ثلاث مسرحيات مُتنفَّسٌ مُحتَمل وسطَ الاختناق

مسرحية الشر الأوسط

المُتنفَّس الوحيد تقريباً في هذا الاختناق المُرعب: الخشبة والأدوار. حين يصبح كلّ شيء ضئيل الذوق. كلّ شيء من فصيل السطح. ومن أصناف البهتان، يُساير المسرح بعض جوانبنا العطشى، ويجرّها نحو الارتواء. هو “تطهُّر” كما يقول فؤاد يمّين. شفاء موقّت من ألم أبدي. يُكابر المسرح اللبناني على واقعه، يعضّ على جرح الخذلان، ويُكمِل. لا يكفّ عن محاولة الحفر في الصخر. مسرحيات، نختار منها ثلاثاً، للعرض لا للنقد: “الخال فانيا” لإيلي لحّود، “شاطر فؤاد” لفؤاد يمّين، و”الشر الأوسط” لجو قديح. ثمة مَن لا يُذعن لإحباط ولا يرتمي أمام عتبات مهجورة. بل يبحث عن ضوء. لعلّه أحياناً شعلة تخترق الظلمة، أو زقزقة وسط أسراب الضلال. المسرحيون صنفٌ يُضمّد البؤس.

تشيخوف.

“الخال فانيا”: مآسي كلّ إنسان

النصّ للعظيم تشيخوف. الاسم الكامل: أنطوان تشيخوف. والإخراج لإيلي لحّود (مسرح “دوّار الشمس”، من 20 إلى 24 آذار). المسرحية الثالثة للحّود المقتبسة من أدب هذا الروسي العذب، “الصالح للمسرح والإذاعة والسينما والتلفزيون”، بتعبير المُخرج. “لذلك أختارُه”. يُلبنن الممثلون بيو شيحان، روميو الورشا، ربيكّا لحّود، ألكسندرا كرم، جنى أبي غصن، هشام العلي ومونيتا الجميّل، نصّاً مكتوباً بالفصحى لسهولة التلقّي. ماذا تحاكي المسرحية؟ ما يبقى وما يرحل. بمشهدية أدق، ما يمكن أن يبقى وما ينبغي أن يرحل. إنّها شيءٌ من مآسي الإنسان في العصور، ومواجهته إشكاليات منها البحث عن العمل، وموت الطبيعة. “فيها كتير إنسانية”.

لا يخشى لحّود تهمة “المسرح النخبوي”. “العمق جوهر الأشياء والمسرح ليس شونسونييه، بل يرتبط بقضايا إنسانية كبرى كالبغض والحرب. يُدخل تعديلات على النصّ من دون هدمه، ويراهن على الممثل. “هو الذي يجسّد الآنية بأسلوب مُعبّر”.

“شاطر فؤاد” لفؤاد يمّين.

“شاطر فؤاد”: وقتُ المواجهة

الكتابة والإخراج لفؤاد يميّن، الوحيد على المسرح. “أمثّل وحدي. المسرحية مواجهة بيني وبين نفسي. لربما وجدتُ لنفسي حلاً”. العروض من 28 آذار إلى 28 نيسان على “مسرح مونو”. يقدّم يمّين فنّ التطهُّر على الخشبة. هو طبيب نفسه. مرآته الصريحة. صفعاته المُحرّضة على الوعي والالتفات إلى الأشياء بعمق. Nice، أخبِرنا المزيد. “بينما أبوح، أسمع صوتاً يُردّد ساخراً: شاطر فؤاد. برافو. هذا صوت ضميري. صوتي. أستعرضُ شريط حياتي على الخشبة حيث أجيدُ التعبير. عبالي خبِّر. المسألة بالنسبة إليّ مُلحّة. من أجلي، لا من أجل أحد”. ولكن يا فؤاد، ألديكَ مادّةُ حياةٍ كافية لتقدّم نصاً من دون تدخّلات الخيال؟ “كلّ واحد منّا هو قصّة. ما حدث في الطفولة والإخفاق والعلاقات الإنسانية. البعض يفضّل النكران. فضّلتُ المواجهة”.

“الشرّ الأوسط” لجو قديح.

“الشرّ الأوسط”: الصراع الأبدي

قدّمها جو قديح في أميركا، ويعيد اليوم العرض على “مسرح مونو” (حتى 24 آذار الجاري). “تتناول إشكاليات عدّة، وفي آن، لا تتناول أي إشكالية. إنّها محاكاة كوميدية لإشكالية الصراع العربي الإسرائيلي. أربع شخصيات على المسرح: طلال الجردي بدور المسلم صاحب أرض يُرغَم على بيعها، بيار شماسيان بدور السمسار المسيحي الأرمني، أنطوان بلابان بدور اليهودي المُصرّ على الشراء، وصولانج تراك بدور الأميركية المُغيّرة قواعد اللعبة. “الناس عم تضحك”، يقول قديح. “لا نُجرّح بأحد. لا نسمّي أموراً بأسمائها. المسرحية ضحكٌ على واقعٍ مُبكٍ. كلّ كاراكتير هو نفسه، مع فارق أنّ طلال الجردي يتكلّم اللهجة الفلسطينية، وقد تعمّدتُ أن تصل المتلقّي بسيطة واضحة. أقدّم عرضاً من اختزالات يتناول مسألة وجودية تتعلّق بمصيرنا في المنطقة. واقع الديانات السماوية في الشرق الأوسط جدلية طويلة ونقاش مُعمّق. هنا لا أفلسف المشهد. أريده أن يصل بضحكة”.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*