الرئيسية / home slide / ثلاث كاتبات وثلاثة كتب: النسَويّة المدعاة للاحترام في وجوه مختلفة

ثلاث كاتبات وثلاثة كتب: النسَويّة المدعاة للاحترام في وجوه مختلفة

24-01-2023 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

جهاد الزين

"رفعة الجادرجي".

“رفعة الجادرجي”.

تجمّعت على مكتبي البيتي الصغير وفي أوقات متقاربة ثلاثة كتب كتبتها نساء. اثنان منها كتبتها سيدتان أعرفهما وتربطني بهما معرفةقديمة ولو كنت لا ألتقيهما إلا نادرا، إحداهما #بلقيس شرارة المقيمة في لندن حاليا والتي زارتني خلال وجودها في بيروت في الصيف لتهديني مشكورةً كتابها عن زوجها الراحل المعمار العراقي ذي السمعة العربية والدولية رفعت الجادرجي (منشورات دار المدى)والثانية هي الدكتورة #إلهام كلاب التي وصلني كتابها الصغير الجديد عن طريق سليمان بختي مدير دار النشر التي أصدرته وهي “دار نلسن” . أماالكتاب الثالث الذي لا أعرف كاتبته #ريجينا صنيفر فهو عن سيدة شهيرة في التاريخ السياسي الحزبي المعاصر في لبنان وسوريا و بعض بلدان الاغتراب بسبب أنها كانت زوجة وشريكة مؤسس وزعيم الحزب السوري القومي أنطون سعادة والتي عاشت سنوات طويلة بعد إعدامه عام 1949، وأقصد الراحلة جولييت المير (الفرات للنشر والتوزيع).

لئن كانت هوية الكاتبة الجندرية تختفي في الكتاب وراء سيرة حياة جولييت المير فهي طبعا حاضرة في الكتابين الآخرَيْن لأنهما كتابامذكرات بقلميهما ولو كان موضوع كتاب بلقيس شرارة هو زوجها وشريكها رفعت الجادرجي بينما كتاب إلهام كلاب الصغير الحجم والتي تقول أنه نشأ ككتاب من حصيلة مقابلة إذاعية معها وتنشره الآن ك “مراحل من سيرة ذاتية”. أما كتاب صنيفر ولو كان كتابة مشوِّقة عن سيرة حياة سيدة مناضلة عانت الكثير، الكثير الكثير، فإن النوع الجندري للكاتب (ة)غير مهم هنا لأنه مكتوب بنَفَس وأسلوب كُتّاب وكاتبات السير الذاتية الغربيين وبكفاءة سِيَرِيّة عالية ومماثلة للكفاءة الغربية بل لبعض أفضل ما قرأته من سِيَرٍ كتبها غربيون. فهذا النوع من الأدب هو ابتكار غربي، وقد عرفتُ من المعلومات المنشورة على الغلاف الخلفي للكتاب أن ريجينا كتبته أولاً باللغة الفرنسية ثم أصدرته باللغةالعربية ولم نعرف تماما هل هو ترجمتها لنفسها أم تمت الترجمة بمساعدة آخرين لأنها تقدِّم الطبعة العربية على أنها من “إعداد ريجيناصفير” ؟

الحقيقة أن الكتب الثلاثة على درجة ولو متفاوتة الأسلوب من التشويق. الأول صنيفر الأكثر تشويقا بسبب أن الكاتبة أدخلت ببراعة عنصرالمخيلة ولو في سياق من المعلومات الكثيفة والدقيقة عن زمن وأصول وسيرة جولييت المير ، وهي معلومات ستفيد بصورة خاصة من ليس لديه اطلاع على مذكّرات جولييت المير التي صدرت قبل سنوات ليتمكّن من المقارنة. لهذا هو كتاب مفيد لأمثالي المحدودي الاطلاع على التاريخ التفصيلي للحزب السوري القومي ولو كانت محطات حياة هذا الحزب في لبنان وسوريا هي جزء لا يتجزأ من ثقافتي السياسية العامة وثقافة جيلي الذي لم يكن ممكناً له، أي جيلي، أن يتعاطى السياسات العقائدية ومعها في المدرسة والجامعة ثم الصحافة، حتى من موقع مختلف عن فكر السوريين القوميين، دون أن يكون له اطلاع على الأفكار الرئيسية لفكر أنطون سعادة كما أن يكون بين معارفه عدد كبير من كوادر الحزب السوري القومي وقياداته بل أن يكون له أصدقاء بينهم، منهم من تحوّل إلى ولاءات مختلفة ومنهم من بقي على التزامه.

