الرئيسية / أضواء على / جبور الدويهى: شيوخ التطرف يعطون الشباب أموالًا ليأتمروا بأمرهم (حوار)

جبور الدويهى: شيوخ التطرف يعطون الشباب أموالًا ليأتمروا بأمرهم (حوار)

حوارات «البوكر» 1

 الخميس 06/فبراير/2020 – 07:36 م
الدستور المصرية
https://www.dostor.org/

الروائى اللبنانى الكبير جبور الدويهى 

قال الروائى اللبنانى الكبير جبور الدويهى إن وجود روايته «ملك الهند» فى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، لم يكن مفاجئًا بالنسبة له، مشيرًا إلى أنه ينتظر الفوز لأسباب عملية ومادية. ورأى «الدويهى»، فى حواره مع «الدستور»، أن الشهيَّة العربية منفتحة على الرواية، سواء من جانب القراء أو من جانب المؤلفين، مشيدًا بـ«حالة المثابرة» التى يتمتع بها الروائيون، فهم يصدرون روايات جديدة بشكل دورى، وتبزغ أسماء جديدة شابة، وتزيد نسبة كاتبات الرواية فى العالم العربى. واعتبر أن روايته «شريد المنازل» أكثر رواية تحلل الوضع فى لبنان. فهى ترصد احتمالات بروز ظواهر متطرفة فى لبنان من أقصاها لأقصاها، بينما روايته «حى الأميركان» جزء من المشهد وليس المشهد كاملًا.

■ بداية.. كيف تلقيت نبأ وصول روايتك «ملك الهند» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر؟
– الخبر أسعدنى، مثلما يسعد أى كاتب بالترشح لجائزة مهمة على المستوى العربى، لكن لأنها المرة الرابعة التى أترشح فيها لجائزة البوكر فقد أصبحت معتادًا على ذلك، أن أكون فى أدوار ما قبل البطولة، دون أن أفوز بها، وأتمنى أن أكون البطل هذا العام.
وعلى الصعيد العملى، أرى أن جائزة البوكر مهمة لى حاليًا، فهى فرصة للانتعاش على المستوى الاقتصادى، لأننا نمر فى لبنان هذه الأيام بأزمة اقتصادية، لذلك فالجائزة مفيدة لى ولعائلتى ولابنى.
■ تنافست على الجائزة هذا العام ١٢٨ رواية من ١٨ دولة عربية.. ما رأيك فى غزارة الإنتاج تلك؟
– الشهيَّة العربية منفتحة على الرواية، سواء من جانب القراء أو من جانب المؤلفين، والمشهد الحالى يمكن وصفه بـ«مشهد الانفجار»، كأننا نعيش حالة من الانفجار الكتابى فى القصص والرواية، ما يدل على أننا نتمتع بوفرة فى هذا المجال، وهذه ميزة وليست إشكالًا فى ظنى.
والمدهش هو حالة المثابرة التى يتمتع بها الروائيون، فهم يصدرون روايات جديدة بشكل دورى، وتبزغ أسماء جديدة شابة، وتزيد نسبة كاتبات الرواية فى العالم العربى، والأجمل هو التنوّع فى أشكال الكتابة واستخدامات اللغة.
■ لماذا اخترت الاستعانة بلوحة «عازف الكمان الأزرق» فى رواية «ملك الهند»؟
– لا أعرف سببًا واضحًا لذلك، ولكن ربما لأن قصة الفنان مارك شاغال، صاحب اللوحة، تداخلت فى ذهنى مع قصة بطل رواية «ملك الهند»، المولود فى الجنوب اللبنانى، ومن المؤكد أن هناك أسبابًا دفينة أخرى، ولكن ما شعرت به أن اللوحة تناسب قصة البطل وتتماهى مع مساره أيضًا.
لذا، رأيت أن اللوحة متفاعلة بشكل موضوعى مع السرد، فهى «لوحة زيتية متوسطة الحجم موضوعة داخل إطار خشبى مشغول»، أوقفتها شخصية «ماتيلد» على الأريكة بعد ظهر أحد الأيام وسندتها إلى الجدار، وجلست مع البطل- جنبًا إلى جنب- وبدآ يتأملانها. يحتل المساحة الأكبر من اللوحة رجل أقرب إلى المهرج، بثوبه المرقع بالألوان وقبعته المضحكة، معلق ليلًا فى سماء صافية فوق سطوح بيوت قرية.
