الرئيسية / home slide / ثمن عشاء

ثمن عشاء

12-05-2021 | 00:53 المصدر: النهار

سمير عطالله

اجتماع قصر الصنوبر

 مجموعة مَشاهد محزنة. وكآبات بلا حدود. ومسرح عليه أبطال يعتبرون الرشق بالبيض جزءاً من احتفالات الفصح وتجليات الفداء. ويُصلب ابن الإنسان كلما غرّد بيلاطس، منفرداً، أو برفقة الجوقة، انه بريء. وان العابثين محترفو ثرثرة وعواطف لا مكان لها في ساعات المواجهة وصرامة القرار.

 أعطينا فرنسا درساً حاسماً في فهم السياسة، ودرساً في الميثاقية، ودرساً في مطالبة الدول ذات السيادة بأن يكون لها حكومة تحاور العالم حول بطاقات التمويل، ورفع الدعم عن الحليب، واعادة اموال الناس الى اصحابها.

 بصراحة كلية، ليس لفرنسا ان تلوم سوى نفسها. مَن كلَّف رئيسها المجيء مرتين بغير دعوة؟ مَن أرغمه على تفقّد المرفأ قبل ان ندفن موتاه ونعثر على الجثث الغارقة؟ مَن سمح له بمشاهدة الدمار المريع قبل ان ترسل حكومة السيادة مندوباً إلى موقع الكارثة، أو إلى اهلها؟

 هذه عادات فرنسية قديمة ولا تُخفى على أذكيائنا ودهاقنة السياسة وأساطين الفكر عندنا. متسرعون، الفرنسيون. ونيّات غير صافية تماماً. فالهدف من زيارات ماكرون والوساطات واجتماعات اوروبا، واضح مثل ليالي البدر في الصوم. الرجّال طالع عبالو يجدِّد. كيف يفعل ذلك؟ يحاول اقناع اللبنانيين بتأليف حكومة. لكنهم له بالمرصاد: الميثاق اولاً، ولا تحاول أن تجرّبنا. الميثاق اولاً والميثاق دائماً، ونحن شعب أبيّ، استقلالي، سيادي، ولا نريد من الدول الصديقة سوى سكانر على الحدود.

 مساكين الفرنسيون. يعرفوننا منذ ألف عام ويعجزون عن فهم عبقرياتنا. ويرسلون المراسيل. بل جاء رئيسهم بنفسه وصعد الى جبل فيروز وغنّى معها “بحبك يا لبنان”. ولكن لبنان يحب المشرقية أيها العزيز. ألم تتعلم بعد معاني المتغيرات الجوهرية في حياة الأمم الكبرى؟ ألم تسمع اغنية زياد “عايشي وحدا بلاك وبلا حبك يا ولد / حاجي تحكي عن هواك / ضحَّكت عليك البلد”. 

تتغير الازمان يا طالب النصر الانتخابي من لبنان. إنسَ ما تعلمته في الديبلوماسية من ريشيليو وتاليران، وما سمعته في صالون المدام دو ستايل. وها نحن قد نسينا ان لنا 12 مليون لبناني في “الغرب”، ونتّجه شرقاً عبر سوريا والعراق حيث هاجر من البلدين نحو 20 مليون مواطن، ومن ثم الى الأردن، حيث مليونا لاجىء، ومنها الى فلسطين “طبعاً عندما تصبح دولة”. وارجوك ان تضع خطاً أحمر تحت “طبعاً”، لزوم الدقة وإفراز المعرفة.

 محزناً كان وجه لودريان الممتلىء خيبة وأسى. السياسة وقد هبطت إلى اسوأ ما تستطيع. والدولة وقد ناءت بأكداس الاخفاقات، ولم يبقَ من صلات الوطن شيء، ولم يأتِ لودريان لشيء. جاء فقط يعاين أين أصبحت “التايتانيك الغارقة من دون موسيقى”. ولم يكذبه المشهد. لا في ما رأى، ولا في ما سمع. ولا في ما لم يستطع تحمّل رؤيته أو سماعه.

 “مؤامرة كونية”. كل دول العالم تريد حكومة في لبنان: من روسيا الى اميركا. كأن تقول إنه التدخل الفاضح في شأن سيادي. ونحن صمدنا وحوّلنا شيئاً هائل العظمة يدعى الكرملين الى “منشر غسيل”. وحوّلنا الإليزيه الى محكمة أطفال. وتحولت “المسألة الشرقية” و”قضية الشرق الأوسط” و”الشرق الأوسط الجديد” الى الخلاف بين سعد الحريري وجبران باسيل. وصار انقاذ الاقتصاد في اقتحام شركات نقل الأموال. وصار القاضي يصنع القانون بدل ان يطبقه. وفقد القضاء سلطته لا على المخالفين، بل على القضاة. ما من أحد  في مكانه، أو دوره، أو مسؤوليته. ما من أمل حتى في حكومة صورية كالعادة. الشعب في القعر والدولة في القصر. حتى فرنسا سخرنا منها وضحكنا عليها “وزهَّقناها” حياتها. 

عاملنا روسيا وفرنسا واوروبا كفرقٍ محلية في ساحة الضيعة، لأننا لا نرى في قضيتنا اكثر من ذلك. اكثر من نزاع على مشيخة الضيعة، وخناقة على الوجاهة والنفوذ. وليس مهماً ان تتكسر الضيعة والأهالي، شرط ان يبقى الزعيم ولو وحيداً. 