بلغة أدبية ذكية ومتماسكة تقول إلهام كلاب “كل شيء” عن نفسها في كتابها ولكنها لا تصارح. شجاعة كبيرة دون “قرائن”. لغة راقية وشاملة. هذا هو أحد عناصر جاذبية الكتاب الشخصية ل”مؤرخة الأشياء اليومية” كما تحب أن تصف نفسها مع أن مقالاتها عن تاريخ الفنون مرجع قائم بذاته.

تكتب إلهام عن مرحلة عيشها ودراستها في باريس. اسمعوا كيف تصف حريتها في العاصمة الفرنسية:

“كان السفر في تلك المرحلة سهلا وبتكلفة زهيدة. وكنت أقصد ما لا يقصده السياح عادةً، ولا تصوِّره بطاقات البريد التقليدية.كنت أقصد موقعا لقلبي، أصوغ منه أنا صورة وذكرى فريدة لأي بلد زرته واكتشفته وأحببته” وتضيف: “نعم لا يمكن أن يكون شغفي بالعالم والمدن والموسيقى والفنون والطبيعة، منفصلاً عن حبي وعشقي لأناس التقيتهم منذ مراهقتي وأمسك قلبهم بقلبي، فعرفت معهم الشوق والفرح واللهووالأسى والفراق”. وتضيف: ” كانت مرحلة الستينات وكانت باريس المدينة المثلى- في الواقع وفي المخيلة- للقاءات الحب المنزّه… إلا عن الحب… مدينة تشاركك في حبك وتورّطك في حبها”.

كتاب إلهام كلاب كتاب فَرِح بالحياة وباللغة عن بيروت من امرأة حسّاسة قدّرت نعمة الحياة الثقافية في مدينة جاءتها من جبيل وحين غادرت للدراسة في باريس ودّعها في مطار بيروت حشد كبير من أهلها وأبناء قريتها، لتعود لاحقا إلى بيروت وتنغمس في المدينة التي كانت تعيش ايامها الأجمل وما صرنا نراه اليوم بأنه أيامها الأكثر “جنوناً” بالمعنى الإيجابي والخلاق لذلك “الجنون” الذي انتهى بحرب أهلية أشد جنوناً. ستتزوج وهي المارونية من مسلم، هو الشخصية المصرفية المحترمة الدكتور (الراحل) هشام البساط.

كتاب بلقيس شرارة رغم سيرته الذاتية التي تكتبها سيدة عن زوجها، يتحوّل إلى شهادة متمكِّنة على تاريخ العراق الحديث بوجوهه الحياتيةوالعمرانية والأكاديمية والثقافية والسياسية من خلال سيرة مهندس معماري لامع بل من خلال سيرة زوج وزوجة عاشا أجمل أيام بغدادوأقساها بل وأبشعها. ولبلقيس ورفعت كتاب وضعاه سويا تحت عنوان (جدار بين ظلمتين) يروي كل منهما فيه تجربته حين سُجن رفعت في عهد صدام حسين، هو كيف عاش السجن الرهيب من داخله وهي كيف عاشت التجربة من خارجه، وسبق لي قبل سنوات أن كتبتُ ونشرتُ مراجعة مفصّلة له في “قضايا النهار”.

لا يخلو الكتاب الجديد لبلقيس من بعض الآراء في تاريخ العراق وعدد من الحوارات مع وعن مهندسين عالميين كبار ورؤاهم الاجتماعية الفنية كان رفعت على صلة بهم. كانوا هم في عالمه وكان هو في عالمهم الذي استغرق شطرا طويلا من حياته. لستُ هنا لأراجع الكتاب ولكنه في العام يتيح لنا أن نتعرّف على هذا المثقف والمهندس المفكِّر ابن عائلة الجادرجي البغدادية البورجوازية المسلمة السنّية الذي سيدرس المهنة المعمارية في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية والذي سيتعرف بعد عودته إلى بغداد على الشابة الجامعية الجميلة والمثقفة بلقيس ابنة الطبقة الوسطى العراقية الآتية من عائلة شيعية دينية في جبل عامل هي عائلة شرارة. بلقيس التي عاشت حياة طويلة رائعة مع رفعت منذ خمسينات القرن المنصرم، لم يعكّر صفوها، في انعكاس العام على الخاص، سوى الديكتاتوريات الانقلابية المتعاقبة على العراق اعتبارا من العام 1936 حتى هاجرا معا في الثمانينات من القرن المنصرم إلى الولايات المتحدة الأميركية ثم بريطانيا… ولكنهما كانا مثالا لعلاقة تفاهم عميق جدا استمرت حوالي سبعين عاما.

