الرئيسية / home slide / جرير… الذراع الإعلامية لبني أميَّة

جرير… الذراع الإعلامية لبني أميَّة

 نعيمة عبد الجواد
القدس العربي
13072022

السياسة وألاعيبها جزء أصيل من قيام أي دولة أو إعلاء فكرة، ولضمان الفوز بتأييد شعبي كاسح لا بد من وجود وسائل إعلام؛ لقمع المناهضين وجذب رضاء العامة. ودون شك، الحياة السياسية تتنازعها أهواء الأحزاب التي يكرس كل منها آلته الإعلامية لاجتذاب أكثر عدد من المؤيدين. ويجب الأخذ في الاعتبار أن الأهواء السياسية المتناحرة وألاعيب الساسة باقية على مدار العصور، ما بين أصحاب الفكر، دون استثناء.
والشعر السياسي في شبه الجزيرة العربية ظهر كلون فني مستقل بذاته في الصدر الأول من الإسلام؛ حيث كانت فاتحته الدفاع عن الإسلام، وتبلور في صورته التامة مع نهاية الصدر الأول من الإسلام، لكنه لم يزدهر إلا في الصدر الثاني؛ لأن الفتور والتوقُّف أصابه بموت النبي؛ حيث انصرف العرب للجهاد والعبادة وقراءة القرآن، متناسين العصبية الجاهلية والتناحر في ما بين القبائل. إلا أن الفتنة أيقظها موت عثمان بن عفَّان، ومن ثمَّ، تفرَّق المسلمين شيعاً وأحزاباً مرة أخرى، واشتدَّت العداوة في ما بينهم بعد مقتل عليّ، فاحتدم القتال بعد أن أمسك بنو أميَّة بزمام الحكم، وصار لزاما عليهم مقاتلة الزبيريين والشيعة والخوارج. وأكثر من كل هذا وذاك، استمالة العامَّة؛ فتوطيد الحكم بقوة السيف وحده نصر استمراره قصير الأجل؛ لأن الفتنة التي محلَّها الصدور لن تخمدها طويلاً شفرات السيوف. وعلى هذا، كان لا بد من إشعال حرب إعلامية تستميل قلوب العامة، وتنفِّر من وجود فرقاء.
وفكرة الحرب الإعلامية، لم تكن حكراً على بني أمية؛ لكل فريق بوقه الإعلامي لتأييده ونصرته والتنكيل بالفرق الأخرى، وكان البوق الإعلامي الفعَّال لذاك العصر هو الشعر؛ لسهولة وصول رسالته لأفئدة العامة. وما يميّز الحرب الإعلامية لبني أميَّة هو كثرة شعرائها عدداً، وتفانيهم في نسج قصائد قويَّة الحجَّة لتفنيِّد مساعي الخصوم. ويكمن السبب الرئيسي وراء استماتة الشعراء في الدفاع عن بني أمية ـ على الرغم من أن هؤلاء الشعراء أنفسهم، قد يكون لهم ميل مخالِف لأحزاب غير صديقة – أن بني أميَّة كانوا يجزلونهم العطاء بسخاء لا مثيل له، ويقرِّبونهم من حظوة الحاكم، فهرعت إليهم طوائف الشعراء، وتسابقت على مدحهم وهجاء الأعداء طمعاً في العطايا، وترتَّب على ذلك، نسج أشعار مدح تؤيِّد حق بني أميَّة في الخلافة.
ومن أبرز الشعراء السياسيين في ذاك العصر كان جرير والفرذق والأخطل، الذين ثبُتت أشعارهم على الاستماتة في الدفاع عن النظام، حتى لو تكلَّف الأمر هجاءهم لذويهم؛ تماما كما فعل الأخطل عند هجائه لأهله من الأنصار، عندما تعرَّضوا لبني أميَّة وادعوا حقَّهم في الخلافة. ويعد ثالوث جرير والفرزدق والأخطل من أشهر شعراء العصر الأموي والعصور اللاحقة. لكن ما يميِّز جرير عن ذويه هو احترافه الفطري؛ فأشعاره محببة للنفس، وغزيرة المادة، علاوة على امتلاكه لذائقة تجعل شعره ينساب بسهولة دون تعقيد أو تكلُّف، وكان ذاك هو السبب في وضعه في صدارة الشعراء المتمكنين، لدرجة وصفه بأنه «يغرف من بحر». ولا عجب في ذلك، فجرير ينحدر من عائلة تحترف الشعر، وتعلَّم حرفة الشعر منذ نعومة أظفاره على يد جدّه وأبيه. وجديراً بالذِّكر، أن جرير بن عطية الكلبي اليربوعي التميمي (33 هـ 110 هـ/ 653 ـ 728م) هو شاعر من بني كليب بن يربوع من قبيلة بني تميم وهي قبيلة في نجد، وهي القبيلة نفسها التي انحدر منها الفرزدق. لكن، جرير ولد في البادية، وكان خشن الطباع ورقيق الحال، في حين أن الفرزدق كان نسبه الأصيل يوفر له عيشة رغدة، وكان انصرافه لحياة اللهو والمجون والخمر عظيم الأثر في أشعاره، خاصة الغزل والخمريات التي كانت جريئة المعاني. أما جرير، فكان متمسكًا بدينه، متعصبا له، عفيف الغزل.

