اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / ثابرت وحصلت على شهادة مهنية وصارت المحركات بتصرفها حكاية سميرة مع الـ«موتسيكات»: أحببتها منذ الصغر واكتسبتها بالنظر وبت معروفة بـ«شغلي النظيف»

ثابرت وحصلت على شهادة مهنية وصارت المحركات بتصرفها حكاية سميرة مع الـ«موتسيكات»: أحببتها منذ الصغر واكتسبتها بالنظر وبت معروفة بـ«شغلي النظيف»

منذ 11 ساعة

بيروت ـ «القدس العربي»
زهرة مرعي
القدس العربي
03042022


من المؤكد أن سميرة «اللي بتصلّح موتسيكات» في الطريق الجديدة لا تشبه باقي النساء، امرأة واثقة بنفسها وبنجاحها في مهنة اكتسبتها بقوة الملاحظة. فهي ليست شغل «نسوان».

يأتي من يخاطبها «مْعَلّم» سائلاً عن موعد لإصلاح درّاجته النارية. بين يديها محرك درّاجة وصلها من مدينة صيدا بعد فشل إصلاحه هناك. تتابع عملها ونحن نتابع الحديث معاً. وبكل تأني تعمل لإزالة الصدأ عن بعض أجزائه. تعتز بخبرتها، وبأن قاصدها من عاصمة الجنوب متأكد من مهاراتها و«شغلي نظيف وهاي مصْلحتي».
سميرة سيدة معروفة في منطقة طريق الجديدة خلف الجامعة العربية. كل من سألته لأصل إليها أرشدني إلى العنوان. تعتز بقوتها التي تساعدها في فك وتركيب قطع المحركات. «الشغل مش عيب» تقول لـ«القدس العربي». وهي لا تؤمن بشغل للنساء وآخر للرجال.
في ثمانينات القرن الماضي أتقنت سميرة المهنة التي كانت لزوجها وليد المصري. لدى زواجهما سكنا في المبنى الذي يقع المحل في أسفله. كانت عروساً تملّ من ملازمة منزلها وحيدة، وليست على ود مع الزيارات. نزلت مراراً إلى المحل معبّرة عن مللها ووحدتها في المنزل. تكرر مكوثها إلى جانب زوجها وهي تراقب، وتسأل؟ وزوجها يستفسر «لشو كل هالأسئلة»؟ عبّرت صراحة عن رغبتها بتعلم المصلحة. وكان الرفض قاطعاً «مش شغل نسوان».
عيناها ثابرتا على التحديق والتفحص والاكتساب. وفاجأت زوجها في غيابه بفك محرك وإصلاحه وإعادة تركيبه. وحصلت على اعترافه بأهليتها للمهنة.
مع سميرة طاهر حسن هذا الحوار:

