جبل الانتفاضة يرتفع بطلابه وأمهاته.. و”السلطة” في قعر إفلاسها

المدن – لبنان|الخميس07/11/2019
Almodon.com

في الأيام القليلة الماضية، دأبت السلطة وجهاز حزب الله (السياسي والإعلامي والأمني) على تطويق الانتفاضة الشعبية، إن في تحويل “قطع الطرق” من وسيلة مشروعة في المقاومة المدنية إلى ما يشبه “جريمة حرب”، أو في تخويف الناشطين ومطاردتهم وتهديدهم في بعض المناطق، أو في محاولة فرض العودة إلى العمل والدوام الرسمي والالتحاق بمقاعد الدراسة.. أو في التضليل الإعلامي الذي يحيل ما يحدث إلى مجرد حفنة مواطنين يعرضون شكاويهم ليس إلا، وتصوير الأمور كأنها على وشك الانتهاء، وفي طور التلاشي.

تدفق طلاب المدارس والجامعات إلى ساحات المدن اللبنانية (Getty)


هبّة طلاب لبنان
هذا الهجوم المنسق، أدى إلى ابتكار رد نوعي من قبل المنتفضين، دل على مرونة عملية وقدرة فائقة على تجديد أساليب المواجهة بـ”أسلحة” غير مألوفة وغير متوقعة.

هكذا، انبثقت يوم الأربعاء من قلب الانتفاضة هبّة طلابية، مفاجئة وعارمة وواسعة النطاق، على مجمل الأراضي اللبنانية، شملت طلاب المدارس والجامعات الرسمية والخاصة. ويمكن وصفها بثورة طلابية، قدمت في هتافاتها وشعاراتها وكتاباتها وأقوالها جيلاً لبنانياً يختلف في لغته وأفكاره عما نألفه. جيل يمتلك وعياً سياسياً نضراً وواضحاً. جيل تغييري أبعد من أمنياتنا وأشد واقعية ودقة مما نتصور.

هذا الجيل الذي يعرف ما يريد بطموحات كبيرة، قدم في كل أشكال تعبيراته برنامجاً سياسياً متقناً في تفاصيله ومبادئه وتطلعاته ووجهته. عداؤه العميق لمنظومة الفساد بقدر عدائه للطائفية وللتخويف الطائفي، وللتفاوت الطبقي الصارخ وللعنف وللحزبيات الضيقة. جيل لديه تصور مغاير للبنان الغد.

شموع الأمهات وصلاتهن

ما قدمه هؤلاء الشبان والشابات هو لبنان المستقبل الآن. كان نهارهم واحد من المحطات التاريخية في الحياة السياسية اللبنانية. وكان الجواب المثالي عليهم، وبما يشبه “الاختزال السينمائي”، ذاك المشهد الليلي الذي ختم الأربعاء الدراماتيكي، حين تجمعت حشود آلاف “أمهات الثورة” (أمهاتهم/ أمهاتهن) في ساحة الشهداء، لإضاءة الشموع وأداء النشيد الوطني، جالسات على امتداد الساحة، في طقس تأملي، تخللته “الصلاة لإنقاذ لبنان”، قبل أن ينطلقن في مسيرة شموع إلى ساحة رياض الصلح.

وحدثت تلك المبادرة على حين غفلة. كانت ساحتا الشهداء ورياض الصلح خاليتان إلا من بعض ناشطي المجموعات، فجأة بدأت النسوة تتوافدن إلى ساحة الشهداء، وما هي إلا دقائق حتى باتت ممتلئة. وراحت النسوة تتجمعن في مجموعات صغيرة جلسن على الأرض يتوسطهن العلم اللبناني ويحملن الشموع. وبعد تلاوة النشيد الوطني بصيغة تتماشى مع الثورة وروحها للانعتاق من الذكورية، إذ تم تعديل واحدة من عباراته لتصير: “منبت للنساء والرجال”، أقمن الصلاة على نية البلد للوصول به إلى بر الأمان وتحقيق طموح اللبنانيبن. ثم انطلقن، أمهات الثورة ونسائها، وشارك معهن القليل من الرجال، في مسيرة صامتة إلى ساحة رياض الصلح.

