الرئيسية / home slide / ثقافة التدليس «السياسوي» في الجمهورية المحتضرة

ثقافة التدليس «السياسوي» في الجمهورية المحتضرة

 وسام سعادة
القدس العربي
05072021

قامت في زمن «الجمهورية الثانية» التي ترعرعت في كنف الوصاية السورية في الأساس، ثقافة سياسية تطرح نفسها على أنّها ثقافة نقدية، أو إعتراضية، أو تواقة لإنقاذ الجمهورية الثانية التي تجد مرتكزاتها في اتفاق الطائف، من كنف وصيّها، أو من شرور أركانها وأقطابها، بحيث يمكن أن تطابق هذه الجمهورية الصورة المثالية التي نسجها المتعبون من الحرب الأهلية عن دولة السلم الأهلي، والمواطنية المحروسة بحاكمية القانون.
هذه الثقافة السياسية انصب تركيزها على نقد خروج الجمهورية الثانية عن نفسها، وعن نصها، إنما لصالح الغرق في الدعوة إلى «بناء الدولة» هكذا بالمجرد، دون تحديد أي دولة هي المنشودة، ومع المكابرة على أن الدولة، أي دولة من نمط معين، ناقصة أو فاشلة أو ما اشتهيت لها من أوصاف، هي مع ذلك بالفعل موجودة في لبنان، وترتكز إلى بيروقراطية ضخمة، بصرف النظر عن فعالية وكفاءة ما تقوم به هذه البيروقراطية، والفعالية والكفاءة بالنسبة لمن. فهل المقصود استصلاح الدولة القائمة أو استكمالها، للاقتراب من تلك المنشودة، أو أن الانتقال من هذه إلى تلك ممتنع من دون تجذير فعل قطيعة شامل بين النموذجين؟ بدلاً من الإجابة على سؤال بهذه البداهة حين يتعلق الأمر بمفهوم الدولة فضّلت ثقافة التجريد السياسي هذه الحديث عن «غياب» الدولة والدعوة إلى بنائها، بحيث لم تعد تعرف اذا كان بناؤها يكون على أنقاض ما سلف، أو على أساس استئصال هذه الأنقاض أيضاً. كل هذا قبل أن تكتشف أن رواد الكلام بهذه الدرجة من المطلقات، والذين يقولون لك إنه ليست هناك دولة، ويجب بناء دولة، لا يسعون إلى كتابة دستور جديد أصلاً، بل إن جذريتهم اللفظية في موضوع تغييب واستحضار الدولة، تقترن برغبة محافظة على الدستور الحالي للدولة الحالية، بدعوى أنها لا تطبقهم، وهم يطالبون بتطبيقه!
وعلى المنوال نفسه، تتعاطى هذه الثقافة «السياسوية» مع كل كل صعوبة يطرحها مفهوم أو يصدمنا بها واقع. تارة بانكار المفهوم وتارة بانكار الواقع. هذا يقول لك ليس عندنا دولة والمطلوب واحدة، والآخر ليس عندنا مجتمع، والثالث ليس في هذا المجتمع طبقات، والرابع ليس فيه اقتصاد، وهكذا. أما اللازمة عند كل «شارلاتانات» هذه الثقافة السياسية، التي هي في نفس الوقت الثقافة السائدة في الجمهورية الثانية وتطرح نفسها كنقيض لمن يتولى زمام هذه الجمهورية التي بلا زمام، فهي لازمة الحديث المعاد المكرر، قبل وخلال وبعد الحرب، عن الزبائنية والمحسوبية، كما لو كانت هي المشكلة التي لو أوجدت حلا لاشتغل محرّك الدولة كما يجب.
فبالنسبة إلى ثقافة التدليس وأساطينها والمتحلقون حولهم، ولما كان لبنان «بلد غير منتج» اذا ليس ثمة «علاقات إنتاج» فيه، الا فيما ندر وقصر، وليس ثمة تقسيم للعمل فيه، بما أن الجميع منخرط في شبكات من الأرباب والزبائن، الأوائل يرشون المواطنين، والآخرون يتنازلون عن مواطنيتهم لقاء هذه الرشوة ويبيعون الأوائل.
هكذا قامت ثقافة نقدية واعتراضية وتغييرية زائفة على قاعدة مسخ كل مقاربة ممكنة للتركيبة الاجتماعية في لبنان. بالنسبة لمزاولي هذا التدليس، وحدها العلاقات السياسية – الأمنية هي القائمة في لبنان. التفاوت في الثروة، التفاوت في العنف، يفسران بها فقط. المجتمعي موجود، الاجتماعي محذوف.
وهكذا يجري ابتداع مجتمع ليس فيه فقط علاقات إنتاج وتوزيع، بل ليس فيه علاقات اجتماعية بالفعل، انما فقط علاقات سياسية أمنية، جهوية هنا وزبائنية هناك. حصص وغنائم ورشاوى وشراء ذمم وفتات. بهذه الأوصاف يراد تحليل الواقع، والأدهى أيضاً يراد تغييره نحو الأفضل.
وكل هذا للخروج، خاصة بالنسبة إلى القسم اليساري من ثقافة التدليس في هذه الجمهورية الثانية، من مقاربة الأمور من موقع كيفية تعين وتوزع خارطة وأصناف العمل المأجور ورأس المال في تركيبة وحركة البلد.

