الرئيسية / أضواء على / توفيق الباشا يتحدث عن شؤون الموسيقى وشجونها

توفيق الباشا يتحدث عن شؤون الموسيقى وشجونها

النهار
07092017

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقابلة أجرتها مي منسى في “النهار مع الفنان توفيق الباشا بتاريخ 16 آذار 2002 تحت عنوان: “توفيق الباشا العائد من القاهرة وطهران يتحدث عن شؤون الموسيقى وشجونها: لتكن الأوركسترا الوطنية في خدمة التأليف الجادّ”.

ذات يوم من عام 1991، جلست الى مائدة الموسيقى اصغي الى مؤلفها واستمد من كلامه مذاقات حارة، مرّة، يكسوها الحنين، او متبلة بالذكريات التي تحوك في الزمن المسرع خيوط نغم لا تنكسر ولا تقطع صلاتها بالأمس. اليوم، وبعد احد عشر عاماً، التقيت الاستاذ توفيق الباشا حول المائدة ذاتها، كأن الزمن توقف عند فصل من الكلام لم ينته. فالموسيقى كالسنديان تمد جذورها في تربتها بلا حدود، حاضرة معتقة في الزمان والمكان، تطيّب الروح والخواطر ولا تفرغ من نسغها مهما مرت عليها ازمان. اتجاه حديثنا في بدايته كان “مهرجان الموسيقى العربية الجادة”، الاول من نوعه في عالمنا العربي، نسقت له اوركسترا القاهرة السمفونية بغية الانفتاح على العالم من خلال لغة موسيقية عالمية يصل العطاء العربي من خلالها الى شعوب الغرب على اختلافها. “اتجاهات عربية” عبارة لا تشير الى شعارات ايديولوجية او مذاهب سياسية. انها عرفان للانسان المتكلم بلغة الموسيقى، الذي يخاطب ارضه ويعرّف عنها بالنغم، اسلوبه الانشائي وسيلته. وانطلاقاً من هذا المحور حدثنا توفيق الباشا كلّي الاقتناع بأن استمرارية هذا المهرجان السنوي سيكون لها المردود النيّر للوجه الثقافي العربي.

 استاذ توفيق، فهمت منك ان “مهرجان الموسيقى العربية الجادة” الذي اقيم في القاهرة بين 2 و16 شباط الفائت يهدف الى اثراء الحياة الثقافية في مصر اولاً والتعريف بالموسيقى الجادة في الوطن العربي والعالم. لكن من كان وراء هذه الفكرة؟

– من فضائل اوركسترا القاهرة السمفونية انها اوكلت بامورها الجدية الى لجنة من المستشارين المثقفين تولوا قيادة هذا المركب ببرامجه ومشاريعه. والفكرة هي للسيدة سمحة الخولي العضو في لجنة اوركسترا القاهرة. سيدة مثقفة وصاحبة بصيرة واعية. انها قرينة المؤلف الراحل جمال عبد الرحيم احد ابرز مؤلفي الجيل الثاني الذين ساهموا في اثراء الحركة الموسيقية المصرية القومية. عرضت منذ اكثر من عام تحقيق مهرجان للمؤلفين العرب يتحوّل في ما بعد سنوياً. والفكرة هذه حلم كل مؤلف موسيقي عربي في صراعه مع حضارته.

 ألم تكن للمؤلف العربي قبل هذا المهرجان فرص البروز واطلاع العالم على مؤلفاته؟

– نحن فئة من الناس سلاحنا الفكر والثقافة. دفعتني الى الكتابة الموسيقية منذ اوائل الخمسينات الحال السيئة التي لمستها في موسيقانا. فضولي حيال جذوري التراثية جعلني اكتشف كنوزاً لا تحصى، الى الكنوز العالمية التي اكتسبناها من دراستنا الطويلة لها، الفيت نفسي إزاء مسؤولية كبرى لسد الفراغ في دنيانا الموسيقية، كما ألفيت جيلي من المحافظين غارقاً في مدارس غنائية غربية، غريبة عن محيطنا ومجتمعنا. شعرت في تلك الاثناء بأننا بتنا قادرين على توظيف ما اطلعنا عليه، لصنع شخصية موسيقية غنائية تمثل حضارتنا وحاضرنا والا كانت “الطقطوقة” هي الغالبة. وددت كفنان ان ارضى عن ذاتي بدءاً، وعثرت على هذا الرضى في الكتابة الموسيقية الكبرى غير المطلوبة في المؤسسات الاعلامية، وهي الموسيقى الاوركسترالية في توافقها الصوتي والتقنيات المتوافرة في الموسيقى العالمية. وفيما انا اكتبها كنت متنبهاً الى عدم الشرود عن خدمة موسيقانا الشرقية العربية.