أما عن نقائض جرير والفرزدق التي شكلت حربا إعلامية شخصية استمرت على مدار أربعين عاما، وغرضها إزاحة كل منهما للآخر، فكانت الأشهر في التاريخ. والنقائض هي انتقاء قصيدة لشاعر ونظم أخرى على الوزن نفسه وبمعان عكس ما قيل، فتصير هجاء لصاحبها.

وكان يبتعد عن حياة اللهو والمجون ومجالس الجواري، ولم يمتدح إلا الحكّام. وعلى عكس السائد في عصره، خالف المعهود بتوكيد حبُّه الشديد لزوجته، ورثائها بقصيدة رائعة بعد موتها.
ومن الطريف أنه قبل مولده، حلمت أمه بأنها ولدت حبلاً من شعر أسود، ولما وقع منها أخذ يتنقل بين أعناق رجال كثيرة، فيخنقها. ولما استفاقت من نومها مذعورة وقصَّت رؤياها على أحد العارفين، بشَّرها بأنها ستلد غلاما شاعرا متمكِّنا له القدرة على درء أي عدوان. وبعد ولادته المبكرة، قامت أمُّه بتسميته جرير تنفيذا للرؤية، علما بأن «الجرير» يعني «الحبل». وقد تحققت بالفعل رؤيا الأم بأن ولدت شاعرا قادرا على درء عدوان من يهجوه بسهولة ويسر. فلقد قام بهجاء أكثر من ثمانين شاعرا أغلبهم كانوا البادئين، وهجاؤهم له كان بغرض نيل الشهرة والخلود. والعديد من شعراء هذا العصر لم يتبق لهم خبر، إلا ما خلّدته قصائد هجاء جرير لأسمائهم. ويقول الأصمعي إنه حدث وقام بهجاء جرير ثلاثة وأربعون شاعرا ، فكانت تنساب من فمه الأشعار التي تلحق بهم الخزي والعار، لدرجة قد تجعلهم يتوارون عن الأنظار، كما ألحق الخزي ببني نمير أجمعين بسبب شاعرهم، لكن لم يثبت له إلا الفرزدق والأخطل؛ وكان يقارعم الهجاء، وفي كل مرَّة يتفوَّق عليهما.
وهجاء جرير للفرزدق والأخطل ليس من باب الحسد، فالثالوث كان متناحرا، ينهش بعضهم بعضاً بغرض نيل شرف لقب أشعر شاعر، فقد حزن جرير أشد الحزن على موت الأخطل، ثم تلاه موت الفرزدق، وأكد جرير إنه لن يعيش طويلا بعد فراقهما. وبالفعل، مات بعد الفرزدق بأشهر قليلة، وقيل إنه كان قد قارب العقد الثامن من عمره.
أما عن نقائض جرير والفرزدق التي شكلت حربا إعلامية شخصية استمرت على مدار أربعين عاما، وغرضها إزاحة كل منهما للآخر، فكانت الأشهر في التاريخ. والنقائض هي انتقاء قصيدة لشاعر ونظم أخرى على الوزن نفسه وبمعان عكس ما قيل، فتصير هجاء لصاحبها. لكن الهجاء والانشغال بالحرب الإعلامية حرمت جرير من الخوض في مختلف فنون الشعر، من غزل وقصص وحكايات تاريخية، فهو أكثر شعراء عصره ثقافة ووقوفا على أخبار المحدثين والقدامى، ومعينه كان رقَّة أشعاره وسهوله حفظها وانفتاحها على أخبار بوادي العرب والأمصار.
الشهرة والرغبة في نيل المزيد من العطايا، والتزلُّف لأصحاب المكانة السياسية، حرمت جرير من الوصول لذروة إتقان جميع فنون الشعر، دون أدنى شك، أشعار جرير في المدح والهجاء والفخر شديدة التميُّز وحفرت له مكانة لا يماريه فيها أحد، فما بالك لو كان أولى ينابيع موضوعاته الرعاية نفسها!

كاتبة مصرية