الرئيسية / home slide / ثلاثية عائلة حمادي السورية… الخلاص في عالم النسيان

ثلاثية عائلة حمادي السورية… الخلاص في عالم النسيان

منذ 13 ساعة

محمد وشادي حمادي

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
06082022

يلاحظ في السنوات الأخيرة في سوريا، ظهور جيل آخر من الكتاب السوريين، ممن باتوا يولون للذات والذاكرة مكانة أوسع في نصوصهم وقراءاتهم، والمهم في هذه الكتابات أنها أخذت تكشف عن مادة محلية جديدة عن البلاد؛ فبعد سنوات من انشغال المثقفين السوريين بالقضايا الكبرى والوحدة والهزيمة وصراع الطبقات، ساعدت الانتفاضة على إتاحة الفرصة للاهتمام أكثر بالتفاصيل والسير والقصص اليومية. ومن بين الأعمال الجديدة في هذا السياق، كتاب «أب وابن.. سوريا بحجم العالم « تأليف محمد وشادي حمادي، ترجمه عن الإيطالية يوسف وقاص/ المتوسط للنشر، الذي يدور حول قصة أب سوري (محمد حمادي) يهرب إلى إيطاليا في نهاية الستينيات، وابنه (شادي) الذي يقرر العودة إلى سوريا للبحث عن هويته.
يبدو جمع السيرة الذاتية في حياة الابن شادي، ليس مجرد ذكريات أو محاولة لحفظ الماضي من الضياع، بل هو مشروع يمكن من خلاله فهم ما جرى في سوريا. وعلى الرغم من أن هذه المهمة ليست بالأمر اليسير، لكن سيسير به الشاب، عبر ثلاثية بدأت بكتاب «السعادة العربية» الذي سرد فيه تاريخ عائلته، ليعود في الجزء الثاني ويتناول تجربته كشاب يبحث عن هويته السورية الضائعة، في شوارع ميلانو وبيروت وحمص، ليصدر لاحقا الجزء الثالث، وهو بمثابة حوار مع والده عن الذاكرة والنسيان.

في الحوار، يبدأ الاب أولا (محمد حمادي) بسرد ذاكرته، عن قريته تلكلخ القريبة من الحدود مع لبنان، وعن والده الذي عمل جنديا في الجيش الفرنسي، وهنا سيتورط أحيانا في كتابة سرديات رسمية، عندما يحدثنا عن سايكس بيكو وما جرى من تقسيم للمنطقة، ولا عتب في ذلك، فالتاريخ الشعبي يبقى أكثر قوة من التاريخ النخبوي، مع ذلك سنقترب أكثر من تلكلخ وتاريخه والعلاقات المتوترة بين المسيحيين والمسلمين في داخلها ومحيطها، كما تبدو البلدة في الخمسينيات أقرب إلى بيروت منها إلى دمشق، وهذا ما يفسر إكمال دراسته الجامعية فيها.

الفكر القومي

في هذه الأثناء سيعجب الأب بالفكر القومي، خاصة أن هذا الفكر كان يتيح لأبناء الريف بالأخص، الاقتراب أكثر من عالم سوريا المركزي (دمشق) وربما هذا ما جعله يغرم بها، كما سيقبل على كتب ماركس وغرامشي والحزب الشيوعي في إيطاليا، ولذلك سيرى نفسه في عام 1968 ملاحقا من الأجهزة الأمنية، ما جعله يهرب إلى الكويت في البداية، ولاحقا إلى مدينة ميلانو الإيطالية، ومع وصوله إلى هذه المدينة، سيتوقف عن الكلام ليتيح لابنه شادي رواية قصته في المقابل. مع شادي ، سيختلف المشهد كثيرا، فهو لم يولد في سوريا، بل في إيطاليا لأم إيطالية، مع ذلك، لا يروي لنا سوء أشياء صغيرة عن طفولته، فهو مهووس بالحنين إلى ماض لا يعرفه، ولذلك سيقرر السير في الشوارع والأماكن ذاتها التي سار فيها والده، فهو كما يقول أراد أن «يتحول إلى عينيه «، لكن ليس لرؤية الحاضر والمستقبل كما يشتهي الآباء عادة، بل للعودة إلى عالم الذكريات، وهو موقف لن يخلو من بعض الترف والضياع والحماس الشبابي.

