الرئيسية / home slide / جبرا إبراهيم جبرا… موسوعية الناقد وشاعرية الأديب

جبرا إبراهيم جبرا… موسوعية الناقد وشاعرية الأديب

 ابراهيم خليل
القدس العربي
11122020

في 11/12/ 1994غادرنا إلى العالم الآخر الأديب الموسوعي جبرا إبراهيم جبرا. (1920- 1994) فقد كتب القصة القصيرة وأصدر منها المجموعات، وكتب الرواية، وكتب الشعر، وكتب السيرة الذاتية، وصدرت له في ذلك «البئر الأولى» و»شارع الأميرات». في الأولى يروي فصولا من طفولته حتى تجاوز التاسعة، وفي الثانية يروي حكايته مع أحد الشوارع المعروفة ببغداد بعد أن غادر فلسطين إلى لندن، وعاد منها إلى العراق لاجئا ثم موظفا في شركة نفط العراق، فمحررا لمجلة «العاملون في النفط» فمدرسا في دار المعلمين، وكتب – فضلا عن ذلك – في النقد الأدبي الذي غلب عليه بصفة خاصة نقد الشعر، وإن لم تخل آثاره من نقد الرواية، وكتب علاوة على ذلك في نقد الفن التشكيلي الكثير من المقالات، التي تتناول أعمال الرسامين والنحاتين العراقيين، ولاسيما جماعة الفن الحديث، التي كان أحد المساهمين في إنشائها في بغداد. وترجم عن الإنكليزية كتبا عدة، موظفا معرفته العميقة بتلك اللغة التي كان يجيدها إجادته للعربية، إن لم يكن أكثر، بدليل كتابته بعض رواياته بالإنكليزية، ومنها «صيادون في شارع ضيق» التي ترجمها للعربية محمد عصفور، وصدرت في بيروت 1973 . وكتب شعرا بالإنكليزية، وترجم أعمالا يصعب على من لا يعرف الإنكليزية، ومن لا يتقنها إتقانا جيدا، أن يترجمها كمآسي شكسبير الكبرى «هملت، ومكبث ،وعطيل، ومأساة الملك لير»، وترجم 50 سونيت sonnet للشاعر نفسه، وشملت ترجماته الآثار الفلسفية، والأنثروبولوجيا، والأساطير، والدراسات الحضارية والثقافية، والفنون، والنقد الأدبي الغربي، من ذلك ترجمته لكتاب أدموند ولسون «قلعة إكسل»، وكتاب جيمس فريزر «الغصن الذهبي»، و»الأسطورة والرمز» لعدد من النقاد الجدد، فضلا عن كتاب «فرانكفورت ما قبل الفلسفة»، وكتب أخرى تتصل بالأديب وصناعته. ولترجماته هذه أثرها الإيجابي في الثقافة العربية المعاصرة، ولاسيما في النصف الثاني من القرن الماضي.
وإذا كان جبرا قد عرف لدى معظم القراء بصفته روائيا من خلال «السفينة» و»صيادون في شارع ضيق» و»صراخ في ليل طويل» و»البحث عن وليد مسعود» و»الغرف الأخرى» «يوميات سراب عفان» والرواية المشتركة مع عبد الرحمن منيف «عالم بلا خرائط»، إلا أن الصفة الأصيلة فيه والأكثر وضوحا في عطائه الأدبي، أنه كان شاعرا مهد بشعره ووطأ لانتشار قصيدة النثر التي تطورت على أيدي محمد الماغوط وأنسي الحاج. فقد أصدر ديوان «تموز في المدينة» 1959 و»المدار المغلق» 1964 وبعد وفاته صدرت له «متواليات شعرية» 1996، توازي ذلك دراساته المتراكمة في نقد الشعر العربي. فهو شاعر ناقد، وبهذا الطابع الثنائي أثر تأثيرا كبيرا في حركة الشعر الحديث ونقده، وذلك ما نوه إليه غير واحد ممن كتبوا عنه منهم ماجد السامرائي (1995) وعبد الجبار داود البصري (1995) وعبد الواحد لؤلؤة، وكمال خير بك 1974 وحسام الخطيب.
وآثاره في النقد تتنوع وتختلف بتنوع أوعية النشر وقنواته. فمنها المقالات التي كانت تنشر في الصحف والمجلات، ووقائع الندوات والمؤتمرات. ومنها الكتب التي تضم دراسات جديرة باهتمام الباحث المتخصص في النقد الأدبي وبتوجهات النقاد في العصر الحديث. فهي كتب تضم فصولا وبحوثا كتبت في أزمنة متباعدة، تتراءى فيها ديناميكية النقد المواكب لحركية الشعر، واندفاعه، لمواقع أكثر تقدما، ومن هذه الكتب كتاب «الرحلة الثامنة» 1967 وكتاب «النار والجوهر» 1975 وكتاب «ينابيع الرؤيا» 1979 وكتاب «الحرية والطوفان» 1982. وهذه الكتب تتناول في الغالب والأعم والأرجح الشعر في دراسات استحوذت على انتباه الدارسين، الذين عكفوا عليها وحاولوا أن يستخلصوا منها تعدد المناهج التي طرأت على توجهاته، وحددت العلامات البارزة في مساره الأدبي.

