الرئيسية / أبحاث / جبيل اللبنانية أقدم المدن المسكونة في التاريخ البشري

جبيل اللبنانية أقدم المدن المسكونة في التاريخ البشري

عبد معروف
9 – مايو – 2020
https://www.alquds.co.uk/

بيروت-“القدس العربي”:  عد باحثون ومؤرخون، مدينة جبيل الواقعة على الساحل اللبناني من أقدم المدن المسكونة في التاريخ البشري، وتضمّ هذه المنطقة أشهر المواقع الأثرية. وأعادوا تاريخها إلى ثمانية آلاف سنة، مستندين لوثائق وآثار تم اكتشافها في المدينة تؤكد معاصرتها لقرون ما قبل التاريخ الميلادي.

 وأظهرت الحفريات الأثرية في فترة الانتداب الفرنسي، ومن ثم تلك التي جرت بإشراف المديرية العامة للآثار في لبنان، أن باطن المدينة يحتوي على كنوز من الآثار، وفي عام 1984 أدرجتها اليونسكو على لائحة التراث الإنساني العالمي.

يطلق على جبيل اسم مدينة بيبلوس. وتقع على الساحل اللبناني شمالي العاصمة بيروت، وتبعد عنها بنحو 37 كيلومترا، ويستغرق الوصول إليها نحو ثلاثين دقيقة من بيروت في الحالات العادية. ويبلغ عدد سكانها حوالي 40 ألف نسمة.

شكلت المدينة عبر التاريخ همزة وصل ونقطة تلاقي الحضارات القديمة التي تعاقبت عيلها ومنهم (الفينيقيّون والآشوريّون والفرس والرومان واليونان والعثمانيّون) وهو ما يظهر من خلال المعالم الأثرية والكنوز التراثية التي تزخر بها وتشكل هويتها الحالية والتاريخية.

نبع الإله إيل

في البداية تأسست كقرية لصيادي السمك وذلك ما قبل الميلاد، وتوسعت فيما بعد وأصبح لها شوارعها ومساكنها التي لها هويتها وطابعها الخاص، فصدّرت الأبجدية الفينيقية للعالم، واشتهر سكانها بالتجارة وصناعة الفخار والسفن من خشب الأرز. وتقول الأسطورة التي استمد منها اسم المدينة إن الإله إيل، كبير الآلهة عند الكنعانيين، هو من أسسها حيث تتوفر فيها الينابيع، فكانت تسمية جبيل اختصارا لـ”جب إيل” أي نبع الإله إيل، وبالنسبة للكنعانيين أن الإله إيل هو من أسس جبيل.

يحيط المدينة العديد من الأسوار، والتي ترجع تواريخ أقدمها إلى الألف الثالث قبل الميلاد ومنها الجدار البدائي والسور المسنن. بفضل الحفريات المتعددة، تم اكتشاف الكثير من الآثار التي تعود إلى عدة أجيال تعود لحضارات مختلفة.

فقد ترك الكنعانيون في المدينة الكثير من الآثار التي تعطي صورة عن نمط حياتهم، من الخناجر، والرماح المصنوعة من الصوان، والطاسات، والجرار المفخورة من الطين المجفف، ألخ… وقد استخدمت الجرار البيضاوية الشكل كصوامع للغلال ولحفظ زيت الزيتون، كما استعملت أيضا لدفن الموتى، ولإعطاء الجسم شكل الجنين.

