الرئيسية / home slide / ثلاثة أدعياء وكابوس واحد

ثلاثة أدعياء وكابوس واحد

05-05-2021 | 00:19 المصدر: النهار

سمير عطالله

ثلاثة أدعياء وكابوس واحد

يبدأ #الغرور إصابة، ويتطور الى مصاب، وينتهي الى مصيبة.
قول لقائلة 

اتخذ وباء #كورونا حتى الآن صفة طاعون القرن. الطبيعة، وقد اختلّت كعادتها، فتسرَّب منها وباء مريع، وإنْ كان ضحاياه أقل عدداً بكثير مما يوزعه البشر في ما بينهم، من قتل وتشريد وعذاب وقهر وخوف ويأس وفنون الظلم. أدّى الوباء الى ظواهر كثيرة غير مسبوقة. وقلب حياة الناس. ونشر الاكتئاب والفقر. وضاعف في مكان مشاعر الرأفة، وجفّفها جفافاً كلياً في أماكن أخرى. وحفّز مبادرات وإبداعات الأدوية، وعلى رغم طغيانه المخيف،  أثبت العِلم في بلدانه، قدرته على الاسراع في صنع الوقاية ووقف الانتشار. وحلّ الوباء في الأخبار مرة أخرى محل السياسة، فهو أكثر فتكاً وأشد خداعاً ومكراً منها. وإذا كانت متابعة الأخبار السياسية ادماناً مخدراً يمكن الشفاء منه بالمعرفة والعقل، فإن متابعة أخبار الوباء، إلزام. وحتى في الحروب العالمية، يتابع الناس جبهات معيّنة، كالجبهة الاوروبية، أو جبهة المحيط الهادي، أما حرب الكورونا، فامتدّت على مدى الكون، ولم تميّز بين دولة متقدمة وأخرى متأخرة، فعصفت بالولايات المتحدة وروسيا والصين والبرازيل والمانيا. وكان السلاح الفعّال الوحيد في وجه السموم غير المرئية، هو إغلاق الابواب والنوافذ في وجه الهاشل، كما فعلت نيوزيلندا وتايوان وفنلندا، حيث الحكم في الدول الثلاث لسيدات. والمرأة أكثر رأفة بالناس، لأنها الرَّحِم الذي يلده. صدر كتاب لوزير الخارجية الليبي السابق الدكتور #عبد الرحمن شلقم بعنوان “حلبة السطور”. والدكتور شلقم شاعر ومفكر وكاتب سياسي واسع الآفاق. يتحدث في كتابه عن رواندا، حيث أقبح مجازر القرن الماضي، وأعمق المصالحات. ويقول إنه من أجل نجاح المصالحة خصص الرئيس كاغامي ثلث البرلمان للنساء لأنه يرى “ان المرأة هي الأقدر على بث روح المصالحة والتسامح في  المجتمع، وهي الدرع التي تقاوم العنف وتنتج جيل الحياة، وفرحتها بالتعايش والتسامح”.البلدان الأكثر تضرراً بوباء كورونا، كانت ثلاثة: الهند والبرازيل والولايات المتحدة. ليس لأنها الأكثر عدداً، فالصين أكبر من الهند. وليس الفقر، فالولايات المتحدة أغنى دول العالم. السبب الواضح ان شعوب هذه الدول انتخب كل منها رئيساً مريضاً بالغرور. وهنا أكرر دائماً كلام الراحل الشهابي علي بزي، يوم قال: “قيل لي إن فلاناً أصيب بالمرض، فقلت شفاه الله، وقيل إنه أصيب بالغرور، فقلت رحمه الله”. في بلاد العلوم، على انواعها، أزاح دونالد #ترامب العلماء جانباً، وراح يبلغ الاميركيين يومياً بما يجب ان يفعلوه. ومن نصائحه الشهيرة ان يتناولوا مساحيق الغسيل. ثم أصيب هو نفسه بالمرض. وفي البرازيل التي انتخبت جايير بولسونارو، صاحب الشعبويات المفلسة، قال الرجل لشعبه: نحن البرازيليين لا نصاب بالوباء، ثم أصيب هو وزوجته و15 مليوناً من مواطنيه. ومع هذا الرجل ورؤيته، تدهور اقتصاد البلاد، ودُمرت مراحل النمو الشديد التي سبقت صوله. رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، فرح بوصوله الى زعامة اكبر دولة ديموقراطية في العالم، قادماً من بدايات شديدة التواضع، فخيّل إليه أن العلم يأتي تلقائياً مع السلطة. وهكذا، أبلغ 1,3 مليار هندي في كانون الثاني الماضي، ان الجائحة قد انتهت، وأعلن متفاخراً أن “الهند صيدلية العالم”. ونام الهنود على حرير ولم يستعدوا