■ كيف تتماس «ملك الهند» مع الحرب الأهلية اللبنانية؟
– يدور خيط سرد «ملك الهند» حول جريمة كان يفترض أن يكون الوصول إلى مرتكبيها أمرًا سهلًا، كما هى حال الغالبية العظمى من الجرائم المرتكبة فى مجتمعاتنا، وجاء الخلاف العائلى على الميراث فرضية أولى شبه مؤكدة بسبب علانية هذا الخلاف والتهديد بالقتل الذى رافقه.
تسبّب هذا اليقين الزائف بإهمال جمع الأدلة الجنائية، لا بل وصل الأمر إلى العبث بها، ما فتح الباب إلى الاستناد إلى شهادات الفرق المتضاربة. بالطبع الرواية بها إسقاطات كثيرة، وهو ما على القارئ اكتشافه.
■ هل أصبحت الحرب الأهلية سردية حتمية فى الكتابة اللبنانية؟
– قطعًا.. فالحرب الأهلية اللبنانية جزء من المشهد والتاريخ فى بلدنا، وترسخت بعمق فى ذاكرتنا ووعينا، ومثلى مثل أى مواطن لبنانى أثرت الحرب الأهلية فى وعيى بشكل كبير قبل أن أكون كاتبًا، ولأننى كاتب أيضًا فإن الحرب الأهلية اللبنانية لا بد من أن تكون سردية داخل أعمالى بشكل واعٍ أو لا واعٍ، وأحيانًا تكون فى متن المشهد وأحيانًا أخرى فى خلفيته.
والأحداث الهوياتية لا تزال موجودة فى لبنان، وبعض مظاهر الطائفية لا تزال قائمة، رغم أن لبنان يمضى نحو مستقبل مختلف، لكن لا تزال مأساة الحرب الأهلية مؤثرة وموجعة، وهذا يحدث فى كل بلد، أن يكتب المثقفون عن مآسيهم الكبرى مثل مآسى سوريا والعراق.
لبنان بقلبه مأساة مئات آلاف القتلى بالأحداث والحرب الأهلية، وهو بلد يعمره أهله بعد كل مأساة، ولكن الخراب يعود سريعًا، وبالتأكيد فإن الحروب اللبنانية خلقت حيّزًا روائيًا لم يتمكن أى من الكتاب اللبنانيين من تفاديه، إلى جانب محاولات الغوص فى ثنايا التوليفة اللبنانية باعتبارها تضمّ تنوّعًا ثقافيًا وطائفيًا وعائليًا أقرب إلى متحف من الانتماءات والعصبيات، فنهلت منها خلفيات رواياتى وأطرها الزمانية والمكانية وفى وسطها شخصيات مختلفة تعانى تناقضات الهوية والتوق إلى تجاوزها.
■ أشرت فى رواية «حى الأميركان» إلى عالمين فى لبنان.. ما الحكمة؟
– طوال الوقت هناك عوالم متجاورة، ليس فى لبنان فقط، بل داخل المدن اللبنانية الصغيرة أيضًا.
فى كل مدينة هناك عالمان وربما أكثر، وفى رواية «حى الأميركان» هناك حكاية عن عالمين متجاورين، فى مدينة واحدة هى طرابلس فى لبنان، العالم الأول هو «حى الأميركان» البائس الفقير العشوائى الغارق فى السياسة، الذى تحمل الرواية اسمه، والعالم الثانى هو قصر «آل العزام»، الواقع فى حى النخبة الراقى.
شخصية «انتصار» فى هذه الرواية، ابنة العالم الأول، تخدم فى القصر بقدر من الرضا، ما يوحى بإمكانية التعايش بين أهل الحيين المتناقضين.
تفاجأ «انتصار» باختفاء ولدها، لنكتشف أنه جرى تجنيده لتنفيذ عملية انتحارية فى العراق. هى رواية عن مكان مضطرب ملىء بالأحداث والاحتمالات المتفجرة.
