس، فاجابه شمعون: سمعا وطاعة يا عم، وانا سأعود اليك خلال خمسة عشر يوما، وسيكون غداؤنا هنا تحت هذه الصفصافة قرب نبعة عين زعرور. اجاب راعي الماعز: يا هلا ومرحبا والغداء علي… ومضى الرئيس ليوافي الحرس في ساحة جزين. وبعد مضي ال15 يوما عاد شمعون يفي وعده. فحمل في حقيبته الزاد للأكل، ولما قاربت الشمس قرص الظهيرة، اجتمع الصديقان على خرير النبع تحت هذه الصفصافة، وبسط كل منهما الزاد، ورفض المعاز ان يأكل السمك والقريدس والجانبون واخذ يطرح اقراص الكبة المشوية وفتايل الغنم والسودا. وكان الراعي ابو ناصيف يلف السجائر من ضبوته ويقدح النار بحجر الصوان، وبعد ساعتين استغرقهما الغداء الطيب والعرق الجزيني والهندباء والخضراوات الجبلية وفاكهة العنب والتين والتفاح، فتح الرئيس شمعون الحقيبة واعطى ابا ناصيف هدية… جزمة من الكاوتشوك، وكنزة صوف، ولبادة وكوفية. كادت الشمس ترحل عن الربوع، فوقف شمعون مودعا: “بخاطرك يا ابو ناصيف سأراجع الرئيس بخصوص ضريبة الماعز”. وقبل ان يخطو خطوات الانصراف، ركض نحوه بو ناصيف وسأله قائلا: “وحياتك يا خواجا ما قلتلي اسمك”، فالتفت اليه شمعون بابتسامة الرضى، وقال: “شو بدي قلك يا بو ناصيف… انا هو كميل شمعون رئيس الجمهورية”. وهنا سقط الهم والخوف في ركاب ابو ناصيف، فاسرع يقول: “دخلك دخلك يا ريس سامحني سامحني”، فرد عليه الرئيس شمعون: “ماعليك يا بو ناصيف، خليك قول ابن الدير… ابن الدير…” ومضى الرئيس، واتى نسيبنا ابو ناصيف الى بيتنا يروي القصة ويعرض علينا الهدايا. وكانت لعمري قصة الامانة والتواضع. وديع عون

اضف رد