الرئيسية / home slide / جرح لبنان

جرح لبنان

La lucidité est la blessure la plus proche du soleil

René Char

ليس عندي أيّ سببٍ خاصٍّ، أو سرّيٍّ، للتفاؤل، بعد شهرٍ على وقوع كارثة مرفأ بيروت، في مثل هذا اليوم الرابع من آب الفائت، وبعد إفلاس لبنان ماليًّا، وانهياره اقتصاديًّا، وسقوط دولته في الدويلة، وفساد ملحِهِ المريع على يد طبقته السياسيّة برمّتها، وعهده غير الميمون هذا.

لكنّ قوّةً دفينةً في نخاعي الشوكيّ، في لاوعيي الباطنيّ، في عقلي الواعي، لا أعرف مصدرها، تمنحني “براءة اختراع” brevet d’invention أنْ أكتب الآتي: أنا متأكّد من أنّ لبنان لن ينحلّ انحلالًا وجوديًّا، ولا انحلالًا دستوريًّا. بل سينهض. وستنهض عاصمته. كما لم ينهضا من قبل.

لكنْ، من أين لي هذا اليقين؟ وهل يحقّ لي أنْ أكتب بهذه الطريقة، في هذه اللحظة التاريخيّة الحاسمة؟

لا أملك أيَّ معلوماتٍ موثوقٍ بها عن مصير بيروت ولبنان، على غرار ما ينبغي لأهل “السياسة”، أو لأهل مهنة الصحافة، أنْ يملكوه من براهينَ ومعطياتٍ موضوعيّةٍ كاملة الصدقيّة، كلّما كتبوا في شأنٍ دقيقٍ وخطيرٍ من الشؤون الدقيقة والخطيرة.

حال بلادي اليوم، هي هذه الحال تمامًا، على كفّ عفريت، معلّقةً على حبال الهواء بين الحياة والموت. بين الوجود واللاوجود. بين البقاء وانعدام البقاء.

لكنّي متأكّد.

أنا متأكّدٌ من أنّ بلادي ستكون نفسَها وذاتَها. كما لم تكن من قبل.

وستكون، لا فريضةً، ولا تلفيقةً مصطنعةً، ولا تسويةً مدوَّرةَ الزوايا، ولا “كذبةً” شعريّةً. بل حنكةً دستوريّةً، غيرَ قابلةٍ للنقض، فريدةً في الشكل والنوع، سيّدةً حرّةً مستقلّة.

أنا متأكّدٌ من أنّ بلادي لن تنحلّ، ولن تزول، ولن تُمحى عن الخريطة، ولن تُتَقاسَم، ولن يُستولى عليها، ولن تُصادَر، ولن تكون ملكًا لفريقٍ، ولا لسلاحٍ، ولا لطائفةٍ، ولا لمذهبٍ، ولا لحزبٍ، ولا لتيّارٍ، ولا لوصيٍّ، ولا لمنتدِبٍ، ولا لمحتلّ.

هؤلاء كلّهم، منفردين أو مجتمعين، لن يستطيعوا – وإنْ شاؤوا – أنْ يملكوا لبنان، ولا بيروت لبنان.

ما أذكره أعلاه في شأن ما يُتَوقَّع للبنان من احتمالات المصائر، أو ما قد يتوهّم أحدٌ أنْ يراهن عليه، ليكون قيادُ لبنان “ملْكَ” طرفٍ ما، دولةٍ ما، لأمرٌ مستحيل. من المستحيل امتلاكُ لبنان، ومن المستحيل أنْ ينحلّ لبنان.

لا يُملَك لبنان. ولا ينحلّ.

علمًا أنّ لبنان هذا، هو كلّه – الآن – تيهٌ عميمٌ، وخرابٌ عميمٌ، وفقرٌ عميمٌ، وأسًى عميمٌ، ووجعٌ عميمٌ، ومأزقٌ عميمٌ، وانحطاطٌ عميمٌ، وفسادٌ عميمٌ، ويأسٌ عميمٌ، وموتٌ عميمٌ، وليلٌ عميمٌ، وليس ثمّة تلاويحُ فجرٍ، أو بصيصُ عطرٍ لوردةٍ، في الأفق ولا في الحلم، حتّى الآن.

لا أملك أيّ معلومةٍ من أيّ مصدرٍ حول مستقبل لبنان. لكنّي متأكّدٌ ممّا أكتب.

ليس كمثل شاعرٍ مَن يمكنه أنْ “يتنطّح” لمثل هذا “اليقين”.

أراني، في هذا الباب، “أستعين” بمرجعٍ كبيرٍ، لا يكاد يُعلى عليه، في شأن “التنطّح الشعريّ”.

جملةٌ كجملة الشاعر الفرنسيّ العظيم، رينه شار، الواردة في أوّل المقال، تمنحني أنْ أحتمي بصفائها العقلي الحصيف، بوعيها البالغ الإرهاف والدقّة، وبإصابتها هدف المعنى، كما لو كانت حقيقةً موضوعيّةً كاملة الصدقيّة: نفاذ البصيرة (وضوح الرؤية) هو الجرح الأقرب الى الشمس.

بنفاذ البصيرة هذا، وبوضوح الرؤية، بل بهذا اليقين الشعريّ، الذي “أزعمه” حول مصير بلادي، يتقدّم جرح لبنان – وأيضًا تتقدّم حقيقته – ليلامسا وجه الشمس.

راهِنوا معي، نربح رهان لبنان، و… لبنان!

akl.awit@annahar.com.lb