الرئيسية / home slide / جبّور الدويهي نسيم خفيف في الهواء

جبّور الدويهي نسيم خفيف في الهواء

21-07-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

جبّور الدويهي.

تريز دحدح الدويهي

“غادر جبور هذه الدنيا بعد أن عاش مستهزئا بأعيادها واحتفالاتها، مستهزئا بأفراحها وأتراحها. عندما أراد أن يكتب عنها وعن شؤونها خلط المضحك والمبكي متهكما بها، وبغدرها، وباستقوائها. سخّف اسلوبها، وواجهها حتى آخر لحظة بكبريائه. تجاهل المرض ولم ينكسر أمام ظلمها. إلى اللقاء جبور”.

هذا ما كتبته على صفحتي في الفايسبوك ليلة وفاته.

رحل جبّور في وقت أصبحنا فيه نحن الإثنين “أعزّ الأصدقاء”، بعد سنتين أمضيناهما معا في البيت أو متنقلين بين المستشفيات وعيادات الأطباء والمختبرات الطبّية. سمعته يوما يقول لصديقه وحبيبه فارس ساسين: “والله يا فارس أنا ماني فزعان يمكن لأنو مرتي معي”.

سلّمني جبور حياته واطمأن إليها بين يديَّ، وأنا فرحتُ بوجوده معي في البيت، الذي قال عنه يوما إنه يستيقظ كل صباح ليرى نفسه مقذوفا منه إلى الخارج. بنى لنفسه خارج البيت عالماً كثرت فيه الصداقات واللقاءات، توزّعت بين مقاهي زغرتا وإهدن وطرابلس وبيروت، حيث اعتاد كتابة قصصه. أما روايته الأخيرة فقد بدأها في الخارج وأنهاها في البيت جالسا في غرفة جانبيّة، ليبتعد قليلا عن مجال حياتنا اليومية، على كرسي مريح أقرّبه من باب الشرفة، ليغمره دفء الشمس، وليطلّ على جبل أهدن.

كان شرطي الوحيد في هذا الطقس اليوميّ أن يلبس ثيابه ويتأنّق كما كان يفعل دائما عند خروجه من البيت. فتّش جبّور خارج البيت عن الناس، لا يزعجه ضجيجهم بل يطلبه، هو الذي قرأ الكتب ودرس وسط عجقة مقهى كلية التربية التي تابع فيها اختصاصه في الأدب الفرنسي. لقاؤه اليومي مع الناس على مدى سنوات عديدة جعله انسانا منفتحا، ومتجددا، لا يعرف الهزيمة والإنكسار. ثابر على أن يكون حرأ وطالب بالحرية.

قال لي يوما في معرض الكلام عن العنف المستشري حولنا ومدى قسوة البشر وظلمهم بعضهم بعضا: “أقوى اختراعين للغرب لخلاص البشرية هما البنسلين والديموقراطية”.
طبعتنا مواقفه وأفكاره، وزادت حياتنا غنى وارتفاعا عن صغائر الدنيا، نحن عائلته التي بنيتُها له وبغفلة منه. أقول بنيتُها له، لأنه وجدها في لحظات العمر المفرحة وكذلك المؤلمة في آخر أيامه على فراش المرض.

يوم الجمعة 23 تمّوز صباحا، خارت قواه وطلب مني أن أساعده على الجلوس لأنه “يريد أن يرى ماذا يحصل”، وعندما حاول الأولاد مساعدتي، قال بصوت خافت: “اتركو تراز تشتغل هي يلي بتعرف”. أضأت شموعا في زاوية الغرفة، ووضعت ابنة أختي ايقونة للسيدة العذراء ومسبحة قرب السرير. تحلّقنا حوله نداعب شعره ونقبّل وجهه، البنات يدفئن يديه الباردتين، وبولس يناديه دون جواب.

غادر جبّور كأنه نعس ونام في حضن أولاده.

اختفى الأولاد من الحيّ، وتحلّق الأصحاب والجيران في الخارج وعلى الطريق في مشهد صامت، فبدا الجوّ ساكنا وكأن روحه قد طافت في أرجاء “عين الوحش” مثل نسيم خفيف في الهواء.

اهتمّت نساء العائلة بجبّور عند رحيله على غير العادة والمألوف عندنا، حيث أن رجالا من خارج العائلة يتقدمون لهذه المهمّة. تعاونت زوجة ابني الطبيبة وزوجة أخيه أستاذة التمريض في الجامعة مع الممرض المرافق له على إتمام مراسم تحضيرالجسد الهامد ثم اشتركنا نحن النساء في صلاة ترأستها اختي التي قالت لنا إنه لم يتعذّب في نزاعه الأخير كما تعرف هي عن كثيرين قد أسلموا الروح. ربما يلزمها الكثير من الحب لتنتقل بسلام.

أنا اليوم أشتاق اليه في فراشه، أهتمّ مع الأولاد على ترتيب المخدّات تسند رأسه وظهره ويديه ورجليه. يسمع صوت أحفاده يلعبون في الخارج يقول للممرّض: “روح جبلي الصبي الزغير الأشقر”. أعطيه هاتفه ونظارتيه، أدير التلفاز ليشاهد الفوتبول وبرامج الطبخ وقداديس يوم الأحد، وإذا أسعفته ذاكرته وحصل على المحطّة المصرية يسمع الآذان ويرفع الصوت.

أشتاق اليه، أقبّل خدّه بعد الحلاقة وأقول له: “نعيما استاذ جبور”.