 ولكنها ليست المرة الاولى التي تعزف فيها اوركسترا القاهرة السمفونية مقطوعات لك؟

-اوبرا القاهرة مع الاوركسترا السمفونية والجوقة التابعة لها عزفت وانشدت لي عملاً اوركسترالياً – كورالياً استعضت فيه عن كلمة “اوراتوريو” في معنى الموشح الديني، بكلمة “انشادية” والعمل كتب لاوركسترا من تسعين عازفاً ولجوقة من مئة صوت. واليوم، بعد سنين، قدمت هذه الاوركسترا العرض الشامل للمؤلفين العرب. فمن اصل اربعة وعشرين مؤلفاً عربياً عزفت اعمالهم في المهرجان، احتل لبنان اربعة مواقع بدءاً بوليد غلمية وسمفونيته الخامسة “المواكب”، وغدي الرحباني في رباعي وتري وفواد فاخوري، وختام المهرجان كان مع احد مؤلفاتي كونشرتينو لبيانو واوركسترا وترية، كذلك لبشارة الخوري في قصيدة لبيانو واوركسترا وعزفها على البيانو عبد الرحمن الباشا ثم عاد الى السمفونية الثالثة لأبو بكر خيرت لبيانو واوركسترا.

 وهل لاولئك المؤلفين، ولبنان بينهم، ان يحظوا بشهرة عالمية بفضل هذا المهرجان؟ – غاية المهرجان ان ينطلق من الارض المصرية ليجول في البلدان العربية والاوروبية، فيبدل في نظرة الموسيقيين المستشرقين الى محيطنا العربي التي تخال انه لن يتجاوز السنطور والبزق والعود والطبلة وكأنهم يقولون لنا اياكم ان تتجاوزوا حدودكم. الخطوة الاولى هذه كانت ناجحة للغاية.

 احمد الصعيدي هو القائد الأساسي لاوركسترا القاهرة، كيف عبّر عن هذا الحدث؟ – في الكلمة الافتتاحية للبرنامج قال المايسترو احمد الصعيدي انها مصادفة غريبة ان يتزامن هذا المهرجان مع الحوادث العالمية الاخيرة التي كانت أحد اثارها السلبية محاولة تشويه ملامح الشخصية العربية ودمغها بمظاهر الانعزال الثقافي عن ركب الحضارة العالمية. وشاء في هذا البرنامج تقديم نخبة من اعمال المؤلفين المصريين والعرب والتركيز على انتاج الجيلين المولودين قبل منتصف القرن العشرين وبعده كمحور اساسي للمهرجان، على ان يشمل مهرجان السنة المقبلة محاور اخرى من عطاءات المؤلفين العرب.

 والبلدان التي شاركت؟

– كان العدد الاكبر من المؤلفين المصريين، من ابو بكر خيرت الى احمد الصعيدي، فجمال عبد الرحيم وراجح داود المؤلف اللبناني المولود في القاهرة ورفعت جرانه وعادل عفيفي والدكتور طارق علي حسن، الاختصاصي في الغدد الصمّاء، وعزيز الشوان، ومحمد عبد الوهاب عبد الفتاح ونادر عباسي، ومن سوريا الدكتور صلحي الوادي ورعد خلف، ومن العراق محمد عثمان صديق، ومن السودان علي عثمان، ومن لبنان توفيق الباشا وبشارة الخوري ووليد غلمية وغدي الرحباني وفؤاد فاخوري.

 عام 1994 عزفت لك اوركسترا القاهرة انشاديتك في قالب الاوراتوريو الروحانية. لِمَ هذا الفاصل الزمني بين الأمس واليوم؟

– بل غاب سهواً ان هذه الاوركسترا استضافت عملين لي عامي 1994 و1995، انشادية من قصيدة لأحمد شوقي واخرى من تراث محيي الدين ابن عربي من قصائد الابتهالات والدعاءات الصوفية وفلسفة الاضداد.

 متى شرعت في كتابة الموسيقى الكبيرة كما نسميها؟

– اولى كتاباتي كانت سمفونية لباليه الاوبرا عام 1952 استلهمتها من قصيدة “الليل” للشاعر سعيد عقل في مجموعته “رندلى”، تلتها “سويت” التي استوحيتها من قصص “الف ليلة وليلة”، ثم “سويت” اخرى استوحيتها من جولة في الاندلسي. وعام 1970 كتبت سمفونية لاوركسترا وترية عزفتها في قصر الاونيسكو في باريس واوركسترا الكونسرفاتوار الفرنسي وكتبتها وفق نظرية اللامقامية التي تعتبر من اصعب الكتابات.