يستطيع الدارس أن يصنف بعض دراسات جبرا عن الشعر في عداد الدراسات الشكلية؛ فهو يؤمن بأن القصيدة شكل، كيفما نظرنا إليها، حتى إنْ كان هذا النظر من زاوية المضمون، أو الموضوع، وهذا التوجه لا تخطئه العين في كتاباته، ولا يغفل عنه ذهن.

فقد لوحظ ـ مثلا ـ أن لترجماته أثرًا في قراءاته للشعر، ومنهم من لاحظ وفرة اقتباساته من نورثروب فراي لا سيما كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticism ومن بعض مقالات إليوت Eliot وفي أقدم مقالاته التي نجدها في كتابه «النار والجوهر»، يؤكد افتقار القصيدة العربية التقليدية للذروة climax التي تميز في رأيه القصيدة الغربية ذات البناء والنمو العضوي. ويلح إلحاحا شديدا على ما يعرف بالمونولوج الدرامي، بصفته مزية لا تتحقق إلا في القصيدة الجيدة. وسكَّ مصطلحات جرت على ألسنة النقاد وأقلام الكتاب كمصطلح التموزيين من الشعراء، والقناع، والرؤيا، والمونتاج في القصيدة، والجهر، والتضمين الذي لا علاقة له بمفهوم التضمين عند العروضيين والبيانيين المتقدمين. كذلك الرمز، وهو مصطلح مباين لما هو معروف في الأدب التقليدي، كالذي يتجلى في قصص الحيوان والطير. فالتقليديون عرفوا الرمز كالتينة الحمقاء في قصيدة إيليا أبي ماضي التي يرمز بها للإنسان الكسول الخامل، وهذا شيء مختلفٌ عن الرمز في قصيدة خليل حاوي- مثلا – فجنية الشاطئ ليست كالتينة الحمقاء، وإنما هي رموز تحيل القارئ إلى قوة تضمينية هائلة، وإلى مزيج من الكنايات والصور والأساطير. وفي هذا السياق لا يمل الناقد جبرا الإلحاح على ضرورة توظيف النماذج العليا في لغة الشعر، مفرقا بين «الرؤيا» التي تحيل الشعر لما يشبه الرؤى المنامية في منطق يشبه منطق الأسطورة والحلم، و»الرؤية» التي تقتصر على الوصف الخارجي الباهت للأشياء. فالقصيدة عنده رؤيا لا رؤية. ومثل هذ القصيدة ينبغي لها أن تقرأ في ضوء المنهج الداخلي، الذي يتوقف متأملا اللغة، والصور، واطراد المجازات فيها، والموسيقى، لا في ضوء الشعارات السياسية، والأيديولوجيات، ولا المناهج المسبقة المستمدة من حقول غير شعرية، كالذي يدرس القصيدة دراسة من لا يفرق بين الشعر والنثر.