لمواجهة المزيد من الهلاك، ثم أفاقوا ذات يوم على مئات آلاف الإصابات وليس في “صيدلية العالم” ما يكفي من أوكسيجين وأدوية ولقاحات، ودبّت الهند الصوت على الأمم: أوكسيجين. هناك رؤساء كثيرون اخطأوا في مواجهة كورونا. بريطانيا اخطأت في البداية، ثم أصيب رئيس وزرائها. فرنسا تقاعست في اللقاح. لكن ثلاثي الغرور الفارغ تسبب بوفاة الملايين، من دون تحمّل مسؤولية مباشرة. وظل بعض الاميركيين مصراً على اعادة انتخاب ترامب. وظلت جيوشه الالكترونية تهاجم خصومه وتزوّر كلامهم وصورهم، ومنها فيديو لنانسي بيلوسي وهي سكرى غير قادرة على الكلام بطريقة عادية. أصاب داء الغرور السياسيين والحكام عبر التاريخ. لكن في المرحلة الراهنة تحوَّل الى وباء كاسح. وزاد في حدّته تفاقم الكورونا وتصاعد موجات المهاجرين الى اوروبا. وكما توقّع جميع قارئي التاريخ، ظهرت الفاشية من جديد، وأطل اليمين العنصري في بلاد راقية مثل النمسا، لا تتخلى عن عاداتها القديمة: مرة ترسل الى العالم موزارت، ومرة هتلر. هي صوت النازية، وهي “صوت الموسيقى” ومهرجانات سالزبورغ. وفي جارتها وتوأمها الامبراطوري، هنغاريا، بلغ السلطة فيكتور أوربان، الديكتاتور الوحيد في أوروبا اليوم. لقد أخرج بلاده من صف دول القانون والرقي. وفي شباط الماضي استنكرت الخارجية الاميركية وفرنسا وضع الحريات الاعلامية في بودابست، باعتباره لا يليق، لا بالحريات ولا بأوروبا. يتعامل الغرور مع البشر كأنهم جزء من أملاكه الخاصة. وقلّما ينظر اليهم كأرواح ونفوس، وإنما كهبات قيد التصرف. إذا ما جاعت فمن أجله، وإذا ما افتقرت فهو واجب وطني، وإذا ما ماتت، فالحظ قليل. ترك ترامب اميركا وهي في بطالة لم تعرفها إلا في سنوات الركود الرهيب، ثلاثينات القرن الماضي. وكانت تلك سنوات قاحلة في كل مكان. ودمّر التضخم ثروات العالم. ورمت الناس بنفسها من المباني العالية هرباً من ذلّ حياتها. لكن الهرب ليس حلاً. وأعود مرة أخرى الى عبد الرحمن شلقم، الذي يعلن في كتابه، ان “الإنسان هو الحل”. الإنسان الذي يجعل رئيس باكستان يقول، أمام هول ما يحدث في الهند، إن “الهنود اخوة لنا”. ثم يرسل اليهم الاوكسيجين متجاوزاً حروباً قائمة منذ 1947. والإنسان نوعان، واحد يقتل على الهوية، وواحد لا يطلب هويتك وهو يساعدك. واحد أصغر من الحقد، وواحد في حجم الإنسان. ربما لا يكون ترامب اسوأ مَن انتخبه الاميركيون. لكن ناريندرا مودي حتماً اسوأ مَن انتخبت الهند، لأنه وحزبه يضعان البلاد على عتبة حرب جديدة بين الهندوس والمسلمين. ولم يلحظ حتى الآن ان مدافن المسلمين في نيودلهي لم تعد تتسع للمزيد من جثث ومحارق كورونا. الهندوس انهارت تحت ثقل الأعداد. فضحت كورونا مسؤولية المسؤولين ومستويات القيادة. المحن الوطنية امتحان. مفترق بين النجاح والفشل، الحكمة وعكسها، طغيان الانانية وسماح البشرية. ظل ترامب مصراً على قدراته الطبية وعلم الأوبئة، وظل بولسونارو مصراً على الشوفينية التافهة، وبقي مودي مقتنعاً بعبقرياته الى ان شاهد بلده  في مشهد مثل يوم القيامة. المأساة في الغرور انه يقتل في كل اتجاه قبل ان يقتل صاحبه، ومأساة هذا أنه لا يملك ما يتباهى به سوى أخطاء سواه. وأنا لا أقترع في أميركا أو البرازيل أو الهند. لكنني شعرت بحموضة في فمي عندما فاز ترامب وبولسونارو، وعندما حلّ المهرج مودي في كرسي نهرو وانديرا غاندي وأمناء الديموقراطية الهندية. لم يدرك أهل هذا العالم حتى الآن، أن أمام المغرور طريقاً واحداً: الخراب والهلاك. الغرور مرض لا شفاء منه، ولا لقاح.