○ يبدو أن طريق الجديدة جميعها تعرفك؟
•الحمد لله. ليس فقط طريق الجديدة، بل أيضاً في صيدا وطرابلس والبقاع. الحمدلله معروفين.
○ وهل يقصدك الزبائن من كل لبنان؟
• هذا الموتور أتوا به من صيدا. نفضه صاحبه «برّا» ولم يُعجبه. هاتفني وقلت له بفكه عن الشاسي واحضاره لي. بعد إصلاحه عليه تركيب «الأكس والبراغي ويدَوِّر».
○ متى بدأت رحلتك مع هذه المهنة؟
•منذ الثمانينيات. عندي رغبة قوية بهذه المصلحة التي هي مصلحة زوجي.
○ هل وافق على تعليمك؟
•أبداً. في بداية زواجنا قلت له أني مللت العيش بين أربعة جدران في المنزل «خليني أتعلم المصْلحة»؟ كان ردّه «ما عنّا نسوان بتشتغل». قلت له «طيب أنزل لنشرب قهوة معاً ونتحدث ونتسلى بالمحل»؟ وافق بالقول «إذا هيك بسيطة تفضلي». في الأيام الأولى كنت أراقب بصمت. ثمّ صرت أسأل «شو هاي وليش هاي ووو»؟ وبدوره يطرح السؤال عن حاجتي لهذه المعرفة. فقلت له بأن سؤالي في مصلحته يشبه سؤالي عن الطبخ. فرد بأن المحرك يختلف كثيراً عن «الطبخة». جمعت معلوماتي ومعرفتي بالنظر. ولم يمض وقت طويل إلا وصرت أناوله المفاتيح التي يحتاجها من 10 إلى 22 وهو يستغرب إتقاني السريع لهذه التفاصيل. ولاحقاً بات جريئاً في طلب كل ما يريده مني.
○ وهل طالت رحلة تلبية طلبات المعلِّم؟
•رحت أرجوه لأفك هذه القطعة أو تلك. جوابه الدائم «صعبي ما بتقدري». وافق بعد طول رجاء وقال مهدداً: إن قلت «إيدي بتوجعني بدي أضربها بالشاكوش». وهكذا بت أفك وأركب تحت نظره وهو راضٍ. وقي يوم قال لي: «حطيتي الشغل براسك وطلع منك وصرت بنت المصلحة». وفي كل مرّة كان الشغل يتكاثر حواليه كان يستجيب لطلبي بمنحي فرصة الفك والتركيب تحت ناظريه. وراح كل منا يعمل على محرك، لكني كنت دائمة السؤال له، إلى أن ضاق صدره وقال لي: أمسكتي كل المصلحة لا ينقصك شيء، علمناك الشحادة سبقتينا عالبواب».
○ ومتى حصلت على ثقته المطلقة؟
•في أحد الأيام كان في عمل خارج بيروت. نزلت لفتح المحل وكان فيه محرك يحتاج للفك. طلبت من الشغيلين مساعدتي، فخافا وتهيبا الموقف. وعندما رفضا طلبت منهما مغادرة المحل، فساعداني على مضض. بدأت العمل والخوف يحاصرني. انتهينا من الفك والتركيب، ووضعنا المحرك على الشاسي وهو كبير 400 وليس لعبة صغيرة. أدرناه وبدا صوته كما الحمامة. كان المحرك حينها شغلة كبيرة. بعد فكه نركب له «الكرنك العمومي، والقشور، والبيالات، والبيستون سيغمون، وجنزير صدر، ثم عيار الصباب» وانتهى الأمر. وجميعها قطع حساسة لا يمكن الغلط بأي منها.
○ وماذا قال زوجك عن نتيجة عملك؟
•سأل عن الـ«موتسيك» الذي أمام المحل. قلت له أتى به أحدهم طالباً فحصاً شاملاً للمحرك «عم يقطش». أداره زوجي عدة أمتار أمام المحل وقال: ليس بالمحرك أي عيب، ناعم كالحمامة. اكتشف أننا أصلحنا العطل لكنه علّق بالقول «أكيد مش انت جمعتي»؟ هنا ردّ الشغيل: بلى يا معلم. وعلّقت بالقول: مما تشكو المرأة؟ فعلها أكبر من فعل الرجال. بعد هذه الواقعة سلّم بمهارتي. وقال المحركات بتصرفك.
○ هل سبق ودرست ألف باء محركات الدراجات النارية؟
•أبداً. بل عندي رغبة بالـ»موتسيكات» منذ الصغر. صرّحت كثيراً عن حبي للمصلحة، وزوجي ردد كثيراً «بدا رجال يا مرا وانتو صنف منعنع». كان عندي إصرار وقناعة بأن أصابع اليد ليست متساوية.
○ أنت وحيدة في المحل ألا تحتاجين لمساعد؟
•صدف اليوم أن الشغّيل مريض، ولهذا أفك المحرك وحيدة لإصلاحه وإعادة تركيبه. أحمله وأركبه على الشاسيه رغم تحذير الطبيب، فقد تعرّضت لكسور كثيرة في مشط القدمين عندما انقطع حبل المصعد وكنت بداخله. جلست لمدة سنة على الكرسي وبالتدريج بت استعيد الإحساس بعصب القدمين. لم أترك العمل، كنت أجلس على الكرسي وأطلب من الشغّيل مساعدتي.
○ وماذا يعمل زوجك الآن؟
•يُحضر ما نحتاجه من بضاعة للمحل. نحن نتعاون معاً.
○ وهل انتعشت المصلحة عبر التعاون؟
•عندما بدأت العمل كانت الأيام حلوة. لكننا ومنذ خمس سنوات تقريباً نسير إلى الخلف كما كافة الأعمال في لبنان.
○ مع العلم أن الدراجات النارية تغزو شوارع بيروت ألم يرتفع الإقبال على تصليحها؟
•أتعامل مع زبائن دائمين وليس مع «المارق ع الطريق» إلا إذا كان مقطوعاً. من الزبائن الدائمين مصرفان، وعدد من مطاعم الديليفري، وبعض الصيدليات. هؤلاء لهم الأولوية حتى لو قصدوني ليلاً، إنه الإلتزام. أترك أي عمل لتلبيتهم أولاً.
○ متى أزعجتك هذه المصلحة؟
•في البدايات. كان يقصدنا زبون طالباً تغيير كولية، أو «ريفيزيون». وعندما يطلب مني زوجي استلام الشغل، يرفض الزبون وصوته بالعالي «ما بدي.. ما بدي مرا بتخربلي الموتسيك». عندها يقنعه زوجي بأنه هو من سيقوم بالمهمة، وبمجرد أن يدير ظهره يقول لي «تفضلي بلشي شغل». وعندما يعودون لتسلم دراجاتهم يشكرون المعلم وليد، وبدوره يطلب منهم شكري، فيستغربون بنبرة عالية رغم أن العمل يكون على أكمل وجه.
○ وكم لزمك من الوقت حتى حصلت على ثقة الزبائن؟
•بحدود السنة تقريباً.
○ لم يثق بك الرجال لإصلاح درّاجاتهم النارية سوى بعد معاناة. ماذا عنك هل تثقين بالطبيبات على سبيل المثال؟
•بكل تأكيد. أشجع عمل النساء والفتيات في كل المهن. وأتمنى لو تطرد النساء من قاموسهنّ كلمة صعب ومستحيل. أدعو النساء إلى العمل، ولإثبات ذاتهن كما الرجل وأكثر. للمرأة قدرة تفوق الرجل، فبالها طويل، وتتميز بصبر كبير على الصعاب.
○ وهل نشأت أبنتك الوحيدة على هذه المبادئ؟
•نعم. لم ترغب بمتابعة دراستها الجامعية لأنها وجدت من سبقها إلى التخرّج يعملون في المطاعم. فتحت محل سمانة، وتزوجت وأنجبت طفلاً وأصبحت «تيتا».
○ وهل واجهتك انتقادات من السيدات لهذه المهنة التي اخترتها؟
•كثيراً. سمعت من الجارات والمعارف من النساء تعليقات مسيئة. قلن: «شحم وانت مرا؟ هيدا شغل نسوان؟ كيف بدك تقعدي بين الرجال؟» أسكتهم بالقول كل منا حرٌ بحياته، أعمل بما أرغبه. والحقيقة أن الجارات قاطعنني لأشهر طويلة. لكن عندما زاع صيتي كميكانيكي ناجحة في إصلاح محركات الموتسيكات، دبّت الغيرة بهنّ وراحت كل واحدة تبحث عن عمل لنفسها بمعية زوجها. عندها مازحتهم بالقول: شوووو بالشغل مبين؟ جاء الرد: «عديتينا». وتابعن: لديك الحق فالعمل ضرورة، لكن مهنتك صعبة بالنسبة لنا، أنت قوية البنية ونحن لا قدرة لنا على المحركات.
○ وماذا عن والديك وعائلتك وكنت في البدايات صبية؟
•قاطعوني. بحسب قولهم لم يزوجوني لأعمل بالشحم و«القعدة» بين الرجال. لم يكن عندي حل سوى القول بأنني على ذمّة رجل ولم أعد تحت وصايتهم.
○ وهل أزعجك أحد الزبائن لكونك امرأة؟
•لم أتح فرصة لأي منهم. أتعامل مع الجميع بجدية تامة. الآن اختلف الوضع وبت على معرفة وثيقة بالعدد الأكبر من الزبائن. منهم من يُصرِّح متأخراً بأنه لم يكن يهضمني في البداية، وأني بت الآن كما العسل.
○ وكيف تتنقلين داخل بيروت؟
•عادي «ع الموتسيك». عندي سوزوكي 125 وعندما اضطر لحاجة ما وزوجي غير قادر على إحضارها، عادي «بدوِّر الموتسيك وبروح جيبا». في شبابي قدْت الـ1100 و 1250. وتضحك مضيفة: إنها موتسيكات السباق.
○ كيف يبدأ نهارك وكيف ينتهي؟
•أفتح المحل في الثامنة والنصف صباحاً، وفي الخامسة والنصف عصراً أقفل. يتخلل هذا الدوام ساعة غداء مع زوجي في منزلنا. بعد الإقفال فوراً إلى الاستحمام، ومن ثم تأمين غذاء اليوم التالي وغير ذلك من متطلبات المنزل. ويوم الأحد أجتمع مع صديقاتي إما خارج المنازل أو في منزل احدانا. جميعنا يحتاج للترويح عن نفسه.
○ هل جرّبت استعمال الكفوف لتخفيف عناء الشحم عن يديك؟
•جرّبت ووجدت العمل صعباً معها وحتى مستحيلا. شعرت معها وكأني «مربّطة». عندي منظفات خاصة لإزالة الشحم. وقبل النوم أغذي يدي بكريمات خاصة.
○ هل أختلفت المحركات من الثمانينيات إلى الآن؟
•طبعاً دائماً هناك تجدد، وبمجرد فك الـ«موتور» نفهم داخله. «ما بقا يعصى علينا شغل».

كلمات مفتاحية

 زهرة مرعي