دقائق معدودة غصت ساحة رياض الصلح، وصولاً إلى جامع الأمين، بآلاف النسوة. وراح بعضهن يهتفن “ثورة ثورة” و”الشعب يريد إسقاط النظام”. حدث ذلك قبل الساعة الثامنة بدقائق، وتزامناً مع دعوة أهل بيروت لقرع الطناجر في البيوت، وقد علا صراخهن ورحن يضربن على كل الجدران الخشبية والحديدية الموجودة. واستمر الأمر لأكثر من عشرة دقائق على وقع هتاف ثورة ثورة والشعب يريد اسقاط النظام.

محامو باسيل.. الغيبوبة
وفيما لبنان يصنع تاريخه الجديد، كان أتباع جبران باسيل من المحامين يتقدمون بدعوى يمكن وصفها بشكوى ضد غالبية الشعب اللبناني. فهؤلاء المحامون بدل أن ينشغلوا بما يطالب به اللبنانيون من عدالة ومحاسبة، ذهبوا بمذهب زملائهم “الأذكياء” الذين تقدموا بدعوى ضد مجلة “الإيكونوميست”، التي كشفت عمق أزمتنا الاقتصادية، بحجة “تشويه سمعة لبنان”!

فقد أصدر محامون “التيار” الباسيلي بياناً قالوا فيه: “بعد انتهاء حالة قطع الطرقات التي رافقت التظاهرات التي استمرّت منذ تاريخ 17 تشرين الأول 2019، وما شابها من تعدّيات على حرية التنقل، المصانة قانوناً، والتي ألحقت بجميع المواطنين على كافة الأراضي اللبنانية أضراراً مادية ومعنوية، نتيجة ما تعرّضوا له من بعض المجموعات، التي أقدمت على حجز حرياتهم، إمّا بمنعهم من الانتقال إلى مراكز عملهم ومدارسهم وجامعاتهم، وإمّا بإبقائهم لساعات في الطرقات للوصول إلى المكان المقصود، وبهدف عدم تكرار مثل هذه التعديّات على الحريات العامة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها، وإيماناً منها بأن القضاء هو المرجع الوحيد المختص لاتخاذ التدابير القانونية بحق الفاعلين، تقدّمت مجموعة من المحامين بإخبار بالجرائم المذكورة أعلاه سجل لدى قلم النيابة العامة التمييزية في بيروت برقم 7561 / م 2019 تاريخ 6 تشرين الثاني 2019، ليصار إلى إحالته أمام النيابات العامة الاستئنافية المختصة لاتخاذ الإجراءات المناسبة به”.

ونص البيان يشير إلى ما يمكن وصفه سريرياً “الغيبوبة” العونية المتأتية عن الإنكار والمكابرة ودفن الرؤوس في الرمال.

“استرداد الأملاك البحرية والأموال المنهوبة”، الإيدن باي (علي علّوش)


جنبلاط يقرّ ويعترف
على العكس من ذلك، اختار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط “الاعتراف” والإقرار، قائلاً لمحطة ABC الأسترالية “آمل أن أرى المتظاهرين ينجحون”، معترفاً: “لستُ ملاكًا، وأنا في نهاية حياتي السياسية، ويجب أن أقدّم رسالة أمل للجيل الجديد”.

وأوضح أنّه “خلال عمله في مجال السياسة منذ 40 عامًا، هي المرة الأولى في تاريخ لبنان التي تحدث فيها مثل هكذا ثورة، بعيداً عن الطائفية، وتمتدّ من شمال لبنان إلى جنوبه”. وفيما أعرب جنبلاط عن تفاؤله وأمله بالحركة المناهضة للطائفية، رأى أنّ هذا الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً.

وبعدما عرضت الشبكة الوضع الإقتصادي في لبنان الذي يحتلّ المرتبة الثالثة من حيث المديونيّة في العالم، نقلت عن جنبلاط قوله: “نحن على وشك الانهيار الاقتصادي ونحتاج إلى شخصيات تكنوقراطية، كفوءة ونزيهة، لتستلم حقائب وزارية  في وزارات رئيسية مثل المالية والاقتصاد وغيرهما”.

