الرئيسية / home slide / جريمة المرفأ… متى يتحرّر لبنان من ستالينه؟

جريمة المرفأ… متى يتحرّر لبنان من ستالينه؟

محمد حجيري|الإثنين01/03/2021
Almodon.com

جريمة لا تحتاج إلأى فك ألغاز.. معطياتها واضحة وضوح الشمس (Getty)في زمانها، سئِلت احدى الفنانات حول تعدّد أزواجها والانتقال من زواج الى زواج آخر بسهولة وبسرعة، فقالت بما معناه، “حبّ يُنسي حبّاً آخر”… والحال أن الجرائم في لبنان تسير على هذه الوتيرة، أي قتلٌ يُنسّي قتلاً، اغتيال ينسّي اغتيالاً، باعتبار أن معظم الجرائم السياسية في لبنان، تنتهي بلا محاسبة، وتتحول وقائعها مجرد تفاصيل لروايات بوليسية تحتاج من يعيد كتاباتها، وفي المرات القليلة التي جرتْ المحاسبة كانت لغايات سياسية وليس من أجل العدالة، كما حصل في قضية سمير جعجع بعد فتح ملفاته خلال الحرب… 

الاغتيالات السياسية بلا شك أو ريب تحصل لأسباب سياسية، ويجري طمسها لأسباب سياسية، باعتبار أن القضاء والقانون يتحكم بهما الأقوياء أو المهيمنون… شبح الأقوياء يفرض نفسه على القضاء لتصبح الجريمة قدَراً، وتغدو العدالة مجرد وهم ميتافزيقي مُنتظر… في لبنان ليست القضية منْ الفاعل فحسب، بل مَن يحاسب الفاعل؟! مَن يجرؤ على اعتقال سليم عياش مثلاً، وهل هو موجود فعلاً؟ أو من يجرؤ على اعلان نتائج التحقيق في اغتيال وسام الحسن، خصوصاً أنّ الحسن اغتيلَ بعدما كشف متفجرات ميشال سماحة، ووسام عيد اغتيل بعد كشفه هواتف الأشخاص الذين اغتالوا رفيق الحريري…

هكذا، بعد العام 2005، كان هول الجرائم كبيراً، وكانت عبارات “العدالة آتية” تملأ العناوين والتصريحات والمواقف، لكن كل شيء كان ينتهي إلى التمييع. كانوا يطبعون صور الشخصيات التي تعرضت للاغتيال، ويستذكرونها في الخطب والمواقف والحشود والأفلام، واليوم معظم تلك الشخصيات أصبح في خانة النسيان، ومعظم التحقيقات أو نتائج التحقيقات في الاغتيالات لم نعرف إلى أين وصل، فهي إما أُبقيتْ في الأدراج خوفاً من إعلانها، أو أعلنتْ نتائجها بطريقة أشبه بتجهيل الفاعل كما حصل في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان…

التاريخ يعيد نفسه الآن… المشهد يتكرر في جريمة انفجار المرفأ. اتهامات كثيرة وقضاء مكبّل وحصانات لشخصيات سياسية وروايات متشعبة ودماء أكثر من 200 قتيل ذهبت هدراً، أو وضعتْ في خانة “القضاء والقدَر”… مع سعي إلى الهاء الناس باعتقال بعض الموظفين ككبش محرقة… كل الدلائل تشير إلى أن السلطة تسعى الى تجهيل المسؤول عن جريمة المرفأ، مع أن الجريمة ليست حبكة بوليسية، ولا تحتاج شيفرات وفك ألغاز… هناك معطيات واضحة وضوح الشمس، حول باخرة معلومة، أفرغت آلاف الاطنان في العنبر رقم 12، وهناك معطيات واضحة حول شاحنات نقلتْ جزءاً من الحمولة إلى جهة معلومة، وهناك توقيع وقرارات معلومة من الأجهزة الأمنية والقضاء، وهناك اطلاع من بعض الرؤساء على ما كان يحتويه العنبر… لكن بـ”المشبرح” السلطة الحاكمة في لبنان لن تحاسب نفسها، لأن في الوقائع، جريمة مثل جريمة المرفأ، ينبغي أن تُسقط نظاماً بكامله…

لم تنته القضية عند المرفأ، فمع اغتيال المصوّر جو بجّاني بكاتم للصوت أمام منزله، بدا أن السلطة تتعاطى مع الجريمة كأنها حادث سَير عابر… الأرجح أن الأجهزة الأمنية باتت تتوخى الحذر من الإعلان عن تفاصيل أي جريمة تتعلق بالاغتيال السياسي، حرصاً على نفسها قبل كل شيء. فهي في الجرائم العادية والمخدرات، سريعاً ما تلقي القبض على الفاعل، وتذكّر وتفنّد تفاصيل الجريمة، أما في الجرائم السياسية فيصيبها “الخرس الفصامي”… كأن مجرد الاعلان عن نتائج التحقيقات، هو إعلان مواجهة غير متكافئة مع قاتلٍ متمكن ومجهز للحرب في أي لحظة، كأنهم يقولون “اليد التي لا تقوى عليها، قبِّلها وادعُ عليها بالكَسر” كما يقول المثل…

ما حصل مع جو بجاني يتكرّر مع الناشط والناشر لقمان سليم، فلم تمر أسابيع على جريمة اغتياله حتى دخلت في دائرة النسيان، وإن كان لقمان مهتماً بقوة بـ”ديوان الذاكرة اللبنانية”، فالعجب أن ذاكرة اللبنانيين قصيرة. لم نعد نعرف أين أصبح التحقيق في قضية لقمان، ولم نعد نسمع عنه شيئاً في نشرات الأخبار التي يعشق أصحابها “التحقيقات”، انشغل بعضهم بما يحتوي هاتف لقمان الذي رفض أهله تسليمه إلى الأجهزة الأمنية، مع أن الأجهزة قادرة على الحصول على داتا الهاتف بطريقتها.

لنقُل، من باب الأمل، أن جوزيف ستالين بقي عظيماً و”قديساً” حتى بعد سنوات على رحيله. كانوا يخافون شبحه ويصلّون له ويكتبون فيه القصائد، وحين تحرروا من الخوف منه، دفنوا جثمانه المحنّط، ونبشوا ماضيه الأسود، وتحوّل ستالين القدّيس إلى أكبر سفاح في التاريخ، وكل انتصاراته في الحرب العالمية الثانية ذهبت في سواد أفعاله المشينة… ربّما الأيام تحرر لبنان من ستالينه المفترض وتنبش ماضيه الآثم، وربّما الأيام تحاسب… والله أعلم.