الرئيسية / مقالات / ثلاث فيديراليّات شرق أوسطيّة بين واشنطن وموسكو

ثلاث فيديراليّات شرق أوسطيّة بين واشنطن وموسكو

تُرجِّح جهات سياسيّة محليّة وباحثون جدّيّون في عدد من مراكز البحوث الأميركيّة أن تكون الفيديراليّة هي النظام الجديد في الجمهوريّة اللبنانيّة بعد اقتراب منطقة شرقي المتوسّط وقلب المنطقة من نهاية الحروب المتنوَّعة التي تعيش في الداخل ومع الخارج. والدافع إلى ذلك قد يكون فشل النظام الجمهوريّ البرلماني الديموقراطي الذي عاش في ظلِّه منذ استقلاله عام 1943 لا لعيب فيه بل لعيب في تطبيقه بسبب الطائفيّة المقيتة المُعشِّشة في قلوب اللبنانيّين وعقولهم، كما بسبب الفريق الذي حكمه منذ ذلك الحين، والذي أحجم عن تطويره بحيث تشترك كلّ طوائف شعبه في حكمه بعد اطمئنانها إلى بعضها. وقد يكون سبب الإحجام عدم وعي إلى خطورة المستقبل في حال التمسُّك بالصلاحيّات والامتيازات، وتجاهل الديموغرافيا اللبنانيّة، أو الاثنتين معاً. والدافع إلى الفيديراليّة قد يكون بل هو، وبعد الحروب الأهليّة وغير الأهليّة التي عصفت بشعبه الذي تصرَّف على أنّه شعوب، الفشل في تطبيق “اتفاق الطائف” (1989) الذي تعمّده اللبنانيّون إجمالاً، والذي حرّضتهم عليه الجهة الإقليميّة التي كلّفها العرب والمجتمع الدولي رعاية تطبيقه وبدقّة. أمّا الجهة الدوليّة التي ستكون عرّابة فيديراليّة لبنان فهي الولايات المتّحدة. وأسباب ذلك كثيرة منها أنّه كان دائماً، وحتّى قبل إعلان لبنان الكبير عام 1920 ثمّ دولته المُستقلّة عام 1943، تحت النفوذ الغربي الذي بدأ فرنسيّاً ثم انتهى أميركيّاً. طبعاً كان لروسيا دور ما فيه في أثناء حروب الـ 15 سنة التي عاش ولكن بواسطة الوجود الفلسطيني المُسلّح في لبنان وحليفته “الحركة الوطنيّة اللبنانية” اللّذَيْن قادا المُسلمين في حربهم مع المسيحيّين. لكن المُسلمين عموماً لم يكونوا ضدّ النفوذ أو الدور الأميركي رغم تمسُّكهم بفلسطين عربيّة. وطبعاً أيضاً تحاول روسيا حاليّاً تأسيس نفوذ جديد مُهمّ لها في لبنان بعدما أضافت إلى أدوارها واحداً جديداً مع بوتين هو حماية المسيحيّين في المنطقة، وربّما تنجح جزئيّاً في ذلك. لكن من يرى “تطوير” قاعدة حامات العسكريّة اللبنانيّة التي تستفيد منها قوّات أميركيّة، ثم بناء ما يُقال أنّه أضخم سفارة أميركيّة في الشرق الأوسط في لبنان، يستبعد تخلّي واشنطن عن لبنان للروس أو لغيرهم. لكن هل من يضمن ذلك؟