وشجّع جنبلاط الجيل الجديد من القيادة السياسية على الخروج من الأزمة السياسية. وأكد أنّ “الأمر متروك للطبقة الجديدة التي ستحكم لبنان، لحكومة الشعب الجديدة كي تطبّق سياسة بعيدة عن النيوليبرالية التي دمّرتنا”. وردًا على سؤال عن “حزب الله”، رأى جنبلاط أنّ شريحة كبيرة من اللبنانيين يدعمون الحزب، ولكنّ هذا الدعم ضمن قاعدته يجب ألا يخوله تجاهل مطالب المتظاهرين أو أن يصبح ضدّهم، لافتًا إلى أنّ “الثورة تشمل جميع الطوائف”.

برّي.. النفط
هذه اللحظة المصيرية في تاريخ لبنان، لم تشغل الرئيس برّي عن همه الدائم بالثروة الوطنية ومخاطر تبديدها! فقد كانت شغله الشاغل ولا تزال. وهذا ما أثاره رئيس مجلس النواب خلال “لقاء الأربعاء” النيابي، في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة المحروسة جيداً هذه الأيام، طارحاً “الشكوك المدعمة بمعلومات وتقارير دولية حصل عليها تتعلق بأعمال التنقيب عن الموارد النفطية التي تقوم بها شركة يونانية تمتلك شركة “توتال” 40 في المئة منها بالقرب من الحدود اللبنانية، تتداخل مع المنطقة الاقتصادية الخالصة، إضافة إلى تأخر شركة “توتال” الفرنسية المعنية بالبلوك 9 في أعمال التنقيب. وأجرى لهذه الغاية، الاتصالات اللازمة مع الجهات الرسمية المختصة وأرسل موفداً إلى فرنسا لمقابلة شركة توتال”.

أما في الشأن التشريعي، فأكد رئيس المجلس على ضرورة “إقرار القوانين في الجلسة التشريعية والتي هي مطالب الناس المحقة، بالرغم من أن هذه الإقتراحات والمشاريع كانت مدار نقاش ودرس في اللجان النيابية المختصة”.

مراحيض النواب
وعلى سيرة مجلس النواب، ومن الأخبار المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تنصب بمجملها على فضح الطبقة السياسية الفاسدة وارتكاباتها، انتشرت الرسالة التالية: مليونا دولار كلفة تنظيف حمامات مجلس النواب اللبناني بالسنة، حسب فواتير الصرف الموجودة بوزارة المالية. ما يعني يومياً 5480 دولار، أي أن كل نائب يكلف يوميا 42.8 دولار سواء استخدم الحمام للتبول أم لم يستخدمه. وإذا كان النائب يذهب إلى مجلس النواب 12 مرّة بالسنة، أي مرّة واحدة في الشهر لحضور اجتماع، فدخول الحمام مرة واحدة لسعادة النائب تكلف الخزينة اللبنانية تنظيفاً 1284 دولار! (وهذا خبر على ذمة “واتساب” الشعب اللبناني).

أمام القصر العدلي (علي علّوش)


السنيورة بحضرة القاضي!
ولأن اللبنانيين مشغولين بمعرفة أين تبددت مليارات الدولارات على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وخصوصاً في السنوات التي لم يتم فيها إقرار الميزانيات العامة، وهناك سجال قديم متجدد حول غموض مصير أموال الدولة (نهباً وهدراً وتبديداً)، دب النشاط فجأة في الجسم القضائي المشهور بجواريره المقفلة وتكدس الملفات على الرف، وراح يحاول أن يرضي اللبنانيين الغاضبين المنتفضين، فها هو النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، يقرر الاستماع إلى إفادة الرئيس فؤاد السنيورة، حول موضوع صرف مبلغ 11 مليار دولار عندما كان رئيساً للحكومة بين عامي 2006 و2008.

وطلب القاضي ابراهيم من الرئيس السنيورة الحضور إلى مكتبه في قصر العدل قبل ظهر الخميس 7 تشرين الثاني الحالي.

