الرئيسية / أضواء على / جبّور الدويهي لـ”النهار”: لم أعد صالحاً لشيء سوى الكتابة

جبّور الدويهي لـ”النهار”: لم أعد صالحاً لشيء سوى الكتابة

الروائي جبّور الدويهي (“فايسبوك”)

يجلس في المقهى أمام اللابتوب، يراقب ويكتب. هل يتقاعد الكاتب؟ “لا، طالما يقوى على الكتابة”. يجمعنا بالروائي جبّور الدويهي حديثٌ عن جديده “ملك الهند” الصادرة قريباً عن “دار الساقي”. يُلملم التفاصيل ويصبّها في قالب الأدب، يصقلها على مهل، فتلمع. لقاء عن الولادة الروائية المقبلة، وعن الكتاب والمقهى وتراكم الملاحظات وهي تتحوّل فجأة إلى بداية مشروع روائي.

منشور في “فايسبوك” عن مشاركته في ندوة ضمن مهرجان طيران الإمارات للآداب في دبي، بعنوان “أزمة الكتاب العربي”، في 5 آذار. نضع “لايك” ونسأل: كيف ننقذ الكتاب من أزمته؟ يصف الأزمة بـ”البنيوية”: “لا شيء يُنقذه من أزمته. الكتاب أي الأوراق المنضدة داخل غلاف، لم يكن دائماً وسيط القراءة. ونحن شهدنا تحوّلات كثيرة كسقوط الاتحاد السوفياتي، وظواهر غاية في الغرابة كانتخاب دونالد ترامب رئيساً لأميركا، فربما نتابع أيضاً اندثار الكتاب الورقيّ. باعتقادي أنّ القراءة رغم ذلك تزدهر. الناس يقرأون على الهواتف الذكية، الصغار والكبار والسمّان والشرطي، ولو أنّ نوع النصوص وطبيعتها تختلف عن مضامين الكتب التقليديّة. نعتاد تدريجياً على ذلك. تتغيّر ممارساتنا. ينظر أولادنا بغرابة إلى عدد كبير من كتب اقتنيناها ولا يفهمون تماماً تفجّعنا على خطر اندثار الكتاب الورقي”.

نُلحِق سؤال أزمة الكتاب بسؤال المَعارض العربية المُقامَة من أجله، آخرها معرض القاهرة. شاركتَ هناك، ووثّقتَ بالصور، فأي اختلاف تلمحه في زياراتك لمَعارض الكتب العربيّة ومعرض الكتاب في لبنان، خصوصاً أنّه يعاني أزمة تسويق وشحّ ميزانية؟ يتحدّث عن “الهيئة العليا للكتاب” في مصر التي “تضع إمكانات مادية كبيرة لتنظيم المعرض”، ويُقارن: “النادي الثقافي العربي هو القائم وحده على تنظيم معرض بيروت، فشتّان بين قدرات الطرفين! يزور معرض القاهرة أكثر من مليون شخص رغم تنظيمه في منطقة بعيدة من وسط البلد، والكتاب المصنوع في لبنان يبقى ثمنه مرتفعاً هناك. أما معرض بيروت فيتراجع مع تراجع بيروت كقطب للثقافة العربية والصحافة. ربما النشر لا يزال مزدهراً بعض الشيء ودور النشر اللبنانية لها سُمعة جيّدة لدى الكتّاب والمثقفين”.

“ملك الهند”

مناسبة اللقاء: صدور روايته الجديدة “ملك الهند”. “وليس فيها ملك ولا هند!”، يقول. إذاً، أخبرنا عن المولود المُنتَظر بعد “طُبع في بيروت”. يبوح باعتراف: “لم أعد صالحاً لشيء سوى كتابة الروايات، لكني دائماً أتمهّل وهذا طبعي”، ثم يُكمل: “أنهيت رواية جديدة لا أعرف كيف أقدّمها أو أعرّف عنها. إنّه تمرين طالما عجزتُ عنه. المهم أنّني حصلت على موافقة أصدقائي وزوجتي قبل نشرها”، يؤكّد، فتتراءى على وجهه بسمة.

نعود إلى معدّل الكتابة. سنتان أو ثلاث، فتولد رواية. نسأله عن التأنّي وفنّ التفصيل، أي عمق يمنحه الوقت الكافي للرواية؟ تعلّمه السنوات صوغ إجابات حاسمة: “الوقت الكافي يمنع التكرار ويسمح بتجديد الإطار السردي، ولو أنّ الأسلوب ملتصقٌ بالكاتب، ويصعب عليه تجديده. لا أسعى إلى تغيير أسلوبي. أحاول استكشاف احتمالات جديدة لكتابتي الروائية لجهة الأمكنة والأزمنة والشخصيات والمونتاج السردي”.