تُرجِّح الجهات السياسيّة المُشار إليها ومعها الباحثون أنفسهم أيضاً أن تستقرّ الجمهوريّة العربيّة السوريّة التي دمّرتها الحروب ولا تزال تُتابع تدميرها بعد تبنّيها الفيديراليّة نظاماً جديداً، أو بعد فرضه عليها عند توصُّل أفرقاء الداخل فيها والدول المعنيّة من عربيّة وأجنبيّة (غربيّة وشرقيّة) إلى تفاهم على ذلك. والمقصودة هنا هي الدول العربيّة ودول الإقليم غير العربيّة وفي مقدّمها تركيا وإيران الإسلاميّة، ودول الغربَيْن الأميركي والأوروبي وفي مقدّمها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحاديّة. وهي تُرجِّح أخيراً أن تكون الفيديراليّة نظاماً نهائيّاً للعراق الذي لم يستقرّ عمليّاً بعد إطاحة الولايات المتّحدة نظام صدّام حسين فيه، ثمّ بعد انسحاب غالبيّة عسكرها منه مع إبقاء خمسة إلى ثمانية آلاف منهم للتدريب وأهداف أخرى، كما بعد سيطرة إيران الإسلاميّة عليه جرّاء “تحالفها” مع الشيعة الذين يُشكِّلون غالبيّة شعبه، والذين لولا إطاحة أميركا صدّام وتبنّيها هي لهم في الداخل والمنافي ما كانوا ليصلوا إلى السلطة. علماً أنّ فشل حكّامه المدعومين منها وفساد غالبيّتهم وطائفيّتهم دفع قسماً كبيراً من الشيعة إلى التحرّك ضدّهم في الشارع، وبدعم صريح لهم وإن غير رسمي اسميّاً من المرجعيّة الدينيّة في النجف، كما إلى تحميل إيران مسؤوليّة الفشل ودعوتها إلى الخروج من البلاد.

من هي القوّة الدوليّة العُظمى أو الكبرى التي ستكون ذات تأثير بل نفوذ مُهمّ في الدول الفيديراليّة الثلاث المذكورة أعلاه بعدما كانت ذات دور مُهمّ في إيصالها إلى هذه الصيغة؟

هناك جوابان عن السؤال يشوبهما التناقض. فبعض المصادر الإقليميّة المُطّلعة عادة تعتبر أنّ روسيا ستكون عرّابة الفيديراليّة السوريّة وصاحبة الدور الأوّل فيها بموافقة أو ربّما بعدم اعتراض أميركا والمجتمع الدولي بغربه وشرقه كما بموافقة إسرائيل. وسبب ذلك هو أنّها عمليّاً صاحبة الدور الأوّل على الأرض السوريّة، وصاحبة الفضل في “ضرب الإرهاب الإسلامي المُتشدِّد” فيها، وفي الحؤول دون تحوُّل وجود “حزب الله” والميليشيات الشيعيّة العربيّة وغير العربيّة في سوريا خطراً فعليّاً وجدّيّاً على اسرائيل، سواء بضغوط مباشرة عليهم وعلى راعيتهم إيران أو بغضِّ نظر عن ضربات صاروخيّة وجويّة إسرائيليّة لهؤلاء داخل سوريا، ولكن بعد “أخذ الإذن الروسي” إذا جاز التعبير على هذا النحو. طبعاً إيران موجودة أيضاً في سوريا “ميليشياويّاً” وخبراء عسكريّين من “حرسها الثوري” وعسكرها المتنوِّع، وموجودة اقتصاديّاً وربّما نفوذاً “ثقافيّاً”. وهذا قد يستمرّ، لكنّ الكلمة الأولى في هذه البلاد صارت لروسيا بعد إنقاذها الأسد ونظامه من الانهيار في أعقاب عجز حلفاء إيران عن منع ذلك بعد سنوات من النجاح في إبقائه. وتفيد المصادر نفسها أنّ الولايات المتحدة ستكون العرّابة الأساسيّة للفيديراليّة اللبنانيّة مع دور ما لإيران عبر “حزب الله” القويّ فيه و”شعبه” لن يُحدِّد إلّا بعد توصُّلها وأميركا إلى تفاوض فتفاهم على القضايا الخلافيّة وهي كثيرة جدّاً. أمّا دور روسيا فيها فالأرجح أن يكون عاديّاً. أمّا العراق فإنّ فيديراليّته سيكون لها عرّابان أميركا وإيران سواء اتّفقتا أو بقيتا في حال حرب غير مباشرة في معظمها قد تحوِّلها مباشرة أخطاء أو مُصادفات.

ماذا عن الجواب الثاني؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد