توقعات 2020

تصوير نبيل اسماعيل.

بداية كل عام تستوجب تفحص آفاق الانجاز والحريات في البلدان المعنية، وحيث الحكام حريصون على مراجعة التطورات العالمية للاستفادة من توجهات جديدة تتوافر فيها فرص لتحقيق نمو بمعدلات حقيقية، فأين نحن من تفحص آفاق 2020؟

التوقعات اليوم غير مشجعة. فالعجز في الموازنة الذي كان يقدر بـ7.3 في المئة لعام 2019 أصبح على مستوى 11.5-12 في المئة وهذا المستوى بالغ الارتفاع ولا يشجع على الاقتراض الخارجي لان تقويمات قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية غير مقنعة وتصرفات المصارف تبعث على الخوف لدى غالبية اللبنانيين على ودائعهم.

الوديعة بمفهومها القانوني هي نتيجة ثقة المودع بالمصرف المعني، والتشريعات القائمة حتى تاريخه تؤكد سلامة الودائع، وحتى أزمة بنك المدينة عام 2003 تولت السلطات النقدية تعويض المودعين أموالهم، وصيف وخريف عام 2016 أنجزت عملية ما سمي الهندسة المالية وضخت مبالغ ضخمة لانقاذ عدد من المصارف كانت بينها ثلاثة أو أربعة مصارف مهددة بالعجز الأمر الذي كان سيفجر القطاع المصرفي، والخوف اليوم هو من العجز عن منع وضع كهذا.

ان جمعية المصارف برئاسة سليم صفير الذي يُعتبر مصرفه الاكثر تقنينًا لتوفير ودائع الزبائن وهو يسعى إلى تسويق فروع بنك قبرصي ابتاعه لشبكته المصرفية في أوستراليا واختياره رئيسًا لجمعية المصارف كان اختيارًا سياسيًا في المقام الاول.

لقد طرحنا حلاً يحافظ على سعر صرف الليرة ويؤمن سيولة بالدولار كافية لتحريك الاقتصاد واقتراحنا كان ولا يزال خارج السلة من المقترحات التي تمحورت على زيادات الضرائب – مثلاً زيادة الضريبة على ارباح المصارف 600 مليار ل. ل – علمًا بان المصارف لا يمكن ان تحقق ارباحًا ما دامت غير مهيأة لتمويل الاستيراد، ومنح القروض، وإجراء عمليات التمويل للحاجات اليومية والحاجات التربوية والصحية وما شاكل ذلك.

ان الحل الذي نؤكد جدواه ينطلق من اعتماد الشركات الكبرى الاجنبية في مجال انتاج الطاقة وتوزيعها والاستغناء تدريجاً – خلال سنة في أبعد حال – عن مصلحة كهرباء لبنان. فليست للبنان أي مصلحة في هذه المصلحة التي بلغت تكاليف دعمها 33.9 مليار دولار خلال السنوات 2010-2019 وبعد احتساب الفائدة بمعدل 6.5 في المئة يصبح حجم الاستقراض بالعملات الاجنبية موازيًا لـ52 مليار دولار أو 58 في المئة من الدين العام. ان هذه الخطوة الواجب اقرارها لا بد منها لحماية الاقتصاد اللبناني ومنع تفجر القطاع المصرفي، واذا لم تأخذ مجراها يكون الحكم قد اضاف الى تثقيله الدين العام، تثقيلاً جديداً، لن يتوافر من الخارج لان الذين التزموا دعم حاجات لبنان عام 2018 في مؤتمر سيدر اشترطوا ان تكون هنالك بالفعل لا القول معالجة جدية تبعد الوزراء الهواة في أحسن حال عن مسؤولية ادارة قطاع الكهرباء والمياه.

ان معالجة معضلة الطاقة هي المدخل لإستعادة النمو بمعدلات بسيطة والحيلولة دون توسع دائرة العوز سواء في القطاع العام او القطاع الخاص، وعندئذٍ يمكن تطبيق خطة لانقاذ الوضع المالي تتمثل بالآتي:

تشكيل هيئة لدى مصرف لبنان تشرف على تحويل 10 في المئة من ودائع اللبنانيين بالدولار لدى المصارف الى الليرة اللبنانية، وتبقى هذه الاموال في حساباتهم، والعشرة في المئة من الودائع المشار اليها المتوافرة بالدولار والعملات، يتوافر منها للمصارف 8 مليارات دولار يمكن ان تستخدم في تغطية نسبة أكبر من حاجات المواطنين من العملات الاجنبية وتغذية المشتريات بالعملات الأجنبية لسد الحاجات الضرورية ويمكن توقع تغذية المليارات الثمانية حركة اقتصادية تبلغ 40 مليار دولار لان كل دولار يصرف يدور في الاقتصاد خمسة أضعاف كل عام، وتالياً نتفادى تفجر المصارف والمآسي التي ترافق نتيجة كهذه على مستوى الوطن.

الحكم حتى تاريخه لم يبرهن عن تفهمه للمواضيع الاقتصادية ذات الابعاد المجتمعية، فقد كان هم الوزراء تفحص الفائدة التي تتأتى من كل مشروع يقرونه، وبما ان المشاريع التي ابتدأت لم ينجز منها سوى جسرين بسيطين في منطقة جل الديب، واتصالات الهاتف والانترنت بالألياف البصرية لم تتحقق ولا تزال تكاليف الاتصالات تفوق ما يسمح بتوسيع نشاطات ترتكز على هذه الوسائل، سيبقى لبنان مغيبًا عن الانجاز في العالم النابض اليوم.

اننا نعلم ان من اشرفوا على توسيع الآثار الضارة للازمة التي نعيشها لا يستمتعون بالقراءة وحيازة معلومات جديدة، وربما لفت انتباههم الى موضوع جدي جدًا تعالجه سيدة أميركية اسمها Nina Webb وهي اختصاصية في علوم البرامج الالكترونية ومشاركة في ابحاث تطويرها، وهي قد وضعت كتابًا عنوانه The Big Nine تشير فيه الى توقع سيطرة تسع شركات اختصاصية في الذكاء الاصطناعي على نسبة 50 في المئة من حجم الانتاج العالمي في 2030، والشركات الاميركية المعنية هي شركة غوغل، وشركة آي بي ام، وشركة فايسبوك، وشركة أمازون، وشركة مايكروسوفت، وشركة آبل، وتضاف الى هذه الشركات ثلاث صينية هي شركة علي بابا، وشركة بايدو، وشركة تانسنت.

ان المؤلفة تشير الى ان هذه الشركات ستوفر المشتريات لاصحابها في منازلهم، والعلاجات الصحية الالكترونية، والخدمات التعليمية وستزيد نسبة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. ولا شك في ان اعتماد الذكاء الاصطناعي يمكن ان يفيد لبنان الى حد بعيد، اذا استطعنا الابتعاد عن الذكاء المريض الذي دفع بلبنان نحو محنة مالية واقتصادية والذي يكاد ان يتسبب في تفجر قطاع المصارف.

اضف رد