سأختم الجزء المتعلق بهذا الكتاب بحوار تنقله بلقيس حين دعا رئيس الجمهورية (الراحل)جلال الطالباني عام 2009 رفعت مع بلقيس لزيارةالعراق. الحوار دار بين الطالباني ورفعت كما يلي أنقله حرفيا عن الكتاب:

“رفعت: إن البناء في السليمانية(مسقط رأس الطالباني وقلب نفوذ حزبه) تغلب عليه العشوائية، وليس هنالك تخطيط؟

الطالباني: هذا صحيح، البناء عشوائي، ومن الصعب السيطرة عليه، ولكن سيباشرون في التخطيط الصحيح للمدينة.

رفعت: نحن من زمن الأشوريين لم نحكم أنفسنا حتى الآن، ولذلك أنا مستبشر بالنقاش الفوضوي الدائر الآن في الصحافة والفضائيات.

الطالباني: إن هذا النقاش بالنتيجة سيوصلنا إلى مكان.

رفعت: شيىء واحد خائف منه هوالانقلاب العسكري؟

الطالباني: انقلاب عسكري صعب جدا لأن هناك توازن قوى،

وأضاف الطالباني: يقولون أن السنّة كانوا يحكمون البلد، وهذا غير صحيح.

رفعت: الآن في الوقت الحاضر لأول مرة السُّنّة يشتركون في التحكّم، قبلها كانت عصابات سنّيّة، إبتداءً من الخليفة رئيس العصابة إلى السلطان حتى مجيئ الحكومة العراقية.

الطالباني: تمام.”

شاءت المصادفات على مكتبي أن “تجتمع” كتبُ هذه النسوة المتميزات ريجينا صنيفر، بلقيس شرارة، وإلهام كلاب اللواتي على الأرجح لم تلتقين في الحياة الفعلية. لكنْ كونهن نسوة وكاتبات جعلني أقرر قراءة نتاجهن بالتتابع.

يبدو أنني اقترفتُ خطأ منهجيا . فقد كان عليّ أيضاً أن أقرأ مذكرات جولييت المر التي وَضَعَتْها هي نفسها لتنسجم الصورة: ثلاث نسوة من تجارب مختلفة تكتبن سِيَرَهُنَّ. وفيما الكتاب هو عن جولييت المير وليس بقلمها أو إملائها لسيرتها الذاتية، الكتابان الآخران هما إما سيرةذاتية ولو سريعة والثاني سيرة عن زوج الكاتبة أي عنهما معا. إلهام وبلقيس عاشت كلٌ منهما حياةً هنيئة في معظمها ولو مرت في صعوبات عامة كبيرة انعكست على الحياة الشخصية بينما جولييت المير، يا للأقدار، “ماتت مرات عدة” حسب تعبير ريجينا صنيفر. (سأعوّض هذاالنقص لاحقا وأقرأ مذكرات جولييت المير. هذا وعد لمن يهمه ذلك!).

سأقفز عن الشكل وأقول أن جولييت المير، بلقيس شرارة، إلهام كلاب… ثلاث نسوة تزوجت كلٌ منهن عن حب ودامت العلاقة الناجحة طويلاحتى وفاة الزوج.

لكن هنا ستقف المقارنة وستخرج شخصية جولييت المر كصاحبة مصير دراماتيكي هائل: أُعدم زوجُها في ريعان شبابها في ظروف سياسية شاقة حكمت حياتها وجعلتها ليس فقط تخسر زوجها وحيدة كأم لثلاثة أطفال – بنات بل لتتدمّر حياتها وهي تدخل السجن في دمشق سنوات طويلة بسبب ارتباطها بسيرة الحزب السوري القومي الذي أسّسه وقاده “زوجها وزعيمها” أنطون سعادة كما تنقل عنها كاتبةالسيرة ريجينا صنيفر.

معها كل الحق ريجينا صنيفر أن تتساءل : “كيف يمكن لرجل عُرِف بترجيحه للعقل وصراع الأفكار أن يتصرّف بطريقة مختلفة ويقبل الدخول في حركة انقلابية في ظل موازين قوى مختلّة إلى هذا الحد؟”

إنها تتحدث عن أحداث عام 1949 التي حصلت في صدامات مسلحة بين السوريين القوميين والقوى الأمنية اللبنانية وانتهت بفرار زعيم الحزب أنطون سعادة إلى دمشق ثم قيام حاكمها يومها الضابط حسني الزعيم بتسليمه للسلطات اللبنانية بعدما تعهد حمايته. وكان قد دعاها الى دمشق، تلك الدعوة التي تحوّلتْ إلى استدراج.

