توضيح بسيط لمن يُريد لبنان في محوره

لا يزال الجدار اللبناني أصلب جدار في الشرق. لأن خطى الدهر رسمته، وأيدي الزمان زرعته في الأرض والتراب. وهو أخفى وراءه أسراراً صعب على الكثيرين اكتناهها، ممن استسهلوا مدّ الأيدي إليه.

ولكن في الوقت الذي تعذر فيه على بعض الأقربين والأبعدين إدراك هذه الأسرار، فتمادوا بالعبث فيه والتلاعب بتوازناته التي كانت في أساس تكوينه، لا تزال أميركا تؤمن بمتانة هذا الجدار، فقررت ان تبني لها أكبر سفارة لها فيه في ديار الشرق.

إذا كانت أميركا هذه، أكبر دولة في العالم، لا تزال ترى في هذا البلد الصغير كياناً أقوى من مختلف العواصف التي هبت عليه ومن حوله، وعلى رغم الأصوات المرتفعة في بعض شوارعه منادية بـ”الموت لأمريكا”، فلا بدّ لهذه الخطوة ان تستدعي التوقف عندها. لأن اميركا لا تقدم على خطواتها في العالم إلا استناداً إلى مصالحها الحيوية التي هي نظرية متكاملة في سياستها الخارجية. فأين لبنان اليوم في مصالحها هذه، في هذا الصراع المحتدم الذي ينذر بأفدح العواقب بينها وبين إيران.

لسنا ندري. لأميركا أسرارها، ولنا تجاربنا مع الأصدقاء ومع الأقربين. هل ذلك لأن واشنطن شهدت كيف ان جدران البلدان الأخرى تهاوت أو تصدعت من أفغانستان إلى كيانات الشرق العربي، وبقي جدار لبنان واقفاً على رغم استمرار وجود الأيدي العابثة فيه؟

هل لهذه الأسباب أو لغيرها أو لأننا سذجاً كنا أو حالمين، أو في الحقيقة واقعيين على رغم نكبتنا الحالية الكبرى بحكامنا والمسؤولين عنا، فنستنتج انه، بعد مئة عام على ولادة الكيان، لا يزال هذا الكيان واقفاً. على رغم ضربات الأعداء وحروب اسرائيل، وضربات الأخوة والأشقاء واغتيالات السيارات المفخخة. على رغم سارقي الدولة من دون محاسبة، ومن جوع الطارئين على مراكز المسؤوليات. لا تزال واقفين.

لبنان أغرى البعض بمد الأيدي إليه والأيام الكالحة القريبة العهد شاهدة على ما حصل، وعلى السياسات الهوجاء، والشعارات الزائفة التي رفعت خدمة لتلك السياسة. هذا كله قرأناه وشهدناه وسمعناه.

لكن التاريخ شاهد. وهو موجود لكي يتعلم الجميع. فهذا الجهل أو التجاهل هو مشكله من لا يريد ان يتعلم وليست مشكلة اللبنانيين. اللبنانيون أجمعين، مثل كل العالم العاقل، كانوا يتمنون لو ان المواجهة الأميركية – الإيرانية لم تحصل، ولو لم يتم اغتيال القائد الإيراني؟ حتى لا تتعرض توازنات الشرق للاهتزاز وتنذر بالكوارث.

بالطبع ارتفعت بعض الأصوات الموسمية مطالبة بالحياد. وهو مطلب يؤمن به العديد من المخلصين في صيغة تناسب لبنان أي من غير أن تخرجه من محيطه العربي، ومن التزام قضاياه، والتي يعرف الجميع انه دفع أفدح الأثمان في سبيلها ماضياً وحاضراً. أي ان يبقى عربي الهوية والانتماء، في حالة هدنة مع اسرائيل، وقت فتحت دول عربية أبوابها وسفاراتها ومصالحها للدولة العبرية.

Volume 0% 

لسنا في هذا الوارد بالطبع، ولبنان كان ولا يزال نقيض الكيان العنصري. ولكن مهلاً قليلاً: تعلموا من تجارب الآخرين القريبة العهد. قد تتغير الموازين غداً، لكن ميزان لبنان لا يتغير. إذا كنتم لم تكشفوا سره هذا بعد، فهذه مسؤوليتكم ومشكلتكم.