بلد تعوَّد الفراغ، وتبلَّد عن هموم البشر. وشعب مسحوق ليس له سوى الشارع يخاطبه ويشكو إليه. وطبقة سياسية لا تعرف الفرق بين الكرامة مع الحياة والكرامة مع الموت. ولا كرامة مع الفقر والقهر والجوع. ولا كرامة لشعب يعدونه بأنه سيقف في الصفوف الطويلة ومعه بطاقة إعاشة تثبت أنه متسوِّل ولبناني منذ اكثر من عشر سنوات ومقيم رغماً عنه. 

المبادرة الفرنسية جرصة لبنانية. مشهد لا مثيل له من قلّة اللياقة وقلّة الصدق. لماذا ضحكنا على ايمانويل ماكرون وعذبناه وبهدلناه وجعلناه يصدّق أننا حقاً حزانى على يوم 4 آب، يوم فقدت بيروت بقايا روحها، من دون ان تعرف في سبيل مَن، ومن اجل ماذا يموت ويشرَّد ألوف البشر وهم جالسون في بيوتهم.

المسيو لودريان هو الديبلوماسي الفرنسي الوحيد في الحكومة من “الجيل القديم”. الجيل الذي عايش الجمهورية الخامسة وديغول وميتران الذي ارسل حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها فرنسا الى لبنان خلال الحرب. وخلال الحرب ايضاً جاء ميتران الى بيروت ليوم واحد. 

لم يكن مهماً ان يكون الرجل الذي في الاليزيه، اشتراكياً أو وسطياً. دائماً كان الموقف من لبنان واحداً. لقد تعلّق به الفرنسيون مما كتبه عنه شعراؤهم وأدباؤهم ومفكروهم من ارنست رينان الى لامارتين الى جيرار دو نرفال، وحتى الى ديغول نفسه.

 هل يستمر هذا الشعور بعد الذي حدث في تحويل كارثة المرفأ من مبادرة فرنسية على مستوى الاليزيه، إلى مهزلة لبنانية على مستوى ما حدث؟ هل سيظل السعودي العادي ينظر الى شريكه اللبناني، كما كان يفعل منذ سبعين عاماً، بعدما شاهد ما يضع اللبنانيون في أكواز الرمان الى أولاده؟ هل ستظل ابواب الخليج مفتوحة امام حوالى نصف مليون لبناني، فيما يتحدث جبران باسيل في موسكو عن روعة تأثره “بروح الشرق”، فيما نحن نحاول الحصول على نفط كويتي هدية اخوية؟ ونحن نعرض الشراكة مع الروس في “الغاز” ولم نتفق بعد على كيفية ترسيم الحدود البحرية، وبموجب اي خريطة وأي مرسوم أو أي صيغة للوفد: عسكري أم مدني أم كلاهما معاً؟ 

العتب على لودريان. إنه لم يصغِ، منذ البداية، إلى نصيحة الوزير محمد فهمي: إذا كان هذا كل ما لديك قوله، كنت تلفنت. لم يسمع… أصرَّ على ان يضيّع وقته ووقتنا، ومتى؟ في مرحلة نعدّ فيها لجمهورية الاعاشة وبطاقات التموين وظلام 24 على 24 بتوقيع وزارة الطاقة. 

ما كان أغنى فرنسا عن مبادرتها. بعد مائة عام لا تزال تصدّق ما نقوله لها. صدقت الترحيب، وصدقت التعهدات، وصدقت الوعود. خيّل الى ماكرون ان مشهد الميناء المتفجر اشلاء ودماء وخراباً وموتاً، سوف يغير في قلوب السياسيين. السذاجة الفرنسية لا تتغير. دارتانيان يمتشق حسامه ويعتلي حصانه وينطلق. ثم يكتشف ان الذي يريد مساعدته يسخر منه. 

الروس أكثر شطارة وحربقة: من يريدنا فليتفضل الى موسكو وله مكافأة: تلفون من  بوتين شخصياً إذا كان “عاقلاً”. وصورة ضاحكة مع لافروف للفريق الآخر. و”محادثات” رسمية، الله وحده يعرف حول ماذا. وحده لبنان يعامل الدول الكبرى على انها شغّالة عنده حصريا، ولا عمل آخر لديها. إذا اراد ان يشكل حكومة، فلا بد من الدول الخمس الكبرى. وإذا اراد ان ينتخب رئيساً، فلا بد من 15 دولة يتألف منها مجلس الأمن. وإذا أرغِم اللبنانيون على الاتفاق، لا بد من الاجتماع في بلد آخر. 

مررت قبل أيام في الاشرفية، في الاحياء التي عرفتها طفلاً. ووجدت الدكاكين الصغيرة التي كان اصحابها يعيشون منها مغلقة، ومعروضة للبيع. وطالعتني سيدة مسنّة قليلاً في ثوب بسيط ومهفهف وقالت لي: “هل أنت من هنا؟”. اعتقدتُ انها تريد ان تسأل عن عنوان ما. قلت أجل. قالت: “هل تستطيع ان تمدَّني ب#ثمن عشاء“…

Twitter: @samir_n_atallah