سيدة جبيل

وسط المدينة كان مخصصا للمباني الدينية، ولعل من أقدمها معبد آلهة أو بعلة جُبَلا، أي سيدة جبيل، يعود بناء المعبد إلى 2800 ق.م وقد دمر خلال الفترة الأمٌوريًة ثم إعيد بناؤه في عصر الملك يحاوميلك. وأكبر معبد بني حوالي العام 2300 ق.م لكن لم يعثر على أي إشارة لانتمائه إلى إله معين، فأطلق عليه اسم “معبد L” بالنسبة إلى شكله الذي يشبه حرف L. وتم تدميره خلال غزو الأموريين، وحل محله معبد آخر وهو “معبد المسلات” وقد شيد على الوقع نفسه، بين أعوام 1900-1600 ق.م داخل حرم مقدس ويتم الوصول إليه عبر باحة واسعة، وفي وسطه أقيمت مسلة كبيرة تمثل إله المعبد وحوله توافرت الكثير من المنشآت الطقوسية. وقد تم نُصِبَ العديد من المسلات الصغيرة عن أنفس المصلين لإدامتهم وتخليدا لذكرياتهم. ووجدت مجموعة كبيرة من التماثيل البرونزية مغطاة بورق الذهب، إضافة إلى الفؤوس والأدوات والمجوهرات والجرار الفخارية.

في شهر شباط/فبراير 1922 تم اكتشاف مقابر ملوك جبيل عن طريق الصدفة، بعد انهيار أرضي بسبب الأمطار الغزيرة على الجانب الغربي من الموقع. وكشفت الحفريات من قبل عالم الآثار الفرنسي بيار مونتي ومن بعده موريس دونان، عن تسع مقابر لملوك جبيل من الفينيقيين. ويعود أقدمها إلى حوالي 2000 قبل الميلاد، ويتكون كل مدفن من بئر في الصخر، عمقها يتراوح بين 9 و12 مترا ويؤدي إلى حجرة الدفن. ومن أهمها قبر وناووس الملك حيرام.

المحفوظات والنقوش

تشير الوثائق إلى أن جبيل صدرت الأخشاب لبناء السفن والمعابد المصرية، والراتنج للطقوس الدينية وخاصة التحنيط، والقمح والعنب والنبيذ، لذلك أتى ذكرها في الوثائق والمحفوظات التاريخية والنقوش الحجرية التي وجدت في مصر وجميع أنحاء الشرق الأدنى. من بين أهم المحفوظات، نجد “رسائل تل العمارنة” والتي تم اكتشافها في عام 1887 في موقع إختاتون القديمة (تل العمارنة الحالية). وتمثل هذه الرسائل أكثر من380 وثيقة من الألواح الطينية تتضمن الكثير من المراسلات مع المدن الفينيقية وبشكل خاص جبيل.

 وفي مقابر ملوك جبيل وجد العديد من القطع المذهبة والكثير من المجوهرات المصرية، بما في ذلك المربع من حجر السَّبَج المذهب يحمل اسم أمنمحات الرابع، فضلا عن المجوهرات المصنعة يدويا على شكل الزخارف وحسب تقنيات الصناعات المصرية.

في بداية الألفية الأولى، ظهرت جبيل مرة أخرى كمركز للحياة الفكرية والتجارية والفنية واستعادت علاقاتها مع مصر. ومن أبرز المستندات على ذلك “بردية وينامون” المرسلة من قبل رئيس كهنة آمون في معبد الكرنك 1050ق.م إلى مدينة جبيل لشراء خشب الأرز من أجل بناء سفينة لنقل تمثال آمون إلى تانيس.

الأبجدية الفينيقية

أما الحياة الفكرية والعلمية فتميزت باختراع الأبجدية الفينيقية، و19 حرفا من أصل 22 منقوشة على ناووس احيرام ملك جبيل حوالي عام 1000 ق.م الذي تم اكتشافه من قبل فريق التنقيبات الأثرية الفرنسية في عام 1923 خلال فترة الانتداب الفرنسي على لبنان، ويحفظ حاليا في المتحف الوطني في بيروت. هذا الناووس الحجري يعد من أهم المكتشفات الأثرية التي وجدت في جبيل وأبرز الأحداث في تاريخ الأبجدية.

فمنذ نهاية القرن التاسع قبل الميلاد، أصبحت النقوش والآثار نادرة، فاسم جبيل لم يذكر إلا في بعض المستندات الآشورية حول قائمة الجزية التي فرضت على المدينة للحفاظ على استقلال ذاتي ونسبي في المجالات السياسية أو الاقتصادية.