رواد الكلام بهذه الدرجة من المطلقات، والذين يقولون لك إنه ليست هناك دولة، ويجب بناء دولة، لا يسعون إلى كتابة دستور جديد أصلاً، بل إن جذريتهم اللفظية في موضوع تغييب واستحضار الدولة، تقترن برغبة محافظة على الدستور الحالي للدولة الحالية

بالنسبة لهؤلاء، العمل المأجور ورأس المال لا يدخلان في الاعتبار لفهم المجتمع اللبناني الا لماماً!
لقد قامت ثقافة التدليس هذه على اثنتين.
نفخ السياسة لأجل تحويلها إلى كل شيء، ولا شيء.
والحال أنه ثمة فارق كبير بين أن تكون السياسة في كل شيء، أو أن يكون كل شيء قابلا للتسييس، أي أن يرتبط بثنائية «صديق في مقابل عدو» التي اعتبرها كارل شميت الأصل في مفهوم السياسة، وبين أن تكون السياسة هي كل شيء.
عندما تكون السياسة هي كل شيء، لا يعود هناك تقسيم اجتماعي للعمل، ولا علاقات إنتاج، ولا حتى علاقات اجتماعية فعلية في المجتمع. كل ما هناك هو سياسة «ما قبل حديثة» أو «متوحشة» يريدون استئناسها، والمضي بها إلى منعرج الحداثة. لكنها حداثة منزوع منها روح الحداثة نفسها، روح التوثب لآفاق غير منظورة بعد. يريدون حداثة تكرارية، رجوعية، ماضوية.
بالتالي، أن تكون هناك أكثرية شعبية محدودة الدخل، وأن يكون أكثرها واقع ضمن «العمل المأجور» وخارج كل تمثيل سياسي مباشر، وأن يكون اندماج الطبقات الشعبية التي تمثل هذه الأكثرية السكانية في النظام السياسي، بما من شأنه أن يفتح لها باب المشاركة والتمثيل يتطلب مراجعة النظام السياسي نفسه، بل مراجعة النظام الاجتماعي، فكل هذا ليس على الخاطر ولا في البال بالنسبة إلى هذه الثقافة النقدية المدجنة والتدجينية.
ما تدمن عليه هذه الثقافة التدليسية هو الترداد طول الوقت «ان المشكلة في السياسة، وحلها في السياسة».
بالتالي لا أحد يتعب رأسها بنموذج متعدد لمستويات البنية الاجتماعية. لا بنية اجتماعية فعلية للمجتمع في عرف هؤلاء، بل سياسة في سياسة. سياسة متوحشة يراد استئناسها، طبقة سياسية فاسدة يراد إبدالها بـ«أوادم» و«تكنوقراط». سياسة مسيّسة للدين يراد إبطالها بسياسة علمانية مفصولة عنه. سياسة منحازة لإيران يراد تحييدها عنها. كلّ يُنكِّه «سياسويته» بما يعتبر أنه «القضية الجوهر» وكل يعتبر أن حل هذه المشكلة السياسة هو في السياسة.
ثقافة كاملة مبنية على تجاهل التصدع في القاعدة الاقتصادية الاجتماعية التي يقوم عليها البلد، والتي يمكن أن يخاض مطولا في علاقتها غير الأحادية البعد، مع نظامه السياسي وارتباطاته الخارجية، وقوانينه المنصوصة وتلك المطبقة، وثنائية» الوطن والمهجر» إنما لا يمكن التصرف كما لو أنها قاعدة اقتصادية غير موجودة، أو أنه إذا كانت موجودة فالتصدع لا يصيبها، وإنما ينحصر بكل ما فوقها.
ولا أنّ القاعدة الاقتصادية للمجتمع قائمة في فضاء منعزل عن انقسامه بين الجماعات، وعن التفاوت في التشكل الإثني لهذه الجماعات، وعن التفاوت في التشكل الطبقي ضمن كل جماعة.
وهذا الاجتماع بين التفاوت في التشكل الإثني للجماعات التي نسميها طوائف، وبين التفاوت في التشكل الطبقي لكل منها، يوجد القاعدة المادية المزدوجة للفصام الكبير، بين نزاعات تتخذ شكل «صراع طائفي بين الطبقات» ثم تتحول إلى «صراع طبقي بين الطوائف».
بدلاً من التفكير في أي شيء من هذا القبيل، تفضّل السياسوية التشاطر على «الاجتماعي» بحصره في «الجزئي» و«المطلبي» في حين ان الطبق الرئيسي هو للسياسة، كما لو كان طبقها الذي تقدمه هو فعلا سياسة.
السياسوية تتحجج دائما بخطر الاقتصادوية، لكن «يا محلاه» تفسير كل شيء بالاقتصاد أمام استبعاد التفكير بالاقتصاد بالمعنى الفعلي، انطلاقا من علاقات الإنتاج والتوزيع.
مع دخول البلد مرحلة الانهيار وخطر الاضمحلال منذ نحو عامين، امتعض رواد ومدمنو ثقافة التدليس هذه كل مرة سمعوا فيه كلاماً حول الطبقات الاجتماعية. تمسكوا بفكرة واحدة، وهي أن الانهيار قائم على الجميع. فاتهم أن الانهيار شامل، صحيح، لكنه متفاوت. ويزداد تفاوتاً ضمن هذا «الجميع» المتخيّل.
وهذا التفاوت هو طبقي وطائفي، وليس تفاوتاً حسب موقع كل واحد «في السياسة».
والسياسة ليست سحراً يفترى، إنها الخوض في صداقة أو في عداوة بناء على تسييس معطى ما. كل سياسة هي تسييس لأمر ما، تسييس لاقتصاد أو لاعتقاد أو لمعاش أو لآخرة. والا استحالت السياسة فقاعة تنتفخ ثم تنفجر.

كاتب لبناني