جبّور الدويهي كامل الحضور في “فايسبوك”، ينشر عبره آراءه، جلساته في المقهى، ونقاشات الأصدقاء. كيف يبلغ الكاتب مزاج القارئ؟ يردّ بأنّه لم يفعل الكثير. “كتُبنا تحصل على ردود فعل بين القرّاء وفي الصحافة، وأهمّ وسيلة للتعريف بالرواية هي النصيحة باقتنائها “من الفم إلى الأذن”، كما يقولون بالفرنسية، أي في حلقة لا تنكسر من القرّاء الذين يوصون بها أصدقاءهم”. والجوائز؟ يقرّ يفضلها: “ربما تساعد في إيصال الاسم والعنوان الى انتباه عدد من القرّاء، لكنها لا تصنع قيمة غير موجودة في الكتاب الذي يصنع مصيره بنفسه. والصيغة الأكثر مطابقة لواقع الحال هي نفسها التي تطغى في عالم الاستهلاك، أي عندما يشعر المرء بأنّه لم يقرأ الكتاب الذي قرأه الآخرون فيُسارع الى شرائه”.

نهوى طرح إشكالية “تقاعد الكاتب”. جبور الدويهي، هل للكتابة شيخوخة؟ الجواب: “لا يتقاعد طالما يستطيع الكتابة وصحّته تسمح. تصبح الكتابة في النهاية نمط حياة وليست هواية. الكتابة الروائية تستحوذ على الكثير من المشاعر وتُلهي عن انقضاء الزمن الحقيقي. حياة موازية تضجّ بالعوالم والشخصيات، فتصبح أليفة، ويجد في النهاية صعوبة في فراقها”.

المقهى

علاقته بالمقاهي قديمة، بمثابة مساحة للتمرّد على المنزل والأهل. يستعيد محطّات من تحضير دروسه الجامعية في المقهى، “من زمن كلية التربية في بيروت، وكان فيها مقهى معروف، قيل إنّ الطلاب المتحمّسين للتظاهر والتغيير في أوائل السبعينيات كانوا يمضون فيه وقتاً أطول بكثير مما يخصصونه للصفوف والمحاضرات. وهكذا ارتبطت عندي الكتابة بالمقهى. بالخروج الصباحي من البيت للالتحاق بالعالم. كأنّ أموراً تحدث في الخارج وأخشى أن تفوتني متابعتها. هذا ضرب من الوهم البسيط، خصوصاً في أيامنا هذه، لأنّ العالم يأتي إلينا بأخباره وأحواله على الهواتف الذكية فور نهوضنا. أخرج وأجلس وسط الصخب (النسبيّ) والشروع يومياً في الكتابة. لا أستوحي ما أكتبه من المقاهي، لكني أكون فيها متحفزاً لصياغة رواياتي وحتى مقالاتي. ولي بالطبع، بحسب المراحل، مقهى أعتاد النزول إليه، وطاولة أجلس إليها في الاتجاه نفسه كل يوم”. مقاطعة، في محاولة فهم رأس الكاتب: إذاً، متى تسمح للخيال بالتدخّل ومتى تترك السطوة للواقع؟ “التوليفة العامة لكلّ عمل روائي تكون خيالية، وإلا فقد مشروع الكتابة معناه. أما العناصر الواقعية فتُغذي العمل وتدخل في هندسته الخيالية، لا العكس. وما سُمّي الواقعية في الرواية ينطبق على مؤلفات خيالية، منطقها ومسارها وسلوكات شخصياتها تشبه ما يحدث في الحقيقة أو يمكن أن يحدث، ما يسهّل تماهي القارئ مع مجرياتها وانشداده الى مصائر شخصياتها”.

قبل الوداع، سؤال: هل تكوّن خزّان أفكار أم أنّ لكلّ رواية صدفتها ولحظة ولادتها؟، فجواب: “أضع كلّ طاقتي الكتابية في العمل الذي أنكبّ عليه، وعندما أنتهي، أقع في فراغ، فيلزمني ما لا يقل على سنة لأستعيد مداخل جديدة للكتابة وصوراً وسيناريوات صغيرة أسجّلها بالكتابة اليدوية على دفتر صغير يوماً بعد يوم، حتى تبلغ هذه الملاحظات تراكماً يتحوّل فجأة إلى بداية مشروع روائي”.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

اضف رد