التقاليد الهلنستية

احتل جيش الاسكندر الأكبر جبيل عام 330 قبل الميلاد، وخسرت استقلاليتها وهويتها وثقافتها الكنعانية لتتبنى التقاليد الهلنستية. ومنذ ذلك الوقت فقدت المدينة اسمها السامي جِبَلْ وأطلق عليها الإغريق اسم بيبلوس المنشق من ببليون اليونانية “المدينة الأم للكتابة” أو الكتاب، وأعطت المدينة اسمها للكتاب المقدس la Bible.

وخلال العهد الروماني بعد العام 64 قبل الميلاد تم تعزيزها بالمعابد، والحمامات، والفسيفساء من أهمها “اختطاف أوروبا” المحفوظة حاليا في المتحف الوطني في بيروت. وتم شق الطرقات المزينة والمحاطة بالأعمدة، من أهمها “فيا أبيا” الشرقية التي تنطلق من جبيل لتنتهي في دمشق مرورا في وادي البقاع.

ما يلفت الاهتمام هو المسرح الروماني في المدينة، ووجود حصى سوداء في وسطه تمثل موقع فسيفساء لباخوس إله الخمر، المحفوظة أيضا في المتحف الوطني، مع عدم إغفال الأقواس الصغيرة مع أعمدتها الكورنثية وتيجانها المزخرفة، والمذبح أمام الأدراج وكذلك الثقوب في حجارة الصف الأول التي كانت تستخدم لتثبيت أعمدة من أجل تغطية المسرح بالأشرعة.

بقيت مدينة جبيل تحت العهد العربي حتى وصول الصليبيين في العام 1104 الذين استقروا في المنطقة لحوالي قرنين ودعموا تحصينات المدينة وبنوا قلعة باستخدام أعمدة وحجارة من الآثار السابقة التي كانت متوفرة في المركز منذ العصور القديمة.

  القلعة الصليبية

في جبيل آثار هامة عديدة نذكر منها القلعة البحرية، والسوق القديم، والقلعة الصليبية، والمسرح الروماني، وكنائس ومساجد أثرية عدا عن أكثر من متحف.

تضم القلعة تحفا حضارية مثل الطريق الروماني وهي البقايا الأثرية للطريق الذي كان يؤدي من القلعة إلى وسط المدينة، وبقايا بيوت من نهاية الألف الرابع قبل الميلاد ومقالع ومعبد البعلة والذي بني لأحد الآلهة، والمسرح الروماني والذي يعود إلى عام 218 قبل الميلاد والمدافن الملكية التي بنيت في الألف الثاني قبل الميلاد وأشهرها مدفن الملك أحيرام، وأحياء سكنية تعود إلى العصر البرونزي وأسوار وسبيل الماء الروماني والقلعة الفارسية وأطلق عليها اسم القلعة لضخامة جدرانها. والقلعة الصليبية والتي أقيمت في العصر الفاطمي، وكنيسة سيدة النجاة والتي بنيت خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر على أنقاض كنيسة بيزنطية، وكنيسة يوحنا المعمدان والتي تم بناؤها عام 1115 واستكملت على مراحل خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ومسجد صغير مكعب تم إنشاؤه عام 1648 وبعض الترميمات ترجع إلى عصري المماليك والعثمانيين.

وتمتاز قلعة جبيل بعبق التاريخ وأصالته، ورائحة الصراع الإنساني لبناء حضارته تمتد فيه حتى الآن، إنها القلعة التي احتضنت كل هذا الزخم بكبرباء وشموخ أمام شاطئ المتوسط.

ويعتقد مؤرخون أن جبيل هي أول مدينة في العالم ما زالت مأهولة بالسكان منذ ثمانية آلاف سنة، ويستندون إلى مجموعة آثار اكتشفت فيها في عشرينيات القرن الماضي وتثبت أن الإنسان عاش في المكان منذ عصور ما قبل الميلاد. وقد أصبحت المنطقة مقصداً للسياح وتقام فيها احتفالات ومهرجانات ولعل أهمها مهرجان صيف جبيل.

اضف رد