ويستطيع الدارس أن يصنف بعض دراسات جبرا عن الشعر في عداد الدراسات الشكلية؛ فهو يؤمن بأن القصيدة شكل، كيفما نظرنا إليها، حتى إنْ كان هذا النظر من زاوية المضمون، أو الموضوع، وهذا التوجه لا تخطئه العين في كتاباته، ولا يغفل عنه ذهن. فتركيزه المتكرر على الصورة، والأسطورة، واستدعاء الشخصيات التي لها مدلولها الرمزي في الوعي الجمعي، كل ذلك يؤكد أن النقد الشكلي التشريحي غلب على الكثير مما كتبه، وإنْ لم تخل بعض مقالاته من الانطباعية، لاسيما في دراسته لأعمال توفيق صايغ (1923- 1971) الشعرية التي وقع في غرامها من النظرة الأولى. فهو يسوق التقريظ تلو التقريظ جزافا من غير تدليل، إلا الإعجاب، يقول في قصائد الديوان الموسوم بعنوان «ثلاثون قصيدة»: «كل قصيدة في الديوان نسيج مشدود متلألئ». وتغلب هذه الانطباعية على قراءته لشعر الجواهري (1899- 1997)، وشعر نزار قباني (1923- 1998)، الذي يقول في بعض شعره (سامبا) إنها تشبه الملهى، والكلمات والصور تشبه الراقصين البارعين. وشعر نزار في رأيه «يلغي شعر الغزل العربي كله من قديم وحديث». وخير ما يكشف عن هذه الانطباعية ما كتبه من نقد لشعر الشهيد الفلسطيني عبد الرحيم محمود (1913- 1948). فمما لا شك فيه ولا ريب أنه كتب ذلك النقد متعاطفا مع الشهيد الذي قضى نحبه دفاعا عن وطنه في معركة الشجرة في تموز/ يوليو 1948، ولكن التقريظ الذي أسبغه الناقد على شعره فيه الكثير من التعسف، ومن صور هذا التعسف وضعه الشاعر على قدم المساواة بالمتنبي، لا لشيء سوى أنه أطلق على ابنه البكر اسم الطيب، فكني بأبي الطيب.
وعلى الرغم من أن الانطباعية ضربٌ من الاستقراء الناقص، وتقريظ غير بريء من التحيز، إلا أنها ليست عيبًا في النقد الأدبي. فثمة نقاد لهم موقعهم الرفيع في تاريخ النقد مثل جول لوميتر، وأناتول فرانس (1844- 1924)، وأوسكار وايلد (1854- 1900)، وطه حسين 1889 ـ 1973 كانوا يميلون في بعض ما كتبوه من نقد لإملاءات الذوق، بدلا من إملاءات الضوابط، والمقاييس الفنية النقدية.
وجبرا إبراهيم جبرا ليس الانطباعي الأول، ولا الأخير، شأنه في هذا شأن النقاد الذين يأخذون من كل منهج بطرف، ذلك لأن الأثر الأدبي، إن كان من الشعر أو النثر، يتطلب من الناقد اتباع منهج، الأثرُ هو الذي يقرّرُه، فعنــــدما يتناول شــعر المقاومة الفلسطيني، لا يستطيع إلا أن يكون متأثرا بالنقد الأيديولوجي، وعندما يتناول «البئر المهجورة» ليوسف الخال (1916ـ 1987) لا يستطيع إلا أن يكون تأويليا، وعندما يتناول شعر السياب (1926 ـ 1964) ولا سيما قصيدة «دار جدي» و»منزل الأقنان» و»شباك وفيقة»، لا يستطيع إلا أن يكون ناقدا أسطوريا يرى في القصيدة بل في الشاعر نفسه أسطورة من الأساطير. هذا هو جبرا؛ ناقدٌ، شاعر، تتراءى في خطابه النقدي أطياف مناهج، وضروب متباينة من التلقي.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن