الرئيسية / مقالات / جائحة الغلق

جائحة الغلق

“لا عذاب أفدح من تذكّر تلك الأيام السعيدة ونحن في حال من البؤس”.

(دانتي)

نشرت “الشروق” المصرية مقالين في رثاء “البريستول”، الأول للأستاذة نيفين مسعد، والآخر للمفكّر جميل مطر. كلاهما يروي تجربته مع الفندق كحالة حضارية ثقافية وجزء من صورة لبنان كظاهرة متفردة في العالم العربي، ينهار فيه كل شيء، وتبقى قوته في الحفاظ على آداب الحريات ورقيّ التعامل بين الخصوم. فقد كان يلتقي فيه السياسيون المتقاتلون، فيؤدِّبهم المكان وهيبته ومناخه التاريخي، وما له من سمعة بين الناس.

تلك كانت قوة بيروت “الناعمة”: أن يحزن على إغلاق “البريستول” حزن الفقد الكبير، مفكِّر قادم من عاصمة كانت قوتها الناعمة الاسطورية في اوتيل “شبرد” ومقهى “الهيلتون” و”ريش” و”الفيشاوي”، حيث تدرَّج التاريخ من أيام الاستعمار الى عبقريات نجيب محفوظ.

فنادق ومطاعم ومقاهٍ كثيرة أُغلقت في نكبة الأشهر الأخيرة. لكن إغلاق “البريستول” كان علامة من علامات السقوط المعنوي للبلد، خارج الانهيار الاقتصادي المنتظَر. لقد ذكَّرنا الإغلاق بأن الجفاف قد دَبّ في عروق “القوة الناعمة”، التي كانت وجه لبنان المتجدد النضارة والمتعدد الآفاق. ولم يعنِ الدولة في شيء ان تميّز بين وزارة الثقافة ووزارة الزراعة والقنّب الهندي.

تسمي العرب “مخضرمين” اولئك الذين كانوا في الجاهلية وأدركوا الاسلام. وينطبق ذلك على المنتقلين من زمن إلى آخر. وفي فرنسا كان ذلك وصف الانتقال من جمهورية إلى أخرى. ولقد عاش أدباء كثيرون بين “الجمهورية الرابعة” التي كان آخر رؤسائها “الجَّد الطيِّب” رينه كوتي، وبين “الجمهورية الخامسة” التي أعلنها شارل ديغول، خاتم التاريخيين في فرنسا، وربما في أوروبا، التي كانت العرب تسمّيها “أوروفا”.

من المخضرمين بين “الرابعة” و”الخامسة”، كان المؤرخ الشهير اندريه موروا. يروي موروا في (مذكرات 1885 – 1967) أنه كان يقف ذات يوم في نافذة منزله عندما شاهد سيارة تابعة للحرس الجمهوري تتوقف أمام البيت، ويترجل منها ضابط يسلّم مغلفاً إلى البوّاب. فضّ موروا الظرف فإذا فيه رسالة من رئيس الجمهورية تعليقاً على مقال قد نشره بالأمس: “استاذي العزيز، في مقالك امس ورد خطأ مطبعي في ما نقلته عن فرلين، مما يحدث كسراً غير مقصود في القصيدة”.

ثم جاء شارل ديغول وجمهوريته الخامسة، بالتوافق مع كوتي الطيّب والوديع القلب. ماذا كان يفعل؟ كلما أهدى إليه موروا كتاباً جديداً أصدره، يجيب ديغول برسالة مكتوبة بخط يده بادئاً: استاذي العزيز! ماذا يبقى من فرنسا من دون آدابها؟

كان يحلو لنا هناء في الماضي، استعارة المقارنات من السياسة الفرنسية بسبب تأثرنا بالتاريخ الفرنسي. وبكل بساطة نطلق على جمهورياتنا ارقاماً والقاباً ولا يبقى ناقصاً سوى كوتي أو ديغول، الذي جعل اندريه مالرو وزير ثقافته. فالعظمة الفرنسية لم تكن في الحروب، بل في امبراطورية الأدب والفكر وفولتير وباستور وديكارت وهيغو. هؤلاء هم مَن صنعوا مجدها الباقي، وليس جزر المارتينيك.

إغلاق “البريستول” قدرٌ اقتصادي مثل سائر الكوارث التاريخية التي لم نعرف لها مثلاً منذ 1920. المسألة هنا في الرمز المؤلم. فقد هوى صرحٌ حضاري فيما كان رئيس الحكومة، القادم من كرسيّ في الجامعة الاميركية، يُلحق وزارة الثقافة بوزارة الزراعة وسائر المواسم والمحاصيل، من بصل وبطاطا وقنب هندي.

طبعاً لا وقت للترف وتوديع الفنادق التاريخية، فيما الجنازات تسير وحيدة بلا مودّعين. وبلا وداع غادرنا أحد الرموز الأخلاقية العالية في هذه المهنة، الزميل سالم عبد الباقي. هو، وقلّة مثله، أعطوا الصحافة والحركة القومية، دعة النسّاك ومسحة النقاء.

الأقدار لا تُردّ. لكن ايضاً الاحزان لا تُحجب، وخصوصاً في الزمن الصعب وخلّوه من أي تعزية، أو حتى أي وعد بها. فنحن ننتقل من خطاب إلى بيان. وكلها مكتوبة بلغة الازدراء. عندما أعيدت الحياة موقتاً إلى الاونيسكو، تذكّرنا ان في تلك القاعة وقف رئيف خوري يناظر طه حسين. وفيها أُعطي الاخطل الصغير امارة الشعر بعد شوقي. وفيها حضرنا لويس ارمسترونغ يغنّي الروحانيات الزنجية ويمسح عرق جبينه من حرارة الجاز وأحزانه.

“البريستول” لم يكن فندقاً. كان عصراً، و”الفينيسيا” كان مهرجاناً دائماً مضاءً بالاسماء والنجوم من انحاء العالم. و”السان جورج” كان حكاية المتوسط وزرقته والنجوم التي تتلألأ في سطحه.

لا وقت لكل ذلك الآن. وهذه ليست عريضة نطالب فيها بعودة الزمن الضائع. نحن ايضاً على شيء من الواقعية ونعرف معاني الزمن الذي نحن فيه. ونعرف ان رئيس اميركا ينصح الناس بحقن الديتول بسبب الانتخابات. وبسبب الانتخابات، أقال رئيس البرازيل وزير الصحة العاقل. وعندما سُئٍل كم يتوقع ان يكون عدد وفيات كورونا، أجاب بكل رقيّ فاشيّ معهود: “من أين لي أن أدري؟ أنا لست حفار قبور”. وباللهجة نفسها كان قد قال ان الوباء لن يضرب البلاد “لأن الله برازيلي”.

الأسوأ من السياسي السيىء هو الخطاب السيىء. والطبع السيىء، والخُلق غير المسؤول. حقنة من مطهّرات الصحون ونقضي على أوحش وباء يضرب العالم. المهم الطريق إلى الرئاسة. اليوم خمر وغداً أمر. يُعبَّد الطريق بكل انواع التحالفات والوعود والمواثيق، ثم يعبَّد بنكرانها. ذلك، ليس مهماً. المهم هو الوصول. مَن يسقط على الطريق ومَن يبقى، هذه تفاصيل. يجب ان تكون واقعياً براغماتياً. وقد أبلغك جورج برنارد شو في “تلامذة الشيطان” ألّا تعطي أهمية كبرى للتاريخ “فهو يعرف جيداً كيف يكذب”. فالمأساة تبقى في الذين يكذبون، وفي اعتقادهم أنها الحقيقة. البراغماتية.