جعجع فخور!
جدياً، وعدا ما يقترفه سعد الحريري وجبران باسيل من “بيزنس” سياسي يثير الغثيان في اجتماعتهما التواطؤية السلطوية: تشكيل، تأليف، تكليف، وزارة لك وزارة لي.. مستمران في عادتهما وظنهما أن البلد لعبة مونوبولي.. كان رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، الأكثر انسجاماً مع الواقع والأكثر إقراراً بانقلاب الحال اللبنانية، معلناً: “نريد حكومة أخصائيين مستقلين لا علاقة لهم بالأكثرية السياسية، وأي محاولة لتشكيل حكومة أخصائيين تسميهم هذه الأكثرية أمر مرفوض. فهذا فخ. لأن الكلمة المفتاح في كل المسألة هي مستقلون”.

وفي محاولة للتقرب من مزاج الانتفاضة، شدد على أن “القوات ليست مع أي حكومة لها أي علاقة بالسياسيين وبالأكثرية النيابية والوزارية”، لافتاً إلى أن “القوات كما دائماً بانسجام تام مع شعبها ومجتمعها، ولأننا كذلك خرجنا من الحكومة، والجميع يعلم أننا كنا نعيش حالا من التململ داخلها لأننا كنا نرى أنه لا يتم تطبيق واعتماد المعالجات اللازمة كي لا نصل إلى الوضع الذي وصلنا إليه اليوم”.
بالطبع لا بد لجعجع من استهداف جبران باسيل، قائلاً: “من يقوم بتغيير موظفة ليس لسبب سوى لأنها ليست مع توجهاته السياسية في “عز دين الثورة” وبعد ورقة الإصلاحات الشهيرة التي تعهدت بإلغاء وزارة الإعلام، ويتصرف وكأن الدنيا بألف خير بعد ثمانية أيام على استقالة رئيس الحكومة، في حين أنه ليس لدينا دقيقة واحدة للمماطلة والانتظار، ومن ثم يعود للالتفاف على مطالب الناس عبر الدفع باتجاه تشكيل حكومة أخصائيين تسميهم القوى السياسية، هل من الممكن أن نعتبر أن عقلاً يتصرف بهذا الشكل هو واع لحقيقة الواقع في لبنان وما هو حاصل على الأرض، وواع أنه أوقع البلاد في مشكلة كبيرة جدا؟”. وقال جعجع: “الناس خرجت من منازلها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ليس كي تعود إليها من دون أي نتيجة”.

وعن فكرة تأليف حكومة مطعمة بسياسيين، أكد جعجع أن حزب “القوات اللبنانية” “ليس مع أي حكومة فيها أي شيء له علاقة بالسياسة والسياسيين في الوقت الراهن، باعتبار أن المشكلة في المرحلة الماضية، إن كان في السنوات الثلاث المنصرمة أو في الأعوام الثلاثين الماضية، كانت تحديدا في القرار السياسي وعلى المستوى السياسي، لذا “القوات” ليست مع أي شيء له علاقة بالسياسة أو بالأكثرية الوزارية أو النيابية في الوقت الراهن.. وختم جعجع قائلا: “من بعد هذا الحراك الذي انطلق منذ 20 يوما أصبحنا جميعا فخورين، كوننا لبنانيين بعد أن عشنا مرحلة شعرنا فيها أننا مخنوقون (…) لذا هذه الانتفاضة الشعبية مكنتنا من أن نشعر مجدداً أننا شعب لبناني قوي ولديه الإمكانيات الكبيرة عندما يتحرك”.

أخيراً، بقي جهاز حزب الله، الذي اختتم هذا اليوم بنفيه ما يتم تداوله في أكثر من منبر إعلامي عن رفضه أي حكومة جديدة غير سياسية، ورفضه تقديم أي تنازل للانتفاضة. وهو نفي يغري بتصديق الرواية أكثر.

في مقابل الضجيج السياسي، كانت بيروت وضواحيها تؤلف موسيقاها الثورية قرعاً على طناجر الغضب والثورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*