سؤال ريجينا صفير هو سؤال شغل كثيرين على مدى جيلين وأنا واحد منهم ومنذ سنوات طويلة، حول هذا الحدث البارز في التاريخ السياسي اللبناني والذي أدّى إلى مضاعفات استمرت طويلا. فاختلال ميزان القوى يجعل دخول الحزب السوري القومي في “الثورة” عام1949 إما أنه فُرض فرضاً على زعيمه من داخل الحزب كما تطرح الكاتبة كاحتمال، أو أنه نتيجة حسابات خاطئة فادحة وتبقى غير مفهومة!

في كتاب ريجينا صنيفر بطلٌ هو انطون سعادة ثم بطلةٌ هي جولييت المير لكن في الكتاب، في جزء من الكتاب، “أنتي بطل” أو “ضد بطل” هو جورج عبد المسيح الذي تُلقي كاتبة السيرة شكوكا خطيرة حول سلوكه السياسي والشخصي جعلت جولييت المير تنزعج منه بل تكرهه وبالتالي تَحْذر من نوع قيادته للحزب السوري القومي، ووصلت بها الشكوك أنه تعمّد ترك وثائق تتعلق بالجيش السوري في منزلها في دمشق ، مما أدّى إلى إدانتها. وكما تقول الكاتبة فإن قرار اغتيال الضابط عدنان المالكي في دمشق عام 1955 كان قراراً من عبد المسيح كرئيس للحزب وليس قرار الحزب، وهو الاغتيال الذي أدّى إلى أكبر عملية تصفية للحزب في سوريا جرف معه جولييت المير إلى السجن الطويل.

في حين أن كتاب إلهام كلاب شهادة وفاء وحماس لبيروت قبل حرب 1975 (ودائما لجبيل) فإن كتاب ريجينا صنيفر الذي كتب مقدمته المثقف المحترم الدكتور جورج قرم، هو بحق، رغم سيرته الذاتية، كتاب تاريخ للحيوات العامة في سوريا ولبنان ولحقبة من الصراع العربي الاسرائيلي وارتباط كل ذلك بالصراع الدولي ولبعض وجوه الحياة في المهجر الأرجنتيني حيث كان الزوجان العاشقان يعيشان حياةعصامية لتأمين مستلزمات العيش.

سأختم هذه العجالة عن الكتاب وكواحدة من دلالات شظف العيش، بوصف الليلة الأولى التي يمضيها أنطون سعادة وجولييت المير في منزل قديم كان مهجوراً استأجراه عندما انتقلا في الأرجنتين من بيونس آيرس العاصمة إلى مدينة توكومان ويرقى إلى مرتبة عالية في الأدب الروائي. أنقله حرفياً:

“… في الليلة الأولى يتدفّق ضوء القمر من خلال باب غرفة النوم المفتوح للسماح بدخول الهواء المنعش.فجأةً يكشف الضوء المتدفّق عبر جميع النوافذ عن طيور تندفع إلى الغرفة وتنطلق في رحلة طيران دائري فوق سريرهما. إنها الخفافيش. ولطالما قيل لجولييت أن هذه الكائنات الليلية تخشى الأضواء، لكنها في هذه اللحظة ترتجف من رأسها حتى أخمص قدميها، وتشعر بأنها غير قادرة على الوقوف والتحرك لإضاءةالمصباح. يقفز أنطون بسرعة لإنارة الغرفة. تختبئ جولييت تحت الأغطية لإخفاء شعرها خوفا من أن يتشبّث به مصّاصو الدماء. وبثبات تنطلق إلى المعركة مسلّحةً بوسادتها. وتتصادم أجنحة هذه الفئران الطائرة ببعضها كما لو كانت في حالة ذعر. ويتمكّن أنطون من ضرب بعضها بعصاه، فبدا بمضربه وكأنه لاعب كريكيت. أخيرا يتمكّنان من طردها، ويغلقان الباب مفضّلَيْن تحمل حرارة هذه الليلة الصيفية على التعامل مع الخفافيش!”.

أما كتاب بلقيس شرارة فهو شهادة على كيف انتقلت عاصمة مثل بغداد في ظل الديكتاتوريات المتعاقبة، وأخطرها وأطولها صدام حسين،من أفق تنويري إلى ظلام حالك. شهادة ضد سيطرة الحثالة على العراق.


jihad.elzein@annahar.com.lb‏‬
Twitter: @ j_elzein