الرئيسية / home slide / ثورة المفلوقين

ثورة المفلوقين

13-07-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

امرأة تجلس على حجر أمام حائط كتب غليه “ثورة” (أرشيفية – حسام شبارو).

والظّلمُ من شيَم النّفوسِ فإن تجدْ – ذا عفةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ
المتنبي

عندما عدنا الى #لبنان بعد “انتشار” دام نحو ثلاثين عاماً، ما بين اميركا وكندا وفرنسا والكويت، ونحو 24 عاماً متصلاً في لندن، وجدنا أنفسنا أمام مشكلة عائلية جديّة. كل بيت في البلاد فيه عاملة سريلانكية، أو أكثر. وبالتالي لا بد مما لا بد منه. لكنني اعترضت على الفكرة لأنني لا أقبل أن تنام مخلوقة في بيتي، مثل بقية السجون اللبنانية. ودار نزاع حقيقي في المنزل انتهى بالاتفاق على عاملة تمضي النهار في العمل، والليل حيث تشاء.

تعرّفنا من خلال تلك العاملة الى إنسانة مرتّبة مؤدّبة تصرف الكثير مما تُعطى على مساعدة الاطفال في بلادها. كانت تدخل البيت في الصباح وتغادره بعد الظهر، من دون ان نسمع حركة المفتاح في الباب. وعندما تكون ابنتنا في المنزل يظل الحوار دائراً بينهما، وإلا فما مِن محاور للعاملة الكريمة سوى الصمت. وإضافة الى راتبها، كان كل واحد منا نحن الأربعة “يمرر” هدية اضافية الى “سنتيا”، وكل واحد يطلب منها “شرط ألا يعرف الآخرون”. وكان الآخرون جميعاً يعرفون.

كلما اقتربت نهاية سنة جديدة كان اول ما نفكر فيه، كيف سنجرؤ على مطالبتها بالتمديد عاماً آخر. وإذا قبلت مكرهة كيف نسمح لأنفسنا بحرمانها من رؤية عائلتها عاماً آخر. لقد اصبحت جزءاً من العائلة من دون ان نشعر بذلك. وصار صعباً علينا ان نقبل فكرة “السريلانكية” السائدة في حضارات لبنان. وعلى نحو تلقائي امتزجت ثقافة السريلانكية في العقل اللبناني بصورة المرأة في الشرق، بصورة عامة. وصرنا نقرأ في يومياتنا العادية عن انتحار السريلانكيات رمياً عن الشرفات، بالبساطة التي نقرأ فيها عن ضرب النساء أو معاملتهنَّ، أو عن أوضاعهنَّ ما تحت الوحشية في المخافر والسجون ودوائر الدولة.

وتُركت كل هذه الهمجيات، مثل غيرها، للتجاهل والتغافل. فمن سوف يهتم بمعاملة السريلانكية، او السجينة، أو المغتصَبة، أو طالبة النفقة، في دولة لا يعنيها لحظة واحدة موت بيروت حرقاً وطرابلس غرقاً، أو مقتل أمّ وبناتها الثلاث في دعوة على فطور. العدمية مناخ. مزاج عام وليست سبباً واحداً. معاملة السيرلانكية تصبح لا شيء على مقياس ريختر في سُلّم الزلازل الإنسانية، أمام السطو على اموال الناس وتسفيه موتهم وتسخيف حياتهم، والجبن أمام الجريمة، وتحويل القضاء من واجب للعدالة إلى استنساب للثأر ووسيلة لنشر الأحقاد الصدئة.
لم تسمح آداب السريلانكيات لهنَّ عندنا إلا بالبكاء. لكن عندما اصبحت سريلانكا نفسها نسخة عن لبنان، لم يعد الأمر يطاق: فساد وفجور واقتصاد غبي وممارسات عائلية لا تؤدّي الى شيء سوى الخراب. خرج السريلانكيون من ابتساماتهم البوذية وشرانق التحمل، وطافوا شوارع كولومبو بعيون حارقة من الغضب. وفعل الرئيس ما يفعله الرؤساء عادة في براكين اليقظة. لقد هرب من قبله قبل أشهر الرئيس الافغاني أشرف غني. لكن الأخير كان اكثر حذراً واحتياطاً. فقد دبَّر نقل امواله في طائرات هليكوبتر قبل المغادرة.

ما حدث في سريلانكا نموذج مقلق للذين يعتبرون الشعوب أغناماً منوّمة. إذ ذات يوم يطلع الفجر ويقوم القطيع الى الرعي ويجد انهم لم يتركوا له ولحملانه حتى ما يسكت به جوعه أوعطشه. لا شيء. وحاولوا ان يخدّروه بعزف على الناي فجاء الصوت نشازأ عارياً مثل طرْق الحديد. أيّ لحن في هذا الجفاف الرهيب! قال الأخطل الصغير وهو يتسلّم امارة الشعراء: من ذا يغنّي على عودٍ بلا وتر! وكان قد اصبح في أرذل العمر، فقيل، ورجّح، انه لم يكن مَن كتب بيتَي التتويج “أيوم اصبحتُ لا شمسي ولا قمري”، وان الذي كتبهما كان ابنه عبدالله. وعندما سأل صديق لنا الشاعر الإبن عن حقيقة المسألة قال: لقد املاهما الوالد عليّ لأن يده كانت قد اصبحت ترتجف!

نذير خطير ما حدث في كولومبو. ومعروف ان سريلانكا كانت تُدعى من قبل سيلانه وعرفها العرب باسم سرنديب. وقيل ان فيها هبط آدم من السماء. ووصفها ياقوت الحموي بأنها ارض الجواهر والماس والكنوز. ثم جاءها حكام من مثل غوتابايا وزمرته، فكان الذي كان.

بلاد السريلانكيات اللواتي جئن الى بلادنا للانتحار عن الشرفات بسبب حقارة المعاملة، هي التي اوصلت امرأة الى الرئاسة. ومن حظوظ هذه المهنة اني تعرّفت الى السيدة باندرانايكه قبل 5 سنوات في مدينة ايبيزا، والتقيتها غير مرة. وفي كل مرة كانت تعبّر عن امتنانها لمعاملة مواطناتها في لبنان. وكانت تقول انهنَّ مصدر دخل اساسي لأهاليهنَّ. وكم يفخر المرء بهذا الجزء من الهند، أو بالأحرى بكل اجزائها، التي اوصلت المرأة الى قمة السلطة: انديرا غاندي في الهند، وبنازير بوتو في باكستان، وحسنية في بنغلادش، بينما عندنا فخر النساء هو ان تذهب النائبة الى استشارات القصر الجمهوري بالجينز المخزّق.

في لندن أُرغِم بوريس جونسون على الخروج من “داوننغ ستريت” بالإكراه الديموقراطي. استقال وزراؤه، فأرغموه على الذهاب، هو وشعره المنفوش ودراجته القديمة التي هتل فيها على الناس. صحافي شجعته الوالدة على ان يصبح تشرشل آخر فصدَّق أمه بدل ان يصدِّق الحقيقتين: حقيقة تشرشل وحقيقته. لا يزال الحل الديموقراطي هو الأفضل.

يخرج الرجل عديم النجاح متأخراً، لكنه يخرج طوعاً، ولا يعاند الى ان يرى البلاد برمّتها زاحفة على المدينة وعلى القصر. النضج السياسي، يقول الدكتور سعد الدين ابراهيم، ليس في معرفة الوصول الى السلطة، بل في معرفة موعد الخروج منها.

*يغيب “مقال الأربعاء” في الاجازة السنوية الاسبوع المقبل.