الرئيسية / home slide / جابر عصفور: حفيد طه حسين

جابر عصفور: حفيد طه حسين

 سعيد يقطين
12012022
القدس العربي

كما يمكن لبعض النصوص أن تؤثر في الناس، يكون لبعض الرجال أن يؤثروا في غيرهم فيجعلهم ذلك يعيشون على منوالهم، وهم يسيرون على نهجهم، متخذينهم نموذجا. وبما أن تلك النصوص تجد من يحتذي حذوها، نجد من يسعى إلى الكتابة على غرارها، أو يهدف إلى أن ينتج نصوصا تكون لها القيمة نفسها في النفوس. وكما سمت الدارسات الأدبية الحديثة بعض العلاقات التي تأخذها النصوص مع بعضها، بـ»التناص»، يمكننا أن نسمي العلاقات بين الناس على غرارها بـ»التآلف» الذي نعتبره علاقة بين شخصين: «متآلَف»، من قبل شخص آخر متآلِف معه، سواء على مستوى طريقة التفكير، أو الطموح. ولا علاقة للتآلف هنا بما نعتبره «التقليد»، أو «النسخة». فالمقلد غيرَه، أو من يروم أن يكون نسخة من غيره لا قيمة له. أما المتآلِف، فذو شخصية، ورؤية قد تكون مختلفة عن الشخصية المتآلف معها، ولكنه مع ذلك يقدرها ويظل ينظر إليها قدوة نموذجية. ولا علاقة للمقلد والمتآلف مع «قاتل الأب»، فهذا وجه مقابل للمقلد، لا قيمة له، لأنه ينبني على النكران والجحود، لذلك يمكن للمتآلف أن يتفوق على المتآلف معه، ولا مجال لذلك مع المقلد أو الجاحد.
منذ أن تعرفت على جابر عصفور من خلال قراءاتي لكتبه الأولى، رأيت باحثا رصينا ومقتدرا. تتبعت مسيرته في الإنتاج الأدبي وسجالاته الفكرية العنيفة، وتحمله مسؤوليات إدارة بعض المؤسسات الثقافية المهمة في مصر، وطموحه للوصول إلى «رتبة» وزير للثقافة. كل ذلك جعلني أرى أنه متآلف مع طه حسين تآلفا عميقا، وأن صورة طه حسين ماثلة أمامه، نموذجا للشخصية المثالية. لذلك لا أراني أغامر بالقول، ومصر ولود ومعطاءة أبدا، إن جابر عصفور امتداد لطه حسين، وإنهما معا طبعا، ليست فقط الثقافة المصرية، بل العربية أيضا، بطوابع وسمت بها الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة.

أما جابر فقد عمل خلال العقدين الأخيرين من القرن نفسه على تطوير مشروع طه حسين، في زمان مختلف حدثت فيه اصطفافات أخرى، وبرزت على الصعيد العالمي تناقضات جديدة.

تجمع بين الرجلين قواسم مشتركة كثيرة أختزلها في ما يلي: الجمع بين الثقافة العربية القديمة، والثقافة الغربية الحديثة، من جهة. والإيمان بالوعي النقدي، وممارسته، والدعوة إليه، من جهة ثانية، والانحياز إلى التلاؤم مع العصر، ثالثا. لا يمكن أن تتوفر هذه السمات إلا في شخصية تتمتع بخصال أجملها في ما يلي: وضوح الرؤية المبنية على مشروع، أولا، والحماس للدفاع عنه، ثانيا. والقدرة على التأثير في الآخرين، ثالثا. وكان لزخم التأليف المتنوع الموضوعات والقضايا، والحضور الدائم والمتواصل، وتحمل مسؤوليات مؤسسات ثقافية دور كبير في إعطاء تلك السمات، والخصال كامل الأبعاد التي تجعلهما معا مؤثرين في حقبتيهما. وحين نربط كل ذلك بالمكانة التي احتلها كل منهما على صعيد الإعلام الثقافي (الوسائط الجماهيرية)، والمكانة المتميزة على المستوى الأكاديمي، وربطهما بين الثقافي والاجتماعي في الوعي والممارسة ندرك الخصوصية التي تجمع بين المتآلف معه، والمتآلف، والتي تمنحهما معا دورا مهما في الثقافة المصرية، خاصة، العربية عامة، ما أسميه «القوّام الثقافي» ( Cultural agent) الذي يتعدى دور الفاعل، أو العامل الثقافي. إن «القِوامة» agency))، بمعناها العام تتمثل في قدرة الأفراد على القيام بفعل بصورة مستقلة، انطلاقا من خياراتهم الحرة. وفي المجال الثقافي تعني القدرة على تبني تصور قابل للتطبيق، والعمل على تحقيقه بالانخراط في مختلف ما يسمح له بجعل تصوره قائما.
عاش الرجلان حقبتين مختلفين، اعتبار الأخيرة منهما امتدادا للأولى. لقد كرس طه حسين كل حياته في العقدين الأولين من القرن العشرين للدفاع عن التجديد الأدبي والثقافي، في الوقت الذي كان المجتمع العربي يطرح التساؤلات، ويفكر في المستقبل. ونجح في فرض تصوره أكاديميا وإعلاميا، وما تزال آثار ذلك مستمرة إلى الآن. أما جابر فقد عمل خلال العقدين الأخيرين من القرن نفسه على تطوير مشروع طه حسين، في زمان مختلف حدثت فيه اصطفافات أخرى، وبرزت على الصعيد العالمي تناقضات جديدة. وأبرز ما جرى عربيا هو توالي الهزائم، وسقوط الرهانات الكبرى التي رفعت في بداية القرن. تبنى عصفور الحداثة في الأدب والثقافة ضد التقهقر إلى الوراء، وكانت نافذته على الثقافة الغربية من خلال مشروع الترجمة، وممارسة السجال الثقافي والفكري أهم ما ميزه وهو يتصدر المشهد الثقافي المصري والعربي، فاتحا نوافذ جديدة للسؤال والتفكير، ومشجعا الأجيال الجديدة على الانخراط في هذا المشروع.
لكن الفرق بين الزمنين، والسياقين اللذين عاش فيهما الرجلان فرض على كل منهما اختيارا وموقفا. فبعد محاكمة طه حسين تراجع قليلا، وعقد جسورا مع التراث، بطريقة مختلفة، يبدو فيها اتجاهه التجديدي واضحا، فكان أن ساد تصوره الفكري والثقافي عربيا. أما جابر فقد تبنى مشروعا تنويريا وحداثيا، وكان موقفه ذا أبعاد إيديولوجية مضمرة، ولكنها ظلت بارزة في مواجهة القوة النقيض. ورغم ما تحقق من مشروعه الكتابي والمؤسساتي، فإن التحولات الجديدة التي فرضتها الرقمية تطرح أسئلة عن مدى استمرار المشروع، وبأي طريقة؟
تآلفُ جابر مع طه كان إيجابيا، ولقد حقق ما أمكنه تحقيقه في شروط أخرى. فهل لجابر من حفيد؟

كاتب مغربي