جان ماري لوكليزيو… لم نتعلم بعدُ فن العيشِ معا

ترجمة: عبدالدائم السلامي
القدس العربي
11042019

على أثير إذاعة «فرانس أنتير»، وبمناسبة إعلان الرئيس الأمريكي بناء جدار حدودي مع المكسيك، قرأ جان ماري لوكليزيو، الحائز جائزة نوبل للآداب عام 2008، نصا له جديدا أبدى فيه تعاطفه الإنساني مع قضية المهاجرين، وكشف عن حجم ما تعرضوا له من ظلم سياسي واجتماعي، سببه الاستعمار الغربي لبلدانهم، وهو ما أجبرهم على أن يقطعوا الصحارى والبحار والغابات ويطرقوا أبواب العواصم الغربية طلبا للنجاة بأرواحهم.
٭ ٭ ٭
الحقيقة هي أن كل مأساة تُسببُها هجرة الناسِ من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية، تثير السؤالَ نفسَه الذي طُرِح ذات مرة على سُكان بلدة روكبيليِير الفرنسية، عندما عرضوا اللجوء على والدتي لحظة مجيئها إليهم مع أطفالها: وهو سؤال المسؤولية. في العالَم الحديث، لم يعد التاريخ يوزع الشعوب إلى جماعات حربية، كما كان شائعا في العالَم القديم، وإنما هو يضع من جهة أولى أولئك الذين ينعمون بالسلام والازدهار الناجمين عن صدفة وجودهم في وضع جغرافي معين، وعن قوتهم الاقتصادية المكتسبة عبر القرون، وعن تجاربهم التاريخية، ويضع في جهة ثانية الشعوب المعدومة من كل شيء، ولاسيما الديمقراطية.
ليست المسؤولية فكرة فلسفية غامضة، وإنما هي حقيقة، لأن الظروف التي يهرب منها هؤلاء المحرومون هي نفسها التي خلقتها الدول الغنية، من خلال احتلالها للمستعمرات، ودعمها بعد الاستقلال للطغاةِ الحاكمين لتلك الشعوب، وسعيها المستمر في أزمنتنا الراهنة إلى إشعال الحروب التي لا قيمة فيها لحياة مواطني تلك الشعوب، في الوقت الذي تكون حياة مواطنيها كنزا ثمينا.
لقد نفذت الدول العظمى كثيرا من عمليات التفجير، ومن الضربات الصاروخية، ومن الحصار الاقتصادي، وغايتها من كل ذلك هزيمة الأعداء، الذين حددت مواقِعَهم، بغض النظر عما إذا كان هناك ضحايا عَرَضيون، أو أخطاء في إطلاق النار، وبغض النظر أيضا عما إذا كانت الحدود قد رُسمت بحد سيف المستعمِرين، بدون مراعاة منهم للحقائق التاريخية على الأرض.

كل مأساة تُسببُها هجرة الناسِ من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية، تثير السؤالَ نفسَه الذي طُرِح ذات مرة على سُكان بلدة روكبيليِير الفرنسية، عندما عرضوا اللجوء على والدتي لحظة مجيئها إليهم مع أطفالها: وهو سؤال المسؤولية.

وبالنسبة إلى أولئك المهاجرين فإن هجرتهم ليست رحلة بحرية بحثا عن الجديد، ولا هي رغبة في حياة مترفة في ضواحينا، سواء في باريس أو في كاليفورنيا، وإنما هي هروب أناس خائفين ومنهَكين، يتهددهم خطرُ الموتِ في بلدانهم. فهل يمكن لنا أن نتجاهلهم ونُشيح عنهم أنظارَنا؟ هل نقبل أن نُعيدهم إلى أوطانهم بوصفهم غير مرغوب فيهم، كما لو كان سوء حظهم جريمة وفقرُهم مرضا؟ كثيرا ما نسمع القول إن هذه الحالات معضلة مُحيرة، ولا مفر منها، ونحن الأغنياء لا نستطيع أن نُؤوي كل بؤس العالم، ونحتاج إلى تسييج الحدود لحمايتنا، لأننا نتعرض إلى تهديد بالغزو، كما لو كان هؤلاء المهاجرون جحافل بربرية تهجم على أحيائنا، وثرواتنا، وصبايانا. وحتى لو احتفظنا فقط بالحُجة الأمنية، ألا تُعَد الجدران والأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة وسائل حماية وهمية؟ إذا لم نتمكن من الترحيب بأولئك الذين يحتاجون إلينا، وإذا لم نتمكن من قبول طلباتهم في الإقامة بدافع الرأفة أو الإنسانية، فهل يمكننا القيام بذلك على الأقل للسبب الذي ذَكَرَتْه عائشة الشنا المرأةُ التي تساعد أطفال المهاجرين المغاربة في قولها: «ساعِدْ، لأنكَ إن لم تفعل ذلك الآن، سيأتي هؤلاء الأطفال يوما ما لمُساءلتكِ».
إن تاريخ العالم الحديث يضعنا أمام مبدأين متناقضين، ولكن يمكن التوفيق بينهما؛ أولهما هو أملُنا في أن نخلق يوما ما وطنا مشتركا للبشرية جمعاء يسود فيه دستور عالمي، علينا أن نتذكر هنا، أن أول دستور يؤكد المساواة بين جميع البشر لم يكتب في اليونان، ولا في فرنسا التنويرية، وإنما كُتب في إفريقيا في مملكة مالي ما قبل الغزو. وثانيهما هو توطيد الحواجز الوقائية ضد الحروب والأوبئة والثورات. وبين هذين المبدأين المتناقضين، تدعونا حالة المهاجرين إلى تواضعٍ أكثر واقعية. إنها تذكرنا بتاريخ طويل من النزاعات غير المتكافئة بين البلدان الغنية والبلدان غير المجهزة تجهيزا كاملا، وكان المارشال موبوتو هو الذي اقترح، في محادثاته مع الولايات المتحدة، مقياسا حقيقيا لوصف الدول، لا يستند إلى معيار القوة الاقتصادية أو العسكرية لدولة ما، وإنما يستند إلى قدرة أي دولة على تقاسم الثروة والخدمات، سعيا منه إلى إبدال عبارة «دول متخلفة» بعبارة «دول منقوصة المُعِدات».
منذ حروب الاستقلال، تعودنا دائما على حقيقةِ أن مئات الآلاف من البشر يولدون في إفريقيا أو الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية، ويعيشون ويموتون في مدن الخِيامِ والصفيح على هامش الدول الغنية. ونحن نكتشف اليومَ، مع ارتفاع حدة الصراعات وسوء التغذية في البلدان الفقيرة، أن هؤلاء الناس لم يعودوا قادرين على أن يظلوا محبوسين في بلدانهم. وحق لهم أن يعبروا الغابات والصحارى والبحار للهرب من أقدارهم تلك. إنهم يطرقون أبوابنا ويطلبون منا أن نستقبلهم. فكيف يجوز لنا أن نُعيدهم إلى الموت هناك؟ في كتابه الرائع، يستعير بياترو بارتولو هذه الجملة التي قالها مارتن لوثر كينغ، ولم تكن تبدو من قبلُ أكثرَ بلاغة: «لقد تعلمنا أن نطير كالعصافير، وأن نسبح كالأسماك، ولكننا لم نتعلم فن العيشِ معا كما يعيش الإخوة».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*