 في أوائل الخمسينات كانت الأغاني مزيجاً من الموسيقى كأنما كان على الفنان ان يتعاطى كل شيء ليعيش.

– “مدرسة بيروت” نشأت في اوائل الخمسينات ثم عاد فتناولها توفيق سكر وزكي ناصيف والاخوان رحباني وانا. اطلق عليها يومها “عصبة الخمسة”. واتجه توفيق سكر لاحقاً نحو التدريس واستمررنا نحن الاربعة في العطاء.

 وفق اي نظام قامت يومها الدراسات؟

– وفق الموسيقى العالمية المعمقة، ومن خلالها التفتنا الى تراثنا الشعبي وتراثنا التقليدي المشترك للشعوب العربية وآلات من التراث الاندلسي. كانت مدرسة اوائل الخمسينات بثروتها الكبيرة حافزاً لنهج مثل نهجنا وهو ما لمسته في تونس والقاهرة.

 موسيقاك المشغولة بحسب المقاييس الكلاسيكية لا تخلو من التأثيرات الموسيقية المحلية التي تعبر عنها من دون إلحاح.

– اننا ثمرة تفاعل حضارات في هذه المنطقة، لذا تمازجت في موسيقانا الالوان الفارسية والبيزنطية والعربية، وهذا التمازج اعطى نتائجه في الديار الاندلسية. هذا هو التراث. انفخ كعربي في المنجيرة وتظل موسيقانا شرقية عربية.

 أي دور لفنان ذي ضمير مثلك ان يؤدي حيال تردي الاغنية والموسيقى الغربيتين؟

– اشعر كموسيقي بأن علينا، انا وزملائي، ان نكون حرّاس الاذن كي لا تفسد البيئة السمعية. لكن ماذا في استطاعتنا ازاء مؤسسات الاعلام التي تشجع لهذا الصنف الدارج. في الخمسينات لم يكن ممكناً لولا اذاعة الشرق الادنى ومهرجانات بعلبك تقديم فن رفيع. الفكر موجود والموهبة دوماً حاضرة ويحتاجان الى من يحضنهما.

 قبل مهرجان بعلبك كيف كانت حال الموسيقى؟

– من الخطأ الاعتقاد ان الاوركسترا السمفونية الوطنية تكونت الآن. كان الامير رئيف ابي اللمع مدير الكونسرفاتوار الوطني يقود في تلك الآونة اوركسترا وكان عازفوها اساتذة من خارج البلاد، واساتذتنا في آن واحد، وحين كانت تدعو الحاجة الى المزيد من العازفين كان ينضم الى الاوركسترا موسيقيون يعملون في الكاباريهات، وكانوا من خيرة العازفين الكلاسيكيين. معهم نشأت اوركسترا بعلبك عامي 1957 و1959. مع الرحابنة وزكي ناصيف… اما البدعة اليوم فتقضي بمنع المتعاقدين مع المعهد الموسيقي من العزف خارج المعهد. انه قرار خطير، اذ يحد من حرية الفنان ولقمة عيشه. القيت هذا السؤال على الاستاذ احمد الصعيدي واجابني انه يوم ولدت فكرة تحجيم العازفين داخل المعهد احتججنا في قوة لأنهم يملكون بعد عملهم وتمارينهم المفترضة حرية العمل انّى شاؤوا فهم في خدمة العطاء في هذا البلد، لا في خدمة الشخص.

 لكنك سجلت الى الآن اكثر من عمل…

– لا أود ان يتضمن سؤالك اي التباس. عدت من طهران حديثاً حيث سجلت عملي الأخير، ولي في القاهرة محطات سجلت فيها مع موسيقيي الاوركسترا السمفونية. واعرفي تماماً ان منصور الرحباني سجل موسيقى “المتنبي” في كييف وزياد الرحباني وفيروز لجأا الى اوركسترا ارمينيا السمفونية، وماذا بعد؟ هذا ما يحزنني. انا توفيق الباشا اؤلف منذ نصف قرن. لنفترض أني راضٍ باوركسترا محجمة من كي بورد وديجيتال فيه اثنا عشر كماناً تتحول بالوسائل الالكترونية الى ست وثلاثين آلة. ماذا عساي افعل بآلات النفخ؟ هذا الأمر واجهته حين طلب اليّ عبد الحليم كركلا موسيقى تدخل للمرة الاولى في عمل استعراضي كدراما موسيقية غنائية… انجزنا تسجيل الوتريات في استوديو زياد رحباني، واضطررت لاكمال الكتابة الاوركسترالية لآلات نحاسية وخشبية نفخية الى الذهاب الى طهران لتسجيلها مع الايقاع، وعوض ان تكون الاوركسترا كلها في خدمة العمل اضطررت الى تسجيل كل آلة نفخ على حدة. ماضياً، كان الاتقان في العمل شعارنا وهو ما نفقده اليوم من اجل انظمة بيروقراطية!

 افهم من كلامك ان لديك لوماً على الاوركسترا السمفونية اللبنانية…

– ينبغي ان تكون الاوركسترا الوطنية في خدمة العطاء اللبناني فتهب نفسها لمن يملك طاقة التأليف والكتابات الجادة. لعل في كلامي هذا غصة دفينة لا أبوح بها، مع اقتناعي بأن اوركسترا تحمل هوية بلد ان تتعاطى اولاً مع مؤلفات هذا البلد، الجيدة بالطبع. هكذا يتصرف الروس والبولونيون والايطاليون والالمان وسواهم. اذكر مرحلة جميلة عاشتها بيروت حين كانت الاوركسترا تعزف في الاسمبلي هول والوست هول والعازفون من اساتذة المعهد الوطني، الى قناصل ينضمون بآلاتهم، خارج وظيفتهم الديبلوماسية هكذا تعرفنا الى الموسيقى الكلاسيكية. اذ كان من اهداف المعهد الوطني للموسيقى نشر المعرفة الى جانب الدراسة والتخصص، وكانت ثمة لجنة وطنية للموسيقى تابعة للاونيسكو، وكان الكسي بطرس يحمل اعباءها، وبعد رحيله عملنا على تجديد نشاطها واوقفناها على قدميها. اليوم يحمل الدكتور وليد غلمية عبئاً كبيراً عبر احتوائه المعهد الوطني للموسيقى برمته فناً ودراسة وادارة فضلاً عن الاوركسترا المسفونية والاوركسترا الشرقية، وكلها خاضعة لاشرافه بمسؤولياتها المرهقة. ارى ان تكون شؤون الاوركسترا منفصلة عن المعهد ولها مجلسها الخاص وعلاقاتها مع الخارج وبرامجها ومكتبتها.

 ألا يزال توفيق الباشا يعيش لموسيقاه؟

– صرت في السابعة والسبعين ولا ازال اعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً على نوطاتي. انه فرحي، ولولا الموسيقى لشعرت بالضياع.

 أذكر ان خالك خليل مكنيّة هو من وضعك على سكة الموسيقى.

– خليل مكنية هو عراب الموسيقى الحديثة في لبنان. انه الذي عرفنا على زكي ناصيف وعاصي ومنصور الرحباني. التقينا وصرنا نخطط معاً. لكن تعمقي في الموسيقى ىقود الى اساتذة كبار امثال ايلي بنجامان والكسي كوغل. كنت اتمرن اربع ساعات على الفيولونسيل قبل الظهر واربعاً اخرى بعده. ثم انتقلت من الجامعة الاميركية حيث كنت أدرّس الموسيقى الى رام الله حيث عملت في اذاعة القدس وأسست هناك فرع الموسيقى الى عام 1948، بعد ذلك كان استاذي برتران روبيار.

 عبد الرحمن، ابنك، عزف لك مقطوعتك “نوستالجيا” في البلمند. كيف تفاعلت في تلك الليلة والناس يصفقون لك.

– “نوستالجيا” عزفها عبد الرحمن للمرة الاولى في بروكسل واستقبلها النقاد كحدث. انها نوع من الكتابة الجادة في الموسيقى التي تلتقي في تركيبتها الموسيقى الكلاسيكية. وكانت لي سمفونية “السلام” من وحي الحرب وعزفتها اوركسترا لياج الفيلارمونية بقيادة بيار بارتولومي. ولا اخفي ان الفرح يغمرني سواء جاء التقدير من بلدي او من الخارج.

 كيف تصف علاقتك بعبد الرحمن؟

– علاقة أبوة بالطبع، ومعها علاقة بين موسيقيين.

 وما هي مشاريع عبد الرحمن الباشا؟

– سيعزف لستة ايام في مدينة نانت كامل اعمال شوبان تلك التي سجلها في ترتيب كرونولوجي قبل عامين.

اضف رد