■ على ذكر «العمليات الانتحارية».. كيف ترى التطرف الدينى الذى يؤرق المنطقة العربية؟
– التطرف الدينى يأتى من عدة عوامل، كثيرة ومركبة، نعم يأتى من الفقر، لكنه يأتى أيضًا من العمل السياسى النشاطى الساذج. فهو تركيبة من العوائق الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، وهناك شباب إذا أعطاهم شيوخ التطرف أموالًا ينتمون فورًا لفكرهم المتطرف ويأتمرون بأمرهم.
سؤال التطرف هو سؤال شخصى أيضًا، يملك كل شخص متطرف إجابة عنه، تختلف عن إجابة الآخر، هو حالة بها عدة فصول ومناخ لا متناهى من الظروف، لكن أنا متفق أن التطرف ناجم عن شعور هائل بالذل والمهانة يدفع الأشخاص لتوجه خاطئ، إلى جانب غياب التعريف المحدد للعدو، فهناك متطرفون يخلقون أعداءهم خارج بلادهم وهناك آخرون يخلقون أعداء داخل بلادهم، لكن كل هؤلاء قلوبهم مليئة بالعنف والرغبة العارمة فى الثأر، قد يكون نتيجة ظرف ممكن تسويته، وقد يكون نتيجة معضلة كبيرة تسببت فى إذلاله على نحو ما، التطرف بشكل عام مسألة كبيرة، وكبار علماء الاجتماع لا يعلمون حتى الآن طريقة لفهمها وحلها.
■ كيف صنعت التركيبة النفسية لشخصيات رواية «شريد المنازل»؟
– «شريد المنازل» تتناول الحرب الأهلية، ليس كحدث سياسى بارز، بل من خلال تأثيره على الذاكرة الجمعية للبنانيين، ووعى الشخصيات وطريقة نظرتها للعالم بعد حوادث الحرب البشعة.
تحاول الرواية تناول الحرب الأهلية اللبنانية والاقتراب منها على نحو هادئ وآمن. فشخصية الرواية مزدوجة الانتماء، شخص حائر فى تحديد هويته الطائفية، فهو مسلم بالولادة، إلا أنه نشأ فى بيت أسرة مسيحية منحته حبًا لا يقل عما منحته له عائلته بالولادة.
لم أقع فى مطب الاستقطاب فى رسم الشخصيات، وهو ما تغرى به الفظائع التى ارتكبت أثناء الحرب، بهذا اقتربت الرواية من ملامح الشخصيات لرصد انفعالاتها الداخلية ومشاعرها وما تقوم به، وإضاءة خلفياتها، وما إذا كان سلوكها على الحواجز متجذرًا فى تركيبها النفسى أم هو نتاج ظرف مركّز، عطل الكثير من الملامح الداخلية. بهذا كان اختيار الشخصية ذات الولاء المزدوج هو فى حد ذاته موقف من التعقيدات المرتبطة بالنسيج الطائفى للمجتمع اللبنانى.
■ هل الشخصيات مزدوجة الانتماء محاولة لطرح مسألة إمكانية التعايش فى مجتمع متعدد الطوائف؟
– نعم.. قد يكون هذا ممكنًا، ورغم التركيز على إمكانية التعايش ضمن المجتمع، فإن الشخصية ستعيش قلقة والرواية صورت ذلك.
■ هل توثق رواية «مطر حزيران» ما حدث بمعركة مزيارة بشمال لبنان؟
– نعم.. رواية «مطر حزيران» تحكى عن معركة مزيارة فى شمال لبنان عام ١٩٥٧، يوم يبدأ فيه التاريخ بصورة أخرى، تاريخ شخصية إيليا الكفورى الذى هربت به أمه من دوى الحرب إلى نيويورك، ولم يرجع إلا بعد عشرين عامًا ليسأل فى ارتباك عن هويته.
هى رواية عن تاريخ البيوت الكبيرة والزعامات العائلية فى برقا، تاريخ لبنان الذى يلجأ إلى الدم كل حين، لإقرار معادلة جديدة للديمقراطية الطائفية. وبالمناسبة، فإن رواية «مطر حزيران» أصعب رواية قمتُ بتأليفها، إنها رواية غير مترابطة ومحشوة بالقصص والشخوص ووجهات النظر. عندما كنت أكتبها، كنت أشعر بأن كل جزء منها يتسرب من بين أصابعى، وتساءلت حول كيفية إعادتها من جديد.