المفارقة أنه في الوقت الذي يلتقط فيه صورا لبيروت التي في ذاكرة والده، كان أبو شادي، في الوقت نفسه، يلتقط صورة من أمام وكالة ناسا في هيوستن، فالجيل القديم في هذه الحادثة يظهر هنا وكأنه يبحث عن المستقبل، بينما يبدو الجيل الجديد متورطا وغارقا في عالم الهوية، ولعل والده تقصد التقاطها، لبعث رسالة إلى ابنه مفادها، أن الحاضر والمستقبل أهم من الماضي، لكن شادي لن يكترث بصورة والده، وسيمضي في عام 2009 إلى دمشق، وهنا سنعثر على صورة سياحية للمدينة. كما لا تخلو من مبالغات وتورط في مشهد الحاضر، فمثلا نراه يثني على الفول السوري كثيرا، قبل أن يقطع هذا المشهد، ليحدثنا عن صور الأسد وعن الشرطي الذي أوقفه أمام الجامع الأموي، ليسأله: هل «أنت من الموساد؟» كما سيحدثنا عن رغبته في الدراسة في جامعة دمشق، وتراجعه عن ذلك بسبب عدم امتلاكه لبطاقة حزبية، وتبدو هذه القصص أحيانا مبالغا فيها، صحيح أن الأمن بقيت له السطوة الأولى في البلاد، لكن في السنوات التي زار شادي بها البلاد، لم نعد نلمحهم وهم يفتشون المارة إلا ما ندر، كما أن التسجيل في الجامعة لم يكن يتطلب في العقد الأول من القرن العشرين صك براءة حزبيا، وربما آثر شادي هنا تضخيم صورة الحياة الأمنية في سوريا قبل 2011 ليفسر وفق قراءته ما جرى، لكن السؤال الذي ظل خافيا هنا، هو لما كل هذا البحث عن الماضي.

أجيال المهاجرين في ميلانو

وقبل الإجابة عن هذا الأمر، كان لا بد من العودة مرة أخرى لاستئناف قصة الأب بعد وصوله إلى ميلانو. إذ سيقرر هذا الحزبي الهارب من الاعتقال، أن يقطع مع ذاكرته، وكل ما عرفه لصالح بناء شخصية أخرى أكثر اندماجا بالحياة الإيطالية، وفي هذه الفترة تبدو إيطاليا للجيل المهاجر الأول من العائلة، قادرة على دمجهم والاعتراف بهم. ولعل هذا ما سيدفعه إلى الزواج من فتاة إيطالية، ومن الاندماج في الحياة اليومية والسياسية المحلية، وكان ذلك يجري على حساب نسيان قصته في سوريا. فالنسيان أحيانا يبدو بمثابة البديل الضروري لاستئناف الحياة، وفي حالة أبو شادي مرادفا للنعمة الإلهية، مع ذلك، في المقابل سنرى أن ابنه صاحب اللسان الإيطالي، أخذ يبحث بعدها بعقدين عن أصوله، التي حاول الوالد نسيانها، وهنا ستظهر قصة أخرى ربما ستكون سببا رئيسيا في هذا الهروب نحو الماضي العائلي.

ومما يحسب لشادي هنا هي جرأته في الاعتراف، بدلا من النكران . فالسؤال الأصعب في حياتنا اليوم، لم يعد يتعلق بجمع الذاكرة والدفاع عنها ، بل يكمن في النسيان . كما أن المضي نحو المستقبل يبدو أحيانا أفضل خيار للدفاع عن الذاكرة والماضي.

