الرئيسية / home slide / جاك بيرك مستشرق أم مجرد محب للعرب؟

جاك بيرك مستشرق أم مجرد محب للعرب؟

مترجم “الأغاني” متحدثاً عن “الجريمة الكبرى”: لو أنهم أصغوا إليّ!

إبراهيم العريس
 باحث وكاتب
  الأحد 28 فبراير 2021 17:45

نفاه الفرنسيون في جبال الأطلس المغربية فكان حلقة وصل بين الضفتين. (غيتي)

“في ذلك الحين كان يهيمن علم أعراق يستمد جذوره من المدرسة المنتمية إلى الباحث جيمس فريزر، علم أعراق يرى الطقوس السحرية قائمة في كل مكان، تغمر حياة الأقوام المسماة “بدائية”. ولم يكن هذا كله سوى وسيلة للتعبير عن تفوق المراقب على الشعب الخاضع للرصد، ورفض كل تاريخية يمكن عزوها إلى الشعوب المدروسة. أما أنا فإن هذه التاريخية هي بالتحديد، ما كنت أريد إعادتها إلى تلك الشعوب”.

 ذلك الحين

ربما كانت شهادة جاك بيرك هذه، التي جاءت في تقديمه واحداً من كتبه  الأخيرة “مذكرات الضفتين” الذي صدر عام 1989، تعبيراً عن جذور الاختيارات التي قادت خطاه طوال مساره العملي والحياتي. فحين يقول بيرك “في ذلك الحين”، يقصد سنواته العلمية الأولى في جبال الأطلس المغربية، حيث أبعدته السلطة الكولونيالية الفرنسية التي لم تستسغ بعيد الحرب العالمية الثانية رفضه إجراءات فوقية كانت تريد ممارستها.

لم تدرك السلطات، أنها بنفيها ذلك الباحث الشاب إلى أبعد نقطة ممكنة، إلى جبال الأطلس، كانت تحدد مصيره، وتمهد أمامه الطريق ليصبح من خيرة دارسي المناطق العربية والشعوب “المستبعدة”. فاختلاط بيرك بأهل جبال الأطلس، وقيامه بمشاركتهم الحياة اليومية، هو الذي قاده لاحقاً، إلى الاهتمام بالشعوب العربية، ليصبح خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واحداً من المراجع الأساسية في حضارة وتاريخ وحاضر تلك الشعوب، وواحداً من أبرز العلماء الغربيين الذين عملوا طوال حياتهم على اكتشاف وإعادة اكتشاف الجذور الروحية التي تحرك حياة تلك الشعوب، الجذور الإسلامية.

بين المستشرق والمستغرب
من هنا لم يكن غريباً من جاك بيرك أن يرفض، على الدوام، لقب المستشرق وألا يقبل، إلا على مضض، أن يلقب بـ”المستعرب”، لأنه كان يرى أن اختياراته الأساسية يجب أن تخرج عن إطار التصنيف الأكاديمي. كان يحلو لجاك بيرك أن يشرح شغفه العلمي كالتالي “كل ما في الأمر، أنني وقعت يوماً في هوى منطقة وشعوبها وتاريخها، فانكببت على دراستها، من دون أي رغبة مسبقة في أن أكون يوماً مستشرقاً، أو مستعرباً بالمعنى المهني للكلمة”. وإذ سُئل كيف يحب أن يصنف كان يجيب “أنا بالأحرى مناضل في سبيل التقريب بين الضفتين، بين فرنسا والعالم العربي، وفي سبيل إفهام قرائي، الفرنسيين منهم خاصة، ما هي حقيقة الإسلام، بعيداً من الكليشيهات والتعصب والأفكار الجاهزة”.

ولادة جزائرية
ولد جاك بيرك عام 1910 في قرية جزائرية، من أعمال وهران، ورحل عن عمر ناهز الخامسة والثمانين في قرية فرنسية لا تبعد عن مدينة بوردو. والحال أنه أمضى جل سنوات حياته وهو يخوض ذلك النضال الذي اختاره لنفسه ذات يوم في صباه، متأثراً بوالده. كان الأخير من أعيان الإدارة الكولونيالية في شمال أفريقيا، لكن ذلك لم يمنعه من انتقاد سياسة بلاده إزاء الشعوب الواقعة تحت سيطرتها. وإذا بابنه يكرس جل كتاباته، هو الآخر، للتعريف بتلك الشعوب وللعمل على رسم مساراتها التاريخية.
لم يكن من قبيل المصادفة إذاً أن يجمع جاك بيرك ذكرياته وتجاربه وتاريخه الشخصي في كتاب “مذكرات الضفتين”.

فبدلاً من أن يختار الانتماء الديني والأيديولوجي إلى العرب وإلى الإسلام على طريقة مستشرق فرنسي آخر هو فنسان منصور مونتاي، وبدلاً من أن يحذو حذو برنارد لويس فيدرس الشرق وعربه ومسلميه انطلاقاً من نظرة فوقية دائمة ومن نزعة إلى التقويم وإعطاء الدروس… اختار الوقوف على الضفتين معاً. لم يمنعه حبه للإسلام وتبجيله للحضارة العربية والإسلامية من أن يظل كاثوليكياً، كما أن تعلقه بالعرب لم يمنعه من أن يظل فرنسياً حتى النهاية.


ومن المؤكد أن هذا الانفتاح على الآخر، مع التمسك بالجذور، أسهم في ذلك القسط الكبير من الاحترام الذي حظي به جاك بيرك لدى النخب العربية المثقفة، ولدى عديد من المسؤولين العرب الذين كانوا يستقبلونه بالترحاب، ويستمعون إلى آرائه واقتراحاته بود واهتمام، بدءاً بالرئيس عبدالناصر الذي كان يحفظ له مكانة خاصة. “لو أن المسؤولين الفرنسيين أعاروني انتباههم كما فعل العدد الأكبر من صانعي القرار العرب (قال بيرك في الكتاب، هذا الصدد) لأمكننا أن نتجنب سوء التفاهم الذي نشأ بين الأمتين في حالات كثيرة”.


تاريخ جريمة

وكان بيرك يرى أن فرنسا مسؤولة إلى حد كبير عن تزايد حدة سوء التفاهم هذه، بسبب ممارساتها الكولونيالية من حرب الجزائر والعدوان الثلاثي، وصولاً إلى حرب الخليج والحرب اللبنانية. والمحطتان الأخيرتان حركتا لديه القدر الأكبر من الغضب. فحرب الخليج قربته من وزير الدفاع الأسبق جان – بيار شوفانمان. أما الحرب الأهلية في لبنان، فجعلته يكتب ذات يوم من 1990 في صحيفة “ليبراسيون”، والمعارك عند ذروتها في بلد الأرز، في مقالة بعنوان “لبنان، تاريخ جريمة “إن دموع أولئك الذين يتباكون اليوم على لبنان(كتب بيرك) تصل متأخرة بعض الشيء”.

 وأشار بإصبع الاتهام إلى الاعتقاد السائد في فرنسا، الذي لا يرى في ذاك البلد “أكثر من غيتو مسيحي قائم وسط أرض مسلمة”. إن الواقع رهيب جداً، واقع أن فرنسا لم تعد تفهم لبنان برأيه، “ونحن، معشر الفرنسيين، تخلينا عنه ثانية في العام 1982، حين غزاه جيش مناحيم بيغن الذي كنس جيوش الأمم المتحدة وقصف بيروت كلها فكانت أول عاصمة عربية يتم احتلالها. يومذاك اكتفينا بالاحتجاجات اللفظية وبالمعونات الإنسانية التي كانت محترمة بالتأكيد، لكنها كانت مجردة من أي وزن سياسي على الإطلاق”.

حيادية باحثي المكاتب
الرجل الذي يعطي ما سبق فكرة عن المواقف والتصريحات التي تميز بها على الدوام، عرف كيف يضفي على جهده العلمي بعداً جديداً، لا علاقة له من قريب أو من بعيد، بالفكر الاستشراقي. بالنسبة إلى جاك بيرك، وكما يستنتج في “مذكرات الضفتين” لم تعد هناك حاجة ملحة إلى ذلك النوع من الباحثين الذين يكتفون بالجلوس داخل مكاتبهم ومختبراتهم لدراسة الشعوب “المتخلفة” بالميكروسكوب والمنظار المكبر، وطرح استنتاجاتهم وآرائهم بحيادية تغيظ. فإما أن يكون الاهتمام والدراسة نابعين من شغف أو لا يكونان.
وذاك الشغف طبع عمل بيرك على الدوام. نقع عليه منذ الكتاب الأول الذي وضعه من منفاه في “الداخل المغربي” بعنوان “البنى الاجتماعية في الأطلس الأعلى” الذي أثار ضجة كبيرة لدى صدوره في باريس مطلع العام 1955، وصولاً إلى العمل الذي كان منكباً عليه لدى وفاته وهو ترجمة “السنة النبوية”. وكان الراحل يتوخى من هذه الترجمة، بالدرجة الأولى، استكمال “محاولته في ترجمة معاني القرآن” الصادرة في فرنسا قبل ذلك بسنوات. كما أنه كان يطمح إلى تعريف القارئ الفرنسي والغربي عموماً، بجانب غني وأساسي من التراث الإسلامي.
بين دراسته للبنى الاجتماعية في الأطلس وعمله على ترجمة السنة النبوية، أصدر جاك بيرك أكثر من ثلاثين كتاباً، معظمها يعد اليوم مرجعاً في ميدانه، من “العرب بين الأمس واليوم” إلى “الإسلام في زمن العالم”، ومن دراسته الفذة “عن المواثيق الرعوية لدى بني مسكين” 1936 الذي يعد مؤلّفه العلمي الأول، إلى “علماء، مؤسسون وثوار في المغرب” الذي كان واحداً من كتبه الهامة الأخيرة، ومن تحقيقه لـ”نوازل” الوزاني 1944، إلى ترجمته لكتاب “الأغاني” خلال السنوات الأخيرة من حياته، ومن كتابه المهم “مصر، الإمبريالية والثورة” 1967 إلى جزئي كتابه “من الفرات إلى الأطلس” 1978م.

رصد ميداني شغوف

كل هذه الأعمال وغيرها وضعها جاك بيرك انطلاقاً من رصيد ميداني وإلمام بالواقع الذي يتحدث عنه. غير أن اللافت في مسيرته هو أنه بدأ راصداً ميدانياً لأحوال المغرب والمشرق، لينتهي إلى الانكباب على التاريخ الزاهي للحضارة الإسلامية. كأن تقدمه في السن قاده إلى التوغل عميقاً في الزمن، أو كأنه يئس من وصول العرب والمسلمين إلى حقوقهم في الغرب من طريق إثارة حماسته، فآلى على نفسه أن يغوص في ماضيهم مستكشفاً لحظاته الكبرى أي اللحظات التي كان فيها العرب والمسلمون متصدرين للحضارة البشرية.