الرئيسية / أضواء على / تهريب المحروقات سرّع انهيارنا (2): شروط “الصندوق” وفيتو “الحزب”

تهريب المحروقات سرّع انهيارنا (2): شروط “الصندوق” وفيتو “الحزب”

علي برجاوي – الأحد 17 أيار 2020
https://www.asasmedia.com/news/386131

من الواضح أنّ الخسائر المرتبطة بالتهريب والمتراكمة منذ بداية العام الماضي – خصوصاً خسائر تهريب المحروقات – لم تكن خسائر هامشيّة أو بسيطة في سياق الأزمة الماليّة اللبنانيّة، بل كانت ضخمة ومؤثّرة إلى درجة تسريع الوقوع في مرحلة الانهيار التي يعيشها اليوم. لأنّها استنزفت 5 مليارات دولار منذ بداية العام 2018 حتى اليوم في تهريب المازوت وغيره من المحروقات بعيداً عن حاجة لبنان من المواد نفسها، بما  يزيد عن 150 % من احتياطي مصرف لبنان القابل للاستخدام من الدولار الأميركي، الذي يقدّر بـ3 مليارات من أصل 20 ملياراً، 17 منها احتياطي إلزامي للمصارف.

لكن بمعزل عن خسائر المرحلة السابقة، من المؤكّد أنّ هذه الظاهرة مستمرّة، وربما ستتوسّع مع توسّع هامش العقوبات على النظام السوري. وهي ستطرح خلال المرحلة المقبلة إشكاليّات وتحدّيات كبيرة أمام جميع المعالجات النقديّة والماليّة المطروحة.

فتمويل “صندوق النقد الدولي” يمثّل اليوم الحجر الأساس في الخطّة الحكوميّة التي طرحها الرئيس حسّان دياب. ولا تملك الحكومة حاليّاً أيّ تصوّرات لخطط واقعيّة بديلة في حال فشلت في دخول برنامج قرض مع الصندوق. لكنّ الصندوق سيطرح قبل كلّ شيء هواجسه وشروطه المتعلّقة بالمعابر غير الشرعيّة وعمليّات التهريب قبل توفير أيّ دعم مالي، مع العلم أنّ جميع المؤشّرات تدلّ على نيّة صندوق النقد طرح هذا الموضوع على بساط البحث خلال المفاوضات مع الدولة اللبنانيّة.

بالطبع إلى جانب الشروط السياسية التي بدأت تطلّ برأسها في أكثر من مكان، وآخرها بيان “مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان” التي دعت إلى “إشراك جميع اللبنانيين” في مناقشة الإصلاحات، وإلى تطبيق القرارات 1559 و1680 و1701، وكلّها توصل عن طريق أو عن آخر إلى مسألة سلاح حزب الله. و1680 مخصّص للدعوة إلى ترسيم الحدود مع سوريا، مع ما يعنيه هذا من سيطرة على هذه الحدود.

 وبمعزل عن شروط الصندوق، فمن الطبيعي أن يمثّل موضوع التهريب تحدّياً كبيراً لأيّ معالجة نقديّة أو ماليّة يسعى مصرف لبنان إلى تطبيقها. فالاحتياطي من العملات الأجنبيّة وصل إلى مستويات حسّاسة، والمصرف المركزي يسعى اليوم إلى تقنين استخدام هذه الاحتياطات إلى أقصى حدّ. ومن الطبيعي أن يكون التعامل مع ملف التهريب في طليعة أولويّات الحكومة، خصوصاً أنّ هذا الملف يمثّل حاليّاً أكبر مزاريب هدر السيولة بالعملة الصعبة التي يعاني منها النظام المالي.

الخطاب الأخير للأمين العام للحزب يشي بعدم اقتناعه بتوجّهات الحكومة في هذه القضيّة، خصوصاً حين ركّز على وجوب ربط أيّ معالجة للموضوع بضرورة معالجة أزمة العلاقة مع سوريا

من هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم مبادرات الحكومة الأمنيّة الأخيرة، التي سعت إلى إعطاء انطباع بوجود معالجات أمنيّة سريعة على الطريق. لكنّ خطط الحكومة للتعامل مع الموضوع – وبمعزل عن جديّتها – لن تجد طريقها إلى الترجمة الفعليّة ما لم تقترن بمواكبة من حزب الله، صاحب النفوذ الأكبر في المناطق المعنيّة بهذه الخطّة، وهو أيضاً الحزب الذي يحمل اعتبارات عديدة عند مقاربة الملف، تبدأ من طرق إمداده العسكريّة العابرة للحدود، وصولاً إلى العلاقة مع النظام السوري نفسه، الممسك بالحدود من الجهة الأخرى.

الخطاب الأخير للأمين العام للحزب يشي بعدم اقتناعه بتوجّهات الحكومة في هذه القضيّة، خصوصاً حين ركّز على وجوب ربط أيّ معالجة للموضوع بضرورة معالجة أزمة العلاقة مع سوريا. نصر الله لم يقصد في خطابه التنسيق مع سوريا من خلال قناة اتصال أمنيّة لمعالجة الملف بشكل تقني، خصوصاً أن قناة الاتصال مع النظام السوري موجودة أساساً وممثّلة بشخصيّة أمنيّة من الصف الأوّل هي اللواء عباس إبراهيم. بل على ما يبدو، أراد نصر الله التلميح بأنّ النظام السوري سيقايض ملف التعاون مع لبنان لضبط الحدود البريّة، مع ملفّات أخرى ذات طابع سياسي، مثل تطبيع السلطة اللبنانيّة مع النظام السوري.

في كل الحالات، من المؤكّد أنّ موضوع الحدود البريّة وعمليّات التهريب ستبقى مطروحة بقوّة على بساط البحث خلال الفترة المقبلة ولأسباب عديدة، أبرزها تفاقم الضغوط النقديّة على المستوى المحلّي، وإصرار صندوق النقد على مقاربة الموضوع، بالإضافة إلى سعي مصرف لبنان إلى معالجة جميع مزاريب السيولة بالعملة الأجنبيّة التي تضغط على احتياطاته. وأمام كل هذه العوامل الضاغطة، سيكون التحدّي صعباً جداً أمام الحكومة، في التعامل مع الملف بما يعالج هواجس جميع هذه الأطراف، بالإضافة إلى هواجس حزب الله نفسه الذي يبدو أنّه يراقب تطوّرات الملف بشكل دقيق وحذر جدّاً.