ففي فترة التسعينيات، بدأت الهجرة إلى إيطاليا تسجل أعدادا كبيرة، حيث بدأت تزعزع اليقين الصلب الذي نمت عليه البورجوازية الإيطالية الصغيرة والمتوسطة الحجم ، ولذلك أخذ الصغير شادي يسمع من أمه الإيطالية (المتزوجة من مسلم) نصائح بعدم الاقتراب من الألبان أو الرومانيين، ومع ازدياد تدفق اللاجئين، كانت هناك صورة أخرى تتشكل عن شادي بين زملائه، فهو لم يعد ابن الإيطالية والمولود هنا، بل غدا ابن المهاجر الذي أخذ يتحول إلى عدو لليمين الإيطالي، ومع اكتسابه لصورة المهاجر، سيندفع نحو الشرق المفقود عله يعثر على حكاية له، إلا أن هذا التفسير لوحده لا يبدو كافيا أو مبررا للشاب للهجرة نحو الماضي، فهو يبدو أحيانا متمردا على الواقع، يبحث عن تجربة ومغامرة ما، وربما ليس شادي هو الوحيد الذي كان يعاني من هذه الأزمة في أوروبا (شعور الأقلية والتمرد) بل هو واقع شرائح واسعة من الجيل الأوربي المهاجر، وهو الواقع الذي سيدفعهم بعد عام 2011 إلى القدوم والقتال في المنطقة بحثا عن عوالم أخرى بديلة (وفق ما ذهب لذلك أوليفييه روا).
الطريف أنه بموازاة هذا البحث، كان الوالد قد رضي بخيار النسيان، ولذلك نراه يسوح ويتعرف على عوالم أخرى (أمريكا) في الوقت الذي كان فيه شادي يكتب عن قصة المهمش الإيطالي من خلال سرد سيرة عائلته. وما هي سوى بضعة أشهر، حتى وجد ان سيرته ستكتسب معان جديدة مع قدوم أحداث 2011 في سوريا، ليصبح شادي اسما مطروقا ومدعوا للحديث عن ما يجري في درعا ودمشق.
ومع أن الأحداث كانت تشجع والده أيضا على التصالح مع ذاكرته وفتح أبوابها، لكنه بدا أكثر حذرا من ابنه، خوفا من أن تتحول الذاكرة إلى صندوق باندورا، ولذلك لن يطيل الامر به كثيرا في النشاط الثوري في شوارع ميلانو، وسيعود ليقرر مرة أخرى المضي نحو عالم النسيان الذي اختاره . في هذه الأثناء حين كان شادي يبدي حماسا اكثر ، خاصة وانه اصبح مدعوا في كل يوم تقريبا لندوة هنا أو محاضرة هناك، ومع انفجار الواقع اليومي، كان العالم بأكمله يبدي اهتماما حيال ما يجري، وهو ما انعكس من خلال توافد وتأسيس مئات، إن لم نقل آلاف المنظمات الاغاثية والتنموية ، للعمل في الدول المحيطة بسوريا ، مما أخذ يولد منطقا آخر في تعامل الناشطين والمعارضين مع الثورة ، وهنا لا يمكن التعميم ، لكن يبدو أن شادي أيضا سينخرط في هذا العالم في بيروت.
وفي سرده لهذه الفترة، يحاول شادي إخبارنا أن بأن مشاركته كانت في سياق انشغاله وايمانه بما يحدث، الا أن هذا الامر، لا ينفي بالمقابل أنه الثورة السورية مثلت له فرصة اقتصادية أيضا.
فالمؤسسات الاغاثية وفرت للعاملين فيها رواتب جيدة، وعلاقات وشبكات جديدة. لكن شادي القلق يبدو أنه لن يطيل المكوث ليقرر العودة إلى إيطاليا، بعد ان شعر أن العالم لا يكترث لهذه الأزمة. ولا نعرف هل كانت عودة طوعية؟، أم انها ناجمة عن شعور بنهاية الملف السوري؟. فالقرارات أحيانا ، وان بدت أنها ذاتية ومحايدة، لكن لا يمكن نفي انها تبقى متأثرة أيضا بالأجواء المحيطة بالشخص .
ييدو أن الأب كان يتابع تجربة ابنه ، لكنه لم يرغب في منعه، لأن الرحلة كانت امرا لا مفر منه، وهنا تبدو فكرة الرحلة مع الوالد، تحمل معنى آخر، غير معنى التسلية والراحة، فهي تمثل الطريق للإجابة على أسئلة الشخص. فالسير غالبا في شوارع المدينة التي نقطنها، أو تلك التي نزورها ، ليست عملا بريئا بالضرورة، بل في نعثر في كل شارع ، على أسئلة وهواجس وإجابات .
ويبدو أن رهان الوالد سيأتي في محله، اذ سيعيد الابن شادي النظر في رحلاته إلى الشرق( سوريا وبيروت) ليكتشف أنه نسي مع والده «طريق العودة إلى ذلك المنزل (جده/الأصول) الذي تم بناؤه منذ مائة عام « ، ومع قرار النسيان هذا، سيتجه نحو بريطانيا (التي تبدو له وللمهاجرين عالما جديدا) وهناك سيعمل في وظيفة أخرى بعيدة عن عالم السياسة ، ليس خوفا أو هربا ، بل لأنه اكتشف أن قصته في البحث عن هوية قاتلة، أمرا غير نافع .
وجد نفسه شادي في نهاية المطاف وهو يسير على درب والده، فالوقت قد حان لتتوقف الذكريات عن طرق الباب. ولا بأس من أخذ استراحة مع الماضي ، أو نعيد النظر في الماضي من خلال المستقبل ، بدلا من عبادته .
ومما يحسب لشادي هنا هي جرأته في الاعتراف، بدلا من النكران . فالسؤال الأصعب في حياتنا اليوم، لم يعد يتعلق بجمع الذاكرة والدفاع عنها ، بل يكمن في النسيان . كما أن المضي نحو المستقبل يبدو أحيانا أفضل خيار للدفاع عن الذاكرة والماضي.

كاتب سوري