الرئيسية / home slide / جاك أماتاييس نموذجًا لاجتهاد الباحث التاريخيّ النزيه

جاك أماتاييس نموذجًا لاجتهاد الباحث التاريخيّ النزيه

10-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

جاك أماتاييس (توليف لمنصور الهبر).

لست “مُغرَمًا” بمَحاضِر جلسات خميس مجلّة “شعر”، ووقائع تلك الاجتماعات، لكنّي “مُغرَمٌ” بالشعر مطلقًا، وخصوصًا بالشعر الحديث، ولا سيّما بقصيدة النثر. لذا، تاليًا، من الطبيعيّ أنْ أكون شديد الانهمام بالبحث – الصافي – في هذا الشعر (الناشف والبارد ولِمَ لا المُضجِر!) وبالمنصرفين إليه، وبرهبانه، وموثِّقيه، ومؤرِّخيه، ومستخلصي نسغه.

الآن، في هذه اللحظة التاريخيّة والحضاريّة والثقافيّة الغثّة (بل البالغة الغثاثة)، لو سألني أحدهم ماذا تتمنّى على المستوى الأدبيّ والنقديّ، لقلتُ بلا تردّد: فلتنصرفْ مراكز البحث (بلهجةٍ “آمرةٍ”، لكنْ على تحفيزٍ وعتابٍ وتوسّلٍ ومناشدةٍ واستصراخٍ وتواضع)، فلتنصرف خصوصًا الجامعات التاريخيّة الكبرى في لبنان، إلى الاضطلاع بمهمّةٍ فريدةٍ في نوعها وأهمّيّتها، قوامُها توثيقُ شعر الحداثة الشعريّة والروائيّة اللبنانيّة (والعربيّة) بمحطّاتها المتتابعة، وأعمال شعرائها وكتّابها، توثيقًا منهجيًّا، مرجعيًّا، نزيهًا، حياديًّا؛ توثيق مرفق بالتحليل البحثيّ، الأكاديميّ، الطليعيّ، لئلّا تذهب المهمّة – الإنسانويّة والإنسانيّة – للجامعات إلى الهوان والاندثار.

أُطلِقُ هذا الموقف لمناسبة صدور كتاب “خميس مجلّة شعر من الشفاهيّة إلى التوثيق والتدوين” (دار نلسن) لمؤلّفه جاك أماتاييس (Jacques Amateis). وإذا ألفت بقوّة إلى أهمّية ظاهرة “الخميس” الاستثنائيّة، ظاهرة تلك اللقاءات والجلسات والنقاشات، وإلى وقائعها المثيرة، فإنّي ألفت في الآن نفسه إلى أنّ ذلك “الخميس”، بنقاشاته المتعدّدة المراتب والمستويات، وأحيانًا بتضارب مواقف الشعراء فيه، ووصولها أحيانًا إلى حدود التناقض المثير للسذاجة، لم يكن يخلو أحيانًا من الغثّ والسطحيّ والاعتباطيّ. وإذا كان قد أدّى غاياته المختلفة، وفعل فعله الرديف، ولم يعد له كبيرُ أثرٍ فعليٍّ وعملانيٍّ في اللحظة الشعريّة الراهنة، فإن لزوم توثيقه وتدوينه لا يزال يمثّل لي حدثًا أدبيًّا وعلميًّا استثنائيًّا وغير عاديّ. بقدْر النتاج الشعريّ، يهمّني حفظ التاريخ الشعريّ، وتوثيقه وتدوينه وصونه واحترامه، بمنع تحريفه والتدخّل فيه، من طريق تأريخ نتاجه تأريخًا علميًّا، وتفكيك ذلك النتاج، وتحليله، واستخلاص نتائجه، ليوضَع في أيدي الدارسين والطلّاب والمهتمّين، وليُدرَج في الخزانة والمحفوظات، وليكون في جملة الإرث الأدبيّ الإنسانيّ، وفي الخدمة عند لزوم العودة إليه. 

(شعراء مجلة شعر ومجلتهم، بريشة منصور الهبر وتوليفه) هذا ما فعله “أبونا” جاك، الذي، لو حاولتُ أنْ أتخيّل له وجهًا وجسمًا وجلوسًا، لكان ينبغي لي أنْ أهرع – مثلًا – إلى شخصيّات الرسّام الهولنديّ رامبرانت، المرسومة في سياق مقاربته التشكيليّة القائمة على زواج العتمة والضوء، النور والظلّ، من أجل أنْ ألامس ما تناهى إليَّ من هالته الدؤوبة المتواضعة، ومنهجه البحثيّ الرصين، ودقّته العلميّة، وهو يقارب مشاغله ومسائله وقضاياه، عاكفًا على أوراقه عكوف الزاهد على تطلّب زهده، وعكوف الدارس على الوصول بدراساته إلى خواتيمها البهيّة.

لماذا أتخيّل هذه الصورة، هذه الحال؟ لأنّي “رأيتُ” جاك أماتاييس خصوصًا في كتابَين له (يوسف الخال ومجلته “شعر”، وخميس مجلّة “شعر”) أثارا اهتمامي الأدبيّ والشعريّ والنقديّ والتأريخيّ والتوثيقيّ، فتعرّفتُ إليه من خلالهما، ومن مراسلاتي معه، حيث اكتشفتُهُ مهجوسًا بالمعايير المعرفيّة، الجامعيّة، العلميّة، شديد التعلّق بالأصول، بمفاتيح البحث، بطرائق التفتيش، والتقميش، والتوثيق، والتحليل، وصولًا إلى ما يبتغيه الدارس – الحقيقيّ – من استنتاجات، واستخلاصات – موضوعيّة -، ينأى بها عن ذاته وميوله وأذواقه، متشدّدًا في الانضواء تحت أهداب الانشغال الأكاديميّ، ولا سيّما تتبّع الوثائق والمخطوطات والمعطيات والمكوّنات والتفاصيل المتعلّقة بموضوع بحثه، متدثّرًا بها دون سواها، لئلّا تستدرجه الأهواءُ، وتأثيراتُ الآخرين، إلى الانصراف عن ملاحقة الجوهر، جوهر الواقعة التاريخيّة والحقيقة الأدبيّة.
يمكنني أنْ أستنتج بقوّة، أنّ كتابه الصادر للتوّ حول “خميس مجلّة شعر”، بما يتضمّنه من نشرٍ حرفيٍّ للمَحاضر، ومن توثيقٍ دقيقٍ لها، ومن تحليلٍ لمكوّناتها، ومن تظهيرٍ لمواقف أعضاء “الخميس”، شعراء الحداثة وأدبائها ونقّادها، وآرائهم النقديّة (بصرف النظر عن أهمّيّة بعضها أو لا)، في الشعر والاتّجاهات الشعريّة والنظريّات والكتب والدواوين والقصائد، يمكن اعتباره – أكاد أجزم – “مسك الختام” في شأن ما يمكن أنْ يُدلي به أحدٌ بدلوه (البحثيّ) حول هذه المسألة التوثيقيّة والتأريخيّة، بخلاصاتها النزيهة والحياديّة، وباتساع وعائها المعرفيّ.

لم يترك جاك أماتاييس شاردةً أو واردة، تتّصل بموضوعه، إلّا أدرجها فيه، من دون أنْ يبدر منه وعنه أيّ (رائحة) انحيازٍ إلى هذا الرأي أو ذاك، إلى هذه المعلومة أو تلك، تاركًا للوقائع والمعطيات أن تؤدّي دور البطولة في الكتاب، مستكملًا هذا الدور بما يمثّل الجانب الأصعب فيه، والأشدّ تحدّيًا للذات: تقديم الخلاصات والنتائج التي تشرّف الأمانة البحثيّة.

يذهب بي هذا الإنجاز البحثيّ، إلى إثارة الإشكاليّة الآتية: أين هي – الآن – “العلوم الإنسانيّة”، بما هي آدابٌ وفنونٌ وفلسفاتٌ وأفكارٌ ونظريّات ودراسات، في مفهوم الجامعة؟ وإلى أين باتت تؤول هذه المهمّة العظمى؟!

إنّي أطرح هذه الإشكاليّة، في ضوء التراجع الخطير في الدور – بل الخطير جدًّا – بل الدور شبه المنعدم – لـ”طبيعة” الجامعة، من حيث كونها – في الأساس – طليعةً خلّاقةً، ليس لمواكبة مجالات الإبداع والخلق والأنسنة و… النقد، وفتح الطرق أمامها فحسب، بل أيضًا وخصوصًا لاستباقها.

إذا كان لي من اقتراح، من “نصيحة” – مشفوعة بتحفيز – فإنّي أدعو الجامعات الأساسيّة والمهيبة في لبنان ومراكز الأبحاث، ولا سيّما “معهد الآداب الشرقيّة” في الجامعة اليسوعيّة و”دائرة اللغة العربيّة ولغات الشرق الأدنى” في الجامعة الأميركيّة، إلى أنْ تجعل مهمّةً كهذه المهمّة البحثيّة المتكاملة وغير المنقوصة، شغلها الأدبيّ والنقديّ (الإنسانيّ) الشاغل، فتجنّد الأساتذة والطلّاب والقرّاء والمتطوّعين والذوّاقة (والمجهولين) وسواهم، من أجل إنجازها، أيًّا تكن المشقّات والصعوبات والتحدّيات.

أأكون متجنّيًا إذا اعتبرتُ من المخجل والمعيب والمهين ألّا يكون قد بادر أحدٌ – أو جهةٌ – إلى مباشرة هذا الاجتهاد التاريخيّ الشامل؟ أقصد: هذا الاجتهاد الزهديّ – العلميّ – المنهجيّ – البحثيّ – الموسوعيّ – المتكامل وغير المنقوص، ضمن رؤية – أكاديميّة – لا تشوبها شوائب ولا تعتريها أهواءٌ وتهويماتٌ وانتفاخاتٌ مَرَضيّةٌ وتفخيميّة وتنزيهيّةٌ وعظاميّةٌ (لبنانويّة مثلًا)، ولا يخدش مهابتَها بهتانٌ ونقصانٌ وهوان.

هاكم جاك أماتاييس نموذجًا في منتهى الزهد والنسك والتواضع والاجتهاد والجدّيّة والرصانة والحياد والنزاهة.

akl.awit@annahar.com.lb