■ كيف تصف مشروعك الروائى؟
– الكتابة الروائية فى أغلب الأحيان مُساءلة للماضى، وتكاد تصل لحد تصفية الحسابات معه، ولا أعتبر مشروعى الروائى يمضى قدمًا فى اتجاه صياغة أو صناعة المستقبل، حتى إنى أشك فى رغبة الروائى فى التغيير الاجتماعى، فهو الذى يجد ضالته فى أحوال وضع قائم قد يتردد إزاء زواله. علمًا بأن الكاتب فى مواقفه وحياته العامة قد يختلف جذريًا عن الراوى وخياراته، والأمثلة على ذلك عديدة فى تاريخ الأدب الروائى، من الكاتب الفرنسى أونوريه دى بلزاك إلى الروسى فيودور دوستويفسكى.
فى كل حال، لا رسائل مباشرة أسعى إلى توجيهها من خلال رواياتى سوى أن السيناريو المتخيّل وأفعال الشخصيات ومصائرها ينجم عنها مسار أخلاقى وسياسى أيضًا قد يستجيب له القارئ أو لا.
■ كيف ترى حضور الواقعية بالروايات الحديثة؟
– الروايات الواقعية ازدهرت فى الغرب منذ القرن التاسع عشر، ولا تزال تلقى نورًا مبهرًا على ما عايشته من تاريخ وأحداث، ولا شك فى أنها تنطوى على ما يعجز التاريخ المتعارف عليه كنوع من تسجيله، وتشير إلى علاقة الناس بالأحداث وتفاعلهم معها.
وبهذا المعنى، فإن الروايات اللبنانية التى اتخذت من الحروب اللبنانية موضوعًا أو خلفية لها هى معين غنى لإدراك صراعات الهوية وآليات النزاعات الأهلية وما يرافقها من تخيلات وتفاصيل.
■ تشرف على ورش لتعليم كتابة الرواية.. هل يمكن أن تمنح الكُتّاب الجدد مسارًا للسرد؟
– لا.. لا يمكننى أن أصنع كاتبًا من خلال ورش الكتابة الإبداعية، أنا أعتبر هذه الورش بمثابة مختبرات، مثلها مثل الجوائز، تعتمد على ما تصنعه فيها، ولا بد أنها تنقل تجارب الكتابة وتفيد المشاركين، إذ يحظى كل منهم بعدد من القرّاء المنتبهين الصارمين يساعدونه فى أخذ مسافة مع نصوصه ومراجعتها، واختيار أسلوبه الموافق لطبعه الروائى. وهذا ما لن يحصل له إلا فيما ندر لولا ورش الكتابة.
ويجب ألا يتكرس الفهم أن ورش الكتابة عبارة عن تلقين لفن الكتابة بقدر ما هى مناخ إيجابى للتبادل والتجريب. وأنا كمنسّق أبقى مداخلاتى فى إطار عام يفتح أبوابًا، ولا أعطى دروسًا لا أملكها ولا أدّعى امتلاكها.
■ بعد الحراك الأخير بلبنان يبدو أن هناك رواية جديدة تُكتب فى الشوارع.. كيف ترى فصولها؟
– نعم، هناك رواية جديدة تكتب فى لبنان، والوضع هنا يشبه وضع كل الدول المأزومة اقتصاديًا، والفئات المهمشة اقتصاديًا تحاول صياغة مستقبلها ومصيرها فى رواية جديدة، الوضع الآن يمثل نوعًا من التمرد على الحكام والفاسدين، وهؤلاء الفاسدون كثر، فرئيس المصارف فرض نوعًا من الحصار الاقتصادى على تحويل العملة الصعبة للخارج، وفى المقابل جرى تهريب مبلغ مليار دولار بالعملات الصعبة للخارج، الكل يعلم أن هؤلاء الزعماء الفاسدين هم من تسببوا فى تحويل كل هذه الأموال للخارج، وفى المقابل الشعب اللبنانى يشحذ، لكن الضربة الكبرى للبنان ليست الآن، لكنها قريبة حين تضرب العملة الصعبة والعملة المحلية ويصبح لبنان «على الحصيرة».