صحيح ان لبنان بلد منكوب اليوم. منكوب بمسؤوليه وحكامه العاجزين عن حل أبسط قضاياه. ولكن هذا شيء، والاصرار على ادخاله في المحاور شيء آخر. فلماذا لا تصبحون أصدقاء اللبنانيين كلهم؟

صدقونا ليس ذلك صعباً. على رغم ان البعض ما زال مصراً على ان يحصر علاقته بقسم من اللبنانيين. صدقونا: يكسب من يعمل على ربح اللبنانيين جميعاً، وليس على استفرادهم. وما كان ينطبق على سوريا بالأمس ينطبق اليوم على ايران. فأخذ قسم من اللبنانيين كأصدقاء وحدهم، يلحق الضرر بمصالحهم هم قبل مصالح لبنان. لأنه لا يمكن بالنتيجة ان ينفصل جزء من الجسم عن الأجزاء الأخرى. فالأجزاء هذه ليست من صنعكم. والتاريخ شاهد على توالي الاختلاطات في لبنان على مر السنين. انهم غيروا الأماكن ربما ولكنهم لم يتغيروا، فالوطن المتنوع التكوين لعله غير مكتمل في نظر البعض مقارنة بتجارب دول أخرى، لكنه لا يشبه الآخرين في شيء.

وخاسر حتماً كل من يحاول جره إلى حلفه أو إلى محوره. لبنان نقيض المحاور. اذ لا ينتج من هذه المحاولات سوى الفوضى والعبث والخراب والفساد وضياع المسؤوليات فضلاً عن خسارة الرهان. لأن الحماية المنطلقة من الداخل هي أقوى بكثير من حمايات الخارج، مهما بلغ شأنها.

لأسباب خاصة بلبنان، وبلبنان وحده، لا يمكن جرّ هذا البلد إلى أي حلف. ادرك ذلك الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في ذروة صعود نفوذ الناصرية على الشرق العربي ومغربه. “اتركوا لبنان جانباً” قال، فلم يقبل بإدخاله حتى في دول المساندة، وقت تصنيف الدول بين المواجهة لاسرائيل أو مساندة هذه المواجهة. حافظوا فقط على عروبته. نظام الحكم السوري لم يدرك ذلك. فخرج جيشه مرغماً من لبنان. لأن لبنان هذا لا يمكن ان يكون جزءاً من عقيدة أحد أو من مشروع أحد أو من طموحه. منذ البدء، أي منذ الاستقلال قال رياض الصلح مثل هذا الكلام في جلسة البيان الوزاري الشهير، جلسة الميثاق الوطني، في أيلول 1943. وخطب بشارة الخوري شاهدة. المملكة العربية السعودية مثل غيرها من الدول العربية، احترمت هذه الخصوصية اللبنانية، التي تمّ تكريسها في ميثاق جامعة الدول العربية عام 1945 عبر فرض الإجماع في الموافقة على القرارات، حتى لا يحرج لبنان بالتصويت الأكثري.

هذا عن الذين يجتمع معهم لبنان برابطة العروبة واللغة والتاريخ والعطاءات المتبادلة. فما بال بعض المسؤولين الايرانيين منذ احمدي نجاد حتى اليوم، يتحدثون عن جنوب لبنان. هذا شديد الاستغراب والرفض، هل لأن غالبية سكانه من الطائفة الشيعية؟ كيف يحدث ذلك. فاللبنانيون أجمعين يسجلون افضال من تمكنوا من اخراج اسرائيل من الأراضي اللبنانية. ولكن ليس الجنوب محمية لأحد. اولاً لأن هذا زمن انقضى وقته. عرفه لبنان في القرن التاسع عشر يوم الحمايات الدولية المعروفة للطوائف. انه زمن انقضى. لبنان في عصر آخر. انه صديق الغرب وصديق الشرق وصديق كل من لا يتدخل في شؤونه إلا للتبادل. وهو مكتمل العروبة ومكتمل الحرية في نظامه الحر وهذه هي مواصفاته التي لا تشبه أياً من مواصفات دول الجوار العربي.

تفضلوا وتعرفوا على لبنان، ولا تتعبوا أنفسكم وتتعبونا. الشرق يتغير. والصواريخ تتجاوز الدول والقارات. لكنها تعبر فوق لبنان. هكذا كتب. إذ لأسباب لم تحاولوا فهمها، أو انكم لا تريدون فهمها، قولوا لنا: كيف بقي هذا الكيان واقفاً، ولم يتمكن أحد حتى الآن من هزّ قواعده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*