الرئيسية / home slide / جبل لبنان، أوبئةٌ وأطبّاء في القرن التاسع عشر.أشياء تذكِّر بأشياء

جبل لبنان، أوبئةٌ وأطبّاء في القرن التاسع عشر.أشياء تذكِّر بأشياء




شربل النجار
هنا لبنان
26022021

كان بشير شهاب   من المحظيين  تطبُّبا. فيوم  كان وباء الطاعون شغل الجبل الشاغل، ارسل الفرنسيون للمير  أربعة اطباء داووا الكثيرين  من بطانته وأهدوا الأمير صندوقين من الأدوية  المعالجة بالإضافة الى اللّقاحات الواقية والتي لا تحتاج الى برّادات و”حرارات” متدنّية(1). ولشدّة فتك الطاعون بالناس ولأن بشير نال اللقاح الواقي قبل غيره  راح هؤلاء يوجهون لبشير شهاب  شتائم شتى من نوع “طاعون يقشك”. وفي الفترة ذاتها إنتشر  الجدري ، المرض الفتاك المشوِّه. وكان الناس لا يعرفون له علاجا إلا العزل وبعض العقاقير.  يوم اكتُشف اللقاح جاء به طبيب بريطاني الى الأمير ، فلم يثق الأمير بنفعه لكنه جرّبه على بعض خاصّته  ثمّ أرسل هؤلاء الذين لقّحهم  الى برجا في إقليم الخروب حيث كان المرض فتاكًا فخالطوا المَجدورين. ولما تحقَّقَ من فعاليّة اللقاح تلقَّح وأهل بيته في قصر  بيت الدين. (2)

في ذلك الزمان لم يكن الإحتلال  إيراني المنبع بل آت من جهات بلاد النيل. كما لم يكن اسم المفوض السامي حسن ولا الوباء كورونا،   بل كان إبراهيم باشا المصري هو المحتل والطاعون هو الوباء. ولقد  ذهب الصراع الفرنسي البريطاني بذلك المصري  الى العبث بتوازنات العلاقات المارونيّة الدرزيّة. لقد أخرج البريطانيون إبراهيم باشا من لبنان بعد أن نشروا  قطعهم البحريّة بين جونية والجيّه، والتي على إحداها  غادر بشير والست حُسن جهان والحاشية  الى  منفاهم في مالطة.

 يخبر الأب ريكادونا  اليسوعي  في رسالة الى رئيسه في روما أن الأمير حيدر بو اللمع (3)   صادر هنري هنتز. إذ كلما اصابه وجع في الرأس أرسل في طلبه وكلما شكت إبنته من ألم  قال لخدمه “إخلقوه”! حتى صار  هنتز الطّبيب اليسوعي المُرسل لخدمة كلّ النّاس ولنشر الدّين “القويم” بين  الناس،  صار خادمًا عند فرد واحد من الناس.  

وكما في سائر الدساكر و القرى والبلدات  كان الطبيب في المتين، القرية المتنيّة التاريخيّة،  شفيعا شافيا أو قاتلا مداويا ! المغربي داوى والمشعوذ داوى والمؤمن تداوى بالدّهن والزيت  والأعشاب  والصلوات والبخور  والنذور والفَصْد. ويوم  جاء الى دير مارمخايل بنابيل  في نواحي المتين راهب طبيب  في أواسط  القرن التاسع عشر صار من في الجبة إله وإنسان. لقد مارس الرهبان صنعة الطبابة بالعقاقير والأعشاب ، يستعينون بمخطوطات ووصفات  لمعالجة إخوتهم في الدير ومن يقصدهم من العلمانيين (4). وفي نهاية عهد المتصرّفية بدأ المقتدرون  في المتين يطلبون الطبيب فيأتيهم،  ولو متأخرا،  من بعبدات حيث كان آل سلهب  وآل لحود   قد سبقوا المتينيين  في إعداد أطباء من بينهم.

استمرّ هذا الوضع  حتى عاد الدكتور يوسف لطف الله  أبو سليمان  من بيروت طبيبا في بداية عشرينات القرن العشرين. مارس المهنة في المتين حتى وفاته  وقد سرّع بها إستشهاد ولده الضابط الياس  الذي قتل في البقاع خلال تأدية الواجب. تقول الحكاية أن  الدكتور يوسف  كان في كنيسة السيدة يصلي في ليلة من ليالي تسعاوية عيد الميلاد سنة 1948 لما سمع بخبر الياس. لقد سقط مغشيًا عليه فحضرت أم سامي –  وديعة المعلوف الحداد  التي أتقنت فن التمريض ، فأنقذته بتشطيب ظهره  قبل وصول طبيب بعبدات. لم يعش الدكتور يوسف   بعد موت الياس   إلا بضعة أشهر . مات في نيسان سنة 1949 عن عمر يناهز ال54 عامًا .في تلك الفترة وصلت طبيبة أجنبية اسمها أنطونينا   مارست المهنة لشهور ثم غادرت. لا أحد يذكر هذه الطبيبة بالتفصيل. هل جاءت لتملأ فراغا أوجده غياب الدكتور يوسف  فبدا لها أن هذه المهنة لا تطعم خبزًا في المتين؟! أم أنها كانت مغرمة بشاب متيني لم توفّق بالزواج منه ؟ حكاية  روزنامة الرهبان توقفت عند مجيئها ثمّ مغادرتها ولا تقول المزيد والله أعلم!



(1) حقّقه الدكتور فؤاد افرام البستاني:  لبنان مباحث علمية واجتماعية،  منشورات الجامعة اللبنانيّة، بيروت :1969 ص 180.
(2) مرجع سابق.ص 181.

(3) عينه  الأمير بشير إداريا في كسروان وصار في زمن القائممقاميتين أول قائممقام على قائممقامية النصارى ومقره بكفيا.

(4) مسعود ضاهر: الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية 1697-1861، معهد الإنماء العربي، بيروت : 1981، ص 154.