■ ما العمل الذى يعتبر تكثيفًا للوضع اللبنانى بين رواياتك؟
– هناك من يعتبرون رواية «حى الأميركان» تكثيفًا للحالة اللبنانية، لكن أنا أعتبر رواية «شريد المنازل» أكثر رواية من رواياتى تكشف الوضع فى لبنان، فهى ترصد احتمالات بروز ظواهر متطرفة فى لبنان من أقصاها لأقصاها، وهى رواية عن صيرورة هذا البلد، وتعدد هويّاته وتصادمها وتلاطمها، إنما رواية «حى الأميركان» جزء من المشهد وليس المشهد كاملًا.
شخصية بطل رواية «شريد المنازل» هى شخصية فى الواقع اللبنانى، شخصية تجد نفسها هشّة وعرضة للتشكيك فى انتمائها ولمواقف ونزاعات تجعلها مضطرة للبقاء فى وضع التأهب معظم الوقت. مأساة الشاب اللبنانى «نظام العلمى» الذى راح ضحية الاقتتال العنيف فى لبنان خلال الحرب الأهلية، «فلا المسلمون اعتبروه مسلمًا، ولا المسيحيون حسبوه واحدًا منهم.. لفظه الجميع وقبله الله».
هذه الرواية رواية جيل من اللبنانيين فتنتهم المُثل اليسارية وشتتتهم الحروب اللبنانية، وهناك بالطبع موقف خلفى فى الرواية يشى بخيبة من كنت منهم يساريًا مناضلًا فى سنوات الجامعة مفعمين بالآمال ومقبلين على الحياة بشراهة، فانزوينا أمام المدّ الأهلى المتفجّر وانقساماته الطائفية التى أودت بكل منا إلى عشيرته أو إلى خارج البلاد.
أما «حى الأميركان» فهو حى يختصر نبض المدينة عبر الزمن، ومن رحمه خرجت شخصية «إسماعيل محسن» ليجد نفسه مجنّدًا للقتال فى العراق، ومن ثمّ مطلوبًا بصفته إرهابيًّا يتبع تنظيم القاعدة.

مقطع من الرواية
كان ضعيفًا أمام النساء، دنيئًا لا يفوت فرصة للتحرش بما تطاله يده، يعوض حرمانه حياة العزوبية، تقول زوجته إنه لا يوفر عابرات السبيل حتى البدويات الموشمات، قارئات الطالع والعاملات فى قطاف الزيتون، وتخبر مذعنة أمام ارتكاباته أن امرأة قادمة من البقاع طرقت بابهم يومًا حاملة طفلًا على ذراعها وطلبت محادثته على انفراد، لتخبره بأن الولد الذى بين يديها هو ابنه، ذكرته كيف طاردها مرة إلى دمشق وهى لم تعاشر غيره، ولم تتقرب من زوجها الذى بقى مريضًا لسنوات.
أعطاها مالًا وصرفها، عادت مرة ثانية فقال لها أعطنى إياه إذا كان ابنى، وحاول أخذ الولد منها عنوة، فصرخت خائفة وفرت ولم تعد. وحده الكلام سلاح زوجته العاجزة عن إصلاحه: «لو تسافر مثل أبيك ولا تعود لكانت الدنيا علينا بألف خير».
وعندما يصر على أن تلد له صبيانًا كانت تسخر منه: «إذا كنت تعرف كيف يصنع الصبيان فلا تتأخر، ولماذا يعطينا الله صبيًّا فى كل حال، ليكون قصاصًا لنا مثلك أو مثل والدك؟».
أنجبت له ولدًا ذكرًا بعد أربع سنوات على زواجهما، كادت الدنيا تهوى خلالها بينهما إلى قعر سحيق من الاتهامات والشتائم، لو تأكدت ظنونه التى يطلقها بالصوت العالى أن زوجته عاقر أتت بالصبى ولم يأتها الحليب.
فعثر فى قرية مجاورة على مرضعة عاد بها حاملًا طفلها، وأسكنها مع عائلتها فى قبو البيت، ويصر على أن يهتم هو بأكلها ويحمل لها ابنه إبراهيم بنفسه مرارًا فى اليوم، ويجلس إلى جانب المرضعة وهى تعطى الطفل ثديها، أبقاها فى البيت متكفلًا حاجاتها وحاجات عائلتها رغم بلوغ ابنه عمرًا متقدمًا.

اضف رد