بداعي الواقعية أهمل دونالد ترامب كل جوهر الدستور الاميركي والقيم التي تركها ابراهام لنكولن وولسون وروزفلت، واعتمد فلسفته ومبادئه الشخصية الملخصة في “الصفقة”. يربح صاحب الربح لا صاحب الحقيقة. والدولة التي منها اديسون وهارفارد وستانفورد وحصّاد نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب والأدب، ينصح مواطنيه في مواجهة الجائحة بمساحيق الغسيل: ثلاثة بواحد، كما كان يعد ابو الياس في مسحوق “يس” كل اسبوع، واحياناً كل اقل، يخرج علينا مسؤول يبلغنا أن الخطأ ارتكاب سواه ومنع الفضيلة جريمة خصمه. كل اسبوع، أو اقل. ويفهم المرء ان يكرر الدكتور حسان دياب هذه العادة الحسنة، خصوصاً مع تعليمات كورونا وارشادات العزل. فالرجل في السرايا (مكتباً ونزلاً) منذ ثلاثة اشهر فيما الموضوع المطروح عمره ثلاثون سنة، عدا الكبيس. أما غسل اليدين للغارقين في السياسة والمال والمشاريع والسدود والنفط والتنظيفات والعتم والكهرباء والشواطىء والموانىء والمقابر والمصارف – أما هؤلاء، فالبحر لا يغسل ما لحق وما علق.

سوف تمر عصور أخرى ونحن نبحث عن المسؤول. وسوف نظل نبحث. تماماً مثل حكاية اختراع المِرآة. ونحن نعرف ان الإنسان اخترع اشياء كثيرة لكنه تأخر في اختراع المِرآة الى القرن الرابع عشر. وقد حدث ذلك في البندقية. وكانت في البداية سلعة باهظة الثمن، مات كثيرون من دون رؤيتها، أو رؤية انفسهم فيها.

وقصة القصة أن تاجراً ثرياً مرّ ليلاً بمنزل احد الفلاحين وطلب ايواءه. وقدّم له الفلاح وزوجته اكبر غرف المنزل. وصباح اليوم التالي استأذن الزائر واكمل طريقه. وبعد ذهابه لاحظ الفلاح أنه ترك خلفه كيساً، فتحه فوجد فيه مرآة. تأمّلها فارتعد. لقد رأى فيها صورة ابيه قبل وفاته بعشر سنين. وكان الوجه ايضاً يتأمل فيه وفي دموعه المنهمرة. خبّأ الفلاح المرآة في احد الادراج وخرج مذعوراً.

لاحظت الزوجة ارتباكه. وبعد خروجه، دخلت الغرفة واخذت تفتش فيها. وفي النهاية فتحت الدُّرج وسحبت المرآة: “هذا ما كنت أظنه ايها الزوج الشرير. ليس فقط انك تخونني، بل مع شمطاء بشعة ايضاً”. وكان للزوجين ابنة وابن. عثر كل منهما على المرآة، ورأى كل منهما ولدا منفوشاً وابنة منكوشة.

مأساة المرآة انك لا ترى سوى نفسك. وما تراه ليس مُرضياً دائماً. وفي الماضي كان القانون الايطالي يبرىء المتهمين إذا اصر كل منهما على اتهام الآخر حتى النهاية. حدث ذلك في السبعينات عندما اتُّهم زوجان مصريان من عائلة الشوربجي بقتل عشيق الزوجة. وظل الزوج يصر على ان الزوجة هي الفاعلة، وهي تصر على انه الجاني. وبعد سنوات أُفرج عن الإثنين.

هكذا سيحدث عندنا. واحد يقول منذ ثلاثين وواحد منذ عشرين فيما القانون لا يطاول إلا متهمي النضرة والطفولة البريئة: خمس سنوات وما دون. والباقي براءة لانعدام الأدلّة الثبوتية، والحياء.

Twitter: @